الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
سحر الواقعية في رواية 'مهر الصياح'
سحر الواقعية في رواية 'مهر الصياح'
سحر الواقعية في رواية 'مهر الصياح'


04-16-2014 08:41 AM
رواية أمير تاج السر هي رواية الحب والحرب والغرائب والعجائب والحياة المتشابكة والسحر والعطور في زمن ابتعد عنا كثيراً.

بقلم: هدية حسين

خيط رفيع لا يُرى بين واقع الشخصيات وما تحلم به

تزدحم الأحداث وتتشابك التفاصيل وتتلاحق فلا تترك للقارىء إلا المضي في القراءة لأن الرواية تشده وتأخذه الى عالم ضاج ساحر وممتع على الرغم من عذابات شخصياته، وهذا ما أراده الروائي السوداني أمير تاج السر في روايته "مهر الصياح"، حيث اصطحبنا معه في رحلة شيقة بلغة ممتعة ومطواعة الى (جوا جوا) عاصمة (أنسابة) والى زمن لم يعد ملك الحاضر ولا بين اليدين وليس قريباً لنعبر عتبته ونجلس بين أفيائه، لكن أمير تاج السر انتزعنا من حاضرنا الساكن وزرعنا في أسطورة المكان لنعب من تلك العطور الغريبة التي ابتكرها (جبروتي ولد الحور) ليتفرد بين قومه.

أحداث مستلة من القرن الثامن عشر، ربما لم يكتبها أمير تاج السر كما قرأ عنها، إنما صنعها مخياله الخصب فارتفع بناء معماره الروائي مبتعداً عن الموثّق لصالح الفن.

تبدأ الرواية من (آدم نظر) ابن (نظر حبايب) صانع الطبول، الذي كانت خيالات عطر الرجولة تداعبه وهو يسير صحبة أبيه في شوارع (جوا جوا) قاصدين مجلس الكوراك الأسبوعي الذي كان السلطان (رغد الرشيد) يعقده ليستمع الى شكاوى أو طلبات رعيته، وكان لأبيه مطلب واحد هو السماح له بالحج ضمن القوافل السلطانية، لكن الأب ممنوع من مكرمة السلطان هذه بسبب الفتق الذي يلازمه، لقد حرم السلطان الراغبين بالسفر ممن يعانون بعض الأمراض والعاهات، ومنهم العور والطرشان والمفتوقون وحاملو ميكروب الطاعون اللساني.

وعادةً يُعقد مجلس الكوراك في قصر من قصور السلطان، وكما يصفه لنا أمير تاج السر هو (بناء من طين أحمر داكن على مساحة شاسعة من الأرض تتخللها الحدائق والنوافير، يتوسطه باب عريض من خشب المهوقني الفخم، وتتوزع على طول نسيجه نوافذ صغيرة تمتص الشمس أو ترضع الهواء أو تحمل نظرات معذبة من حريم القصر الى فضول الطريق) ويعد هذا القصر هو الأفخم والأكثر ثراءً في معماره من قصور السلطان المنتشرة في جوا جوا وضواحيها. يأتي الناس من المدن جميعها عارضين على السلطان معاناتهم لعلهم يجدون الحل الأمثل لتلك المعاناة.

خيط رفيع قد لا يُرى بين واقع الشخصيات وما تحلم به، هذا الخيط هو الذي ينسج من خلاله أمير تاج السر أحداث روايته المستوحاة، كما يخبرنا الروائي، من كتاب رحالة عربي قام برحلة الى السودان في القرن السابع عشر، حيث يمضي بنا الكاتب الى (سلطنة أنسابة) ليرصد حيوات ذلك الزمن، يكسو عظامها المنخورة لحماً ويُجري في عروقها الدماء لتولد من جديد بحيويتها أيام كانت على قيد الحياة، تنبض من جديد بكامل قيافة غرائزها وطموحاتها ومظالمها وظلّامها ولواعج أشواقها المكبوتة واندفاعاتها.

وعلى الرغم من ذلك، وبعد اقتناعنا أن ما يجري هو الواقع إلا أن أمير تاج السر، في إشارة منه، يؤكد أن أحداث وشخصيات هذه الرواية هي من نسج الخيال.. لكن هذا الخيال الخصب المتدفق لكاتبنا يجعلنا لا نبرح دائرة الواقع من خلال الرسم الدقيق لملامح الشخصيات وضخ ماء الحياة في عروقها وسريان الحيوية في طرقات السلطنة وقوانين سلطانها ومزاجه المتقلب الذي يتضح من خلال (مجلس الكوراك) هذا المجلس المتوارث من سلسلة سلاطين، حيث يجلس السلطان (رغد الرشيد) بعيداً عن الناس في قاعة مزينة بالخناجر والسيوف والطبول والجاريات، لا يراه الناس ولا يسمعونه، إنما تصل إليه الشكاوى عن طريق سلسلة من الصيّاحين، ينقلون له الطلب من رجل الى آخر، ثم تصل إليهم الحلول أو البت بأمورهم عن طريق الصياحين أيضاً.

لم يحصل صانع الطبول على مبتغاه، عليه أن يعاج الفتق الذي يعاني منه أولاً، ولذلك رُدّ طلبه، ولم تنفع جميع الوصفات الطبية في معالجته فمات حسرة دون تحقيق حلمه... وصار ابنه (آدم نظر) رجل البيت بعمر مبكر.. ومن هنا تبدأ أحداث الرواية بالغوص في نفوس الشخصيات التي يبدع أمير تاج السر بسبر أغوارها، فتنبثق شخصيات جديدة ستأخذ على عاتقها الإيغال الى مجاهل القلوب وتكشف لنا الأسرار المخبوءة في العشق والصبابة، وتلقي الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي في ذلك الزمن.. ومن بين تلك الشخصيات (جبروتي ولد الحور) الذي جاء معزياً بوفاة صانع الطبول لكنه وقع في غرام ابنته (الرزينة) فآثر البقاء وأصبح صديقاً لأخيها (آدم نظر) لكنه يواجه عائقين في مكابداته الغرامية، الأول أن قلب الرزينة لم يخفق له والثاني أن ولد الحور من سلالة نادرة ما تزال تحير الناس ويُنظر لها بأنها غريبة الأشكال عن باقي البشر، ومشكلة هذه السلالة أنها تلد وهي فاقدة لصبغة الجلد... لكن ولد الحور بما يمتلك من موهبة صنع العطور استطاع أن يخفف من النظرة الدونية له، وبالعطور ذاتها واصل مسعاه لإرضاء الرزينة، فقد صنع لها عطراً خاصاً أطلق عليه عطر النضارة.

قصة الحب هذه ليست كل شيء في هذا العمل، فالمؤلف يكشف لنا الحياة في (أنسابة) بكل تناقضاتها وتوافقاتها، في داخل السلطنة وفي خارجها أيضاً، التعايش السلمي بين الأديان، وروح التسامح الى جانب نفر من المشايخ يصدرون الفتاوى في تكفير الآخر، حياة البذخ التي يعيشها السلاطين وبالمقابل الفقر الذي يعانيه الشعب، تهورات (مساعد) ابن السلطان وتشكيله كتيبة أمنية من الرعاع ترهب وترعب الناس وتنزع من المعاقبين نفوسهم ليتحولوا الى أشخاص أقرب الى الحيوانات في سلوكهم، وكذلك أحلام الشباب في ظل حياة لا تتيح لهم أكثر من مساحة الحلم، ومنها حلم (آدم نظر) الذي لا يزال شاباً صغيراً، ذلك الحلم الذي استغرب له الجميع عندما قصد مجلس الكوراك وطلب من خلاله منصب (الأب الشيخ) وهو منصب وزاري يعني نائب السلطان لا يُمنح إلا لكبار السن أو ممن لديهم خبرة كبيرة في الحياة أو للمقربين من العائلة الحاكمة، لكن رد السلطان عليه كان أنْ رفع المجلس الى الأسبوع التالي من دون أن ينظر في الطلب، بل ازداد غضباً وأوكل مهمة عقابه الى ابنه الأمير (مساعد) ليلحقه هذا بالمغيّبين في مستنقع كتيبته الأمنيّة.

لقد اعتبر السلطان أن ما تفوّه به آدم نظر ما هو إلا بذاءة لسان، وسيتعرّف آدم نظر في محبسه على العديد من الذين اختفوا في ظروف مختلفة، وسيمر بكل ما مروا به من عذابات وتحولات أفقدتهم آدميتهم، فهم جميعاً ليسوا سوى أجساد صالحة للركوب مثل الدواب، تحوّلهم الأدوات المنفذة أولاً الى فرس ثم ناقة ثم حمار، وبعد وقت طويل سيخصون ويعمل بعضهم خادماً في أحد قصور السلطان، يفتح لنا أمير تاج السر تلك القصور لنعرف ما يُدار في الجهر والخفاء، نرى الحراس والجواري ومطابخ اللذة والأمزجة والصراعات والخرافات والتناحرات والأصوات الشجية والحكايات الغريبة.. تتناسل الحكايات وتتشعب، تظهر شخصيات وتختفي لتعود ثانية متابعةً دورها في النسيج المُحكم للرواية التي تقع في 336 صفحة من القطع الكبير والصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون.

"مهر الصياح" هي رواية الحب والحرب والغرائب والعجائب والحياة المتشابكة والسحر والعطور في زمن ابتعد عنا كثيراً لكن قدرة أمير تاج السر شكّلته وأعادت خلقه بكثير من سحر الواقعية واتساع الخيال.

ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1644


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة