الأخبار
أخبار إقليمية
وديعة سريعة وإلا نموت
وديعة سريعة وإلا نموت


04-10-2014 06:13 PM

بابكر فيصل بابكر

أشرتُ في مقالاتٍ عديدة سابقة إلى أنَّ إصرار المسؤولين الحكوميين على إعطاء معلومات غير صحيحة فيما يلي الأوضاع الاقتصاديَّة بالبلاد لن يؤدي إلا لتوسيع فجوة انعدام الثقة القائمة أصلاً بين المواطنين والحكومة.

وقد أوردتُ في هذا الإطار الكثير من التصريحات المُضللة للمسؤولين في وزارة المالية وبنك السودان حول الآثار المتوقعة للأزمة المالية العالمية التي وقعت في عام 2008 على الاقتصاد السوداني, وكذلك أثر خروج بترول الجنوب, ومؤخراً التأثير السلبي لمقاطعة بعض البنوك السعودية للبنوك السودانيَّة.

وكانت فلسفة وزير المالية السابق علي محمود في عدم كشف حقائق الوضع الإقتصادي للرأي العام هي أنه : ( ليس لدينا خيار آخر غير ما قلناهُ للناس فكان واجبنا أن نبث الطمأنينة في نفوس الشعب السوداني وليس تخويفه ), وذلك بحسب رأيه لأنه : ( في عالم السياسة ليس كل ما يُعرف يُقال، مثلاً إذا كان الوضع المالي في المالية والبنك المركزي خطراً لا يمكن أن نخرج إلى الجمهور لإعطائه تفاصيل التفاصيل ). انتهى

وقد قلتُ حينها إنَّ وزير المالية لا يُدرك خطورة هذه المبررات لأنها تعني أنَّ الحكومة تخفي الحقائق عن الشعب, وهو أمرٌ يؤدي في الغالب للإطاحة بحكومات بأكملها في البلاد التي تحكم بالنظم الديمقراطيَّة لأنه ببساطة شديدة يُضلل الشعب بإخفاء حقائق يمكن أن تؤدي لانهيار الاقتصاد. وأوضحتُ أنَّ وزير المالية يخلط بين ممارسة السياسة في إطارها العام, وبين مسؤولية رجال الدولة في الحكم والذين يتوجب عليهم مصارحة الشعب بالحقيقة المجرَّدة حول أوضاع الاقتصاد.
ما يزال المسؤولون في الوزارات و القطاع الاقتصادي يواصلون نهج "طمأنة" الناس الذي لا يستند للحقائق الاقتصادية على الأرض, فهاهو وزير المالية بدرالدين محمود يقول في ورقة حول تقييم البرنامج الثلاثي للاستقرار الاقتصادي إنَّ البرنامج ( حقق نتائج إيجابية واضحة للبلاد خلال العامين الماضيين), وأضاف أنهُ ساهم في ( استقرار سعر الصرف ومعدل التضخم).

تضمَّن البرنامج الاقتصادي الإسعافي الثُلاثي (2012 -2014) الذي أعلنته الحكومة تطبيق سياسات نقدية ومالية تهدف لاستعادة الاستقرار الاقتصادي باحتواء معدلات التضخم وتحقيق استقرار سعر الصرف والاستقرار الاقتصادي الذي يشكل الركيزة الأساسية لإحداث التنمية, فما الذي حققتهُ تلك السياسات؟
هدفت السياسة المالية للبرنامج الثلاثي لخفض صرف العملات الأجنبيَّة من خلال "إحلال واردات" أربع سلع رئيسية هي دقيق القمح, والسكر, والدواء, وزيوت الطعام, و"زيادة صادرات" أربع سلع أخرى هي الصمغ العربي والقطن والماشية والذهب.
ولكن لم يتحقق من ذلك شىء حيث إن فاتورة استيراد القمح ما تزال في حدود الـ 900 مليون دولار, والسكر 500 مليون دولار, والزيوت 150 مليون دولار, بينما تفوق فاتورة استيراد الدواء الـ 400 مليون دولار.

أمّا بخصوص زيادة الصادرات في سلع الصمغ العربي والقطن والماشية والذهب فيكفي أن نعلم أنَّ جميع صادرات القطاع الزراعي في العام الماضي لم تتجاوز الـ 470 مليون دولار ( أقل من فاتورة واردات السكر لوحده) بينما كانت صادرات المواشي في حدود الـ400 مليون دولار.
فشلت استراتيجية النهضة الزراعيَّة التي سعت الحكومة من خلالها لزيادة صادرات الزراعة أو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب, حيث عانت الزراعة من شح التمويل, وشكا وزير الزراعة في مطلع هذا العام من أنَّ إجمالي الأموال التي وفرتها البنوك للتمويل الزراعي لم تتعد 2.5 مليارات من الجنيهات, وهو ما يمثل 2% فقط من إجمالي الأموال التي قدمتها البنوك لتمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

السياسة النقدية لم تستطع كذلك خلق الاستقرار المنشود في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار حيث بلغ سعر الأخير 8.3 جنيهات في السوق الموازي هذا الأسبوع ( كان سعره في نفس السوق عند بداية البرنامج الثلاثي 4 جنيهات ), بينما ارتفع معدل التضخم بين عامي 2011 و2013 من 19% إلى 37% في نهاية العام 2013 وهو الأمر الذي يعني أنَّ القيمة الشرائية للعملة انهارت بنسبة 100%.
فأين هي إذاً نجاحات البرنامج الثلاثي التي يتحدث عنها وزير المالية ؟

إنَّ الفشل الذي أصاب البرنامج الثلاثي جاء نتيجة لتبني البرنامج للعديد من الافتراضات الخاطئة وعلى رأسها الرهان على قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات الخارجية في الوقت الذي ظلت فيه البلاد تعيش في حالة حصار وعزلة اقتصادية منذ أكثر من 15 عاماً. ليس هذا فحسب بل أنَّ من المعلوم بالضرورة أنَّ الاستثمارات لا تتدفق على بلدٍ يُعاني من عدم الاستقرار والحروب الداخلية وهي قضايا سياسية في المقام الأول.
لم تتوقف تصريحات المسؤولين الحكوميين عند هذا الحد بل امتدَّت مؤخراً لتوحي بأنَّ مشكلة الموارد المالية وتحريك القطاعات الإنتاجية ستحلُّ بمُجرَّد استلام الوديعة القطرية البالغة مليار دولار, حيث هلل هؤلاء المسؤولون لتلك الوديعة وكأنها الحل السحري الذي هبط من السماء لإنقاذ الاقتصاد السوداني وإعادة استقرار سعر الصرف في السوق الموازي, فأين هى الحقيقة في هذا الموضوع ؟
لقد سبق أن قدمت حكومة دولة قطر في عام 2012 (عام الأساس للبرنامج الاقتصادي) مبلغ ملياري دولار وديعةً لبنك السودان المركزي, فهل نجحت تلك الوديعة في استعادة استقرار صرف الجنيه مقابل الدولار؟ بالطبع لم تنجح لأنَّ الاقتصاد السوداني يعاني من مشكلات هيكلية لا يُمكن حلها بمثل هذه المبالغ, والدليل على ذلك أنَّ قيمة الدولار عادت للارتفاع بعد فترة استقرار وجيزة حتى تخطت حاجز الـ 8 جنيهات هذا العام.
إنَّ المفارقة الكبيرة في هذا الأمر تتبدى بجلاء عندما نستحضر كلمات البيان الأول للإنقاذ الذي تلاهُ حينها العميد عمر حسن البشير مُعدداً الأسباب التي دعتهم للتحرُّك واستلام السلطة, حيث قال :

( إنَّ الوضع الاقتصادي تدهور بصورة مُزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية فازدادت حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو لارتفاع أسعارها مما جعل كثيراً من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة وقد أدى هذا التدهور الاقتصادي إلى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الإنتاج وبعد أن كنا نطمح أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا أمة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود). انتهى

ليس هذا فحسب بل يمضي البيان الأول للإنقاذ في شرح الأوضاع السياسية والاجتماعية حينها ويقول :

( وانشغل المسؤولون بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع استشراء الفساد والتهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الاجتماعية من الطفيليين تزداد ثراءً يوماً بعد يوم بسبب فساد المسؤولين وتهاونهم فى ضبط الحياة والنظام ). انتهى
وها هي "سلة غذاء العالم" بعد مرور خمس وعشرين سنة على بيان الإنقاذ الأول ما تزال تستورد غذاءها من الخارج ( فاتورة استيراد المواد الغذائية تفوق الـ 2 مليار دولار) , و قد تحطم فيها الإنتاج, و ازدادت حدة الفقر (إحصاءات الحكومة تقول إنَّ 46% من السكان يعيشون تحت خط الفقر) واتسعت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية, وتكاثرت الفئات الطفيلية الفاسدة بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.
إنَّ أكثر ما يبعث الأسى في النفس هو أنّ الحكومة التي رفعت شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" قبل ربع قرن من الزمان باتت تفرح و تحتفي بالقروض والودائع الاستثمارية وكأنها إنجازات اقتصادية, مع أنَّ هذه الأثقال لن تؤدي إلا للمزيد من التراكم في الديون الخارجية ( تبلغ حالياً 43 مليار دولار مع خدمة ديون مليار دولار تسدَّد سنوياً ), وهو ما يعني تحميل الاقتصاد و الأجيال القادمة مزيداً من الأعباء والمشكلات.
قلت في مقالة سابقة إنَّ أكبر أزمتين تواجهان الاقتصاد السوداني حالياً تتمثلان في أزمة الموارد المالية التي نتجت عن خروج موارد البترول من الاقتصاد بعد انفصال الجنوب، وأزمة تراجع نمو القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة).

وأشرت إلى أنهُ إذا لم ينكسر طوق العزلة والحصار عن الاقتصاد السوداني وهو شأنٌ مرتبط بالسياسة أكثر من ارتباطه بالاقتصاد، ولم يتحقق نجاح كبير في تطوير هذه القطاعات الإنتاجيَّة وهو أمرٌ غير وارد في المدى القصير بسبب مشكلات هيكلية مرتبطة بتلك القطاعات إضافة لتعقيدات كثيرة مُتعلقة ببيئة الاستثمار، فإنَّ مشكلة الموارد المالية ستظل قائمة.
وبالتالي فإنَّ الوديعة القطرية لن يكون لها مساهمة حقيقية في تحقيق الاستقرار المنشود في سعر صرف الجنيه أو حل الأزمة الاقتصادية لأنَّ الأخيرة كما أكدنا مراراً محكومة بعوامل سياسية وليست اقتصادية.

وبما أنَّ الحكومة شرعت في إيجاد حلول للأزمة السياسية عبر حوار وطني وأصدرت قرارات لتمهيد الأجواء لإجراء ذلك الحوار متمثلة في إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإتاحة الحريات السياسية والصحفية فإنَّ ذلك سيشكل المدخل الصحيح لحل مشكلة السودان الاقتصادية ولكن تبقى حقيقة واحدة مهمة وهي أن "تتطابق أقوال الحكومة مع أفعالها" لأنَّ سجلها التاريخي في هذا الخصوص لا يُبشر بنجاح مبادرة الحوار.

السوداني


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2739

التعليقات
#970419 [صديق حسين عوض]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 11:49 PM
هي يا ود سلامه البي السودان فقير و في ناس هسي حق لبن اطفالهم م عندهم - بيع انتا في مريستك واخرص


#970347 [مصطفي دنبلاب]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 09:53 PM
اول مرة اعرف ان السودان بلد فقير واهله فقراء ..سبحان الله ..قال فقير قال


#970323 [صديق حسين عوض]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 09:14 PM
احذرو السفر عبر القطريه واحذرو السفر للدوجه نصيحه اخص بها كل مواطني بلدي الغلابا حصل لي مقلبين منهم وفي مطارهم لا و لن انساهما واخرهم اقل من عام ويا ما طرقت ابواب التعويض و مرت الان على اولهم و اشهرهم 15 عام بالتمام والكمال فاذا القدر حتم عليكم بالذهاب او زرتم مكاتب القطريه بالخرطوم او حاولتم مع سفارتهم بالخرطوم شوفو الاضطهاد بانفسكم فهم اشر عداءا من اليهود اولاد اعمامنا - شعب مغرور ورافع نخرتو خمسه امتار عكس الامارتيون بيحترمو النفس الانسانيه وبقدرو كرامه الانسان اوصيكم بالسفر عبرهم اما القطريين فلاااااااااااااا فاحذروهم احذروهم احذروهم والله ولي التوفيق


#969842 [usama]
5.00/5 (3 صوت)

04-11-2014 08:18 AM
طول مافي حرب مافي تقدم او اقتصاد,,,لازم الجكومة تضحي بنفسها عشان انها الحرب وبناء السودان من جديد ,,,ودستور واضح يدافع عن السودان ليس عن الأحزاب ,,قانون لصالح المواطن ,,معقولة تكون ماشي لو عاينت للضابط يسجنك ويقول عاين لي بحقارة ويطلع ليك كم جريمة ؟؟؟تذكرو يوم الحساب يوم لاينفع البشير او نافع او طه ..تذكر انك ميت ميت مهم فعلت لكن هل انت جاهز لمقابلة رب العالمين


#969576 [محمد عبد الرحمن]
5.00/5 (4 صوت)

04-10-2014 09:16 PM
قروش قطر دي مصدرها شنو؟ قروش فقر لا بركة فيها تستخدم في شراء الاسلحة و شراء الزمم؟ هل هي قروش دعارة ام تجارة خمور في الفنادق المسماه بخمسة نجوم المنتشرة في قطر ام مقتتطعة من اموال العمال الباكستانيين و الهنود و غيرهم المغلوب علي امرهم. اللهم اكفنا شر القطريين و اموالهم التي تجلب الدمار و العار علي الشعب السوداني و ازل عنا حكم الظالمين و الفساق و الفجار من الامنجية و الترابيين و العسكريين و من شايعهم من الاحزاب الصغيره و الكبيرة- و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة و في الاخرة يا رب العالمين


#969546 [بت قضيم]
5.00/5 (3 صوت)

04-10-2014 08:26 PM
ما تتعشموا في قطر فهيا بديك قطرة قطرة لغاية ما تقطرك خلفها يعني بالواضح تاكلك قطعة زيتونة واحدة وتعصرك لغاية ما تطلع زيتك كلو ولسه ما شفتوا حاجة ودى يا دوب البادية



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
8.88/10 (4 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة