الأخبار
أخبار إقليمية
مشوار حياة- حوار مع الشاعر السوداني القدير محمد المكي
مشوار حياة- حوار مع الشاعر السوداني القدير محمد المكي



05-02-2014 10:04 PM

من سهول عروس الرمال، حيث يمد الهِجليج ظلال ألفته على وجه كل بيت، وتصافح أغصانُه زائريه في محبة وإلفة. من الأُبَيِّض، حاضرة شمال كردفان، حيث تخيط الأكاسيا جروحها بدموع من ذهب، تهبه أبناءها حباً، تاريخا, وحضارة، جاء إلينا على متن "قطار الغرب"، خارجًا من جُبَبِ الدروايش، رافعًا " اللافتة البيضاءُ عليها الإسم، باللون الأسود باللغتين عليها الإسم، هذي بلدي، والناس لهم ريحٌ طيب"، قابضاً على جمر قصيدته الـ "بعض زنجية، وبعض عربية"، المحلقة في فضاءات الإنسانية والوطنية والجمال، جاءنا مخلدًا لذكرى أكتوبر الأخضر، ومؤكدًا على " معنى أن نعيش وننتصر"، إنه محمد المكي إبراهيم، فارس الغابة والصحراء، الدبلوماسي المحنك، والشاعر الكبير قدراً وعطاءً وإنسانية، والذي عمل بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السودانية لمدة ثلاثين عاما، هاجر بعدها مع بداية ثورة الإنقاذ الحاكمة حالياً، واستقر في أمريكا، وهو شاعر سوداني عربي غني عن التعريف، نال وسام الآداب والفنون 1977، وقد ترجمت بعض قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والروسية.
كتبت عدة دراسات نقدية عن أعماله الشعرية في الكثير من الصحف السودانية والعربية، وأفرد له د.عبده بدوي فصولاً في كتابه عن الشعر السوداني. له أربعة دواوين شعرية، وعدة مؤلفات منها كتابه: الفكر السوداني أصوله وتطوره، والذي يُعد مرجعا مهما للدراسات السودانية. التقته اليمامة عبر أثير عابقٍ بالشعر والطيبة السمراء، فكان هذا الحوار، الأشبه بمحاولة الغوص في بحر مهيب الأعماق، زاخر بالدرر..

حاورته: منى حسن- السودان
Monmon25_8@hotmail.com
نُشر الحوار بمجلة اليمامة السعودية بتاريخ 1-مايو- 2014

النشأة والطفولة: مسقط الحلم، وتفتح عيون الطفولة الشاعرة على الحياة بحي القبة، مدينة الأبيض، عاصمة ولاية كردفان, غرب السودان، حدثنا عن ذكريات هذه المرحلة كيف كانت الحياة آنذاك بالأبيض؟
كان مسقط رأسي في مدينة الأبيض، أو عروس الرمال كما كانت تسمى وهي واد أخضر شاسع الارجاء تحيط به التلال الرملية من معظم نواحيه والجبال الصغيرة من نواحيه الاخرى. وبعيون الاطفال كان بوسعنا ان نلمح سلسلة جبال كردفان في الأُفقِ البعيد بألوانها الزرقاء منطبعة على صفحة السماء ونرى باستيقان أشد جبل "أبو سنون" وجبل" أبو خريس" وفي وقت لاحق في سن السادسة أو قريبا منها صرنا نخرج في الرحلات الى الجبال القريبة ونتسلقها آملين أن نرى ذلك العالم الآخر الرابض وراء حدودنا وعوالمنا، وتأتي خضرة المدينة من أدواحها الباسقة العالية ومعظمها من أشجار الهجليج داكنة الخضرة وأشجار التبلدي العملاقة التي تحب ان تنمو متباعدة عن بعضها البعض لشدة حبها للماء ورغبتها الاستئثار به بعيدا عن الأخريات. وفيما بعد طغت على المدينة أشجار النيم التي استوردها البريطانيون من الهند فتأقلمت على مناخ المدينة ونجحت نجاحا باهرا حتى إنها أخذت مكان "الهجاليج" التي أعطت الوادي شهرته وقدرته على الاستيعاب السكاني.
الأُبيض من أشهر مدن العالم القديم وسبب شهرتها هو محصولها السحري الذي طبقت شهرته الآفاق وهو الصمع العربي والذي هو في حقيقة أمره دمعة تذرفها شجرة الأكاسيا (الهشاب بعربية السودان) إذا ُشدخت بالفأس شدخا خفيفا يزيل عنها اللحاء فتسارع الشجرة لىتضميد الجرح بسائل شفاف يغطي منطقة الجرح ويتكور فوقها على هيئة البيضة وهو ما نسميه "كعكول" الصمغ وكنا على أيام الطفولة نستطيب مضغه متى ظفرنا به. وبسبب من تلك الدمعة السحرية غدت كردفان وعاصمتها الأُبيض معروفة على نطاق العالم. وقد اتخذها الكاتب الألماني كارل ماي مسرحا لاثنتين من رواياته الشبيهة بروايات جورجي زيدان التي يقبل على قراءتها صبية المدارس فيتعلمون منها عن العالم والقارات والتواريخ تماما كما أراد جورجي زيدان تعريفنا بالتاريخ العربي في قالب روائي وعبر شخوص ننفعل معهم ونعنى بمصائرهم الشخصية، وفي عصرنا الحالي يقاطع الأمريكيون كل السلع والبضائع السودانية عدا سلعة الصمغ وذلك لأهميتها للصناعات الصيدلانية.
على أيام الثورة المهدية في السودان ترامت إلى أسماع المغامرين الأوروبيين أنباء متواترة عن تراكم كميات هائلة من الصمغ العربي في مدينة الأُبيض بعد أن منع المهدويون تصديرها الى أوروبا، وقالت تلك الشائعات إن تلك الكميات الوفيرة تجلس مهجورة في المخازن وفي العراء بانتظار سعيد الحظ الذي يضع يده عليها ويتصرف فيها قبل الاخرين. وكان بين من تسامعوا بتلك الكنوز مغامر الماني يدعى نويفلد Neufeld (حرفها السودانيون الى نوفل) فاستبق الآخرين سعيا للاستحواذ على تلك الكنوز. ولكن عيون المهدويين الساهرة كانت له بالمرصاد فتوالت التقارير الاستخبارية عنه حتى انتهي الامر الى اعتقاله في شمال السودان وجيئ به الى أمدرمان حيث زج في سجنها – سجن "الساير" الرهيب، ومن السجن بذل نوفل عددا من المحاولات للتودد للدولة السودانية وخدمتها في مختلف المجالات. فمرة أبدى استعداده لتصنيع الذخيرة وقدم طريقة شاقة ومكلفة لذلك التصنيع، وفجأة تمكن السودانيون من إيجاد مصدر لشراء الذخائر من الخارج فلم يعودوا بحاجة اليه ومن جديد أعادوه إلى السجن، وتبرع مرة أخرى لصناعة الألغام النهرية ولم تحظ فكرته بالاهتمام، وفي نهاية المطاف بقي في السجن إلى ما بعد موقعة كرري وهزيمة الدولة المهدية، وزاره القائد الفاتح الجنرال كتشنر في سجنه وأمر بتحريره ولكنه عاد واستمع إلى تقارير أخرى عن نشاطاته في خدمة الدولة المهدية فأمر باعتقاله وتغريمه مبلغا كبيرا من المال.
دخل البريطانيون حياتنا إثر هزيمة الجيوش المهدوية في معركة "كرري" الفاصلة 1898 فوجدوا السودانيين في حالة تكدس بشري في العاصمة الوطنية أمدرمان. وفي أوائل سنوات حكمهم لبلادنا جمعوا أعيان البلاد وكبراءها وطلبوا منهم أن يعودوا إلى الأقاليم التي جاءوا منها ليشرفوا على تعميرها وتمدينها، وكان بين أولئك الأعيان شيخنا وكبيرنا السيد محمد المكي ابن السيد اسماعيل الولي الملقب بقنديل كردفان، وبعد أخذ ورد اضطر السيد المكي للإذعان لأوامر الحكام الجدد، ثم بعد مهلة قصيرة لتجميع أهله ومريديه، وتحرك ركبه من ضاحية الفتيحاب بأمدرمان عائدا الى السهوب الكردفانية.
تقول جدتي ومن هم في سنها أن الوادي كان في زمانهم غابة كثيفة الأدواح تقطنها إلى جانب البشر أنواع من الوحوش على رأسها الضبع الذي كان يعتدي على أغنامها وهي داخل حظائرها في أحواش المنازل، فيخطف منها قصيرة الأجل أو ينهش نهشة من لحمها إذا اضطر الى الهرب، وفي هذا دليل على خضرة المدينة وكثافة غاباتها وهو أمر شاهدت نهاياته في أيام طفولتي إذ كان لكل بيت من بيوت المدينة هجليجته.
وفي مواسم المطر تأتي طيور السمبر مهاجرة من الهضبة الحبشية لتفرخ وتتوالد مختارة هجليجنا الباذخ مكانا لميلاد أفراخها ونشأتهم الأولى، وكان الأطفال يتبادلون أخبار ذلك كله بدءا من البيضة التي سقطت من علياء الشجرة إلى أخبار الأفراخ التي خبطت الأرض وهي تتعلم الطيران، ومع المطر تأتي خيرات الخريف: قصب الذرة الحلو (العنكوليب) واللوبياء المسلوقة وثمار السدر والحُميض والكرسان والفول وحيد البذرة الذي يسبق أنواع الفول الأخرى الى الإثمار. وفوق كل ذلك الأنسام الهابة على الأرض حديثة الارتواء بما يسبب لذعة برد مستطابة ويعطي إحساسا بالقوة والصحة والعنفوان يشمل البشر والشجر والحيوان.
قال الشاعر:
إنا إذا أمطرت الســــماءُ
فارضنا جميعها خضراءُ
مع تحفظ بسيط كون الأرض وسقوف المنازل والأسوار تتحول أيضا الى الخضرة الزاهية، وفي المناطق الشعبية حيث يسورون البيوت بأسوار من الحطب وخاصة حطب القفل (بفتحة على القاف والفاء) فقد شوهدت عيدان القفل الناشفة تورق وتخضر مع قدوم موسم الخريف.
لقد نشأت في مدينة جميلة ممعنة في الجمال وزاد في جمالها ارتكازنا القبلي إلى منطقة الخيران المجاورة حيث تعيش الغالبية العظمى من عشيرتنا، وهذه واحة او سلسلة من الواحات الخصيبة والسهول الخضراء تتلوى كالثعبان بين كثبان الرمل، وتتناوب من الصفرة الى الاحمرار وتقوم الريح بتصفيفها كل ليلة على شكل أهلة رائعة تواجه الرائي مرة بأطرافها ومرة باستدارتها الداخلية او تعطيه ظهرها المصفف المستوي.
الى تلك الواحات جلب أجدادنا حضارة وادي النيل الذي خرجو منه كارهين بفعل الضرائب الباهظة التي فرضها عليهم الولاة العثمانيون، جلبوا زراعة القمح والتين والفاكهة والنخيل وقضوا أزمانا سعيدة قبل أن تداهمهم حضارة الغرب فتبدد شملهم وتحل عروتهم الوثقى وتخرجني أنا وبقية أبناء جيلي وأبناء الأجيال اللاحقة من دفء القبيلة إلى وحشة الفردانية والهجرة القاصية في بلاد الآخرين.
في صفة تلك العظمة المولية كتبت في بواكير كتابتي هذا المقطع القصير لأبي وواحته المعروفة باسم واحة البشيري:
ظل هذا القمر العابث طول الليل يستغوي الحقولا
ناثرا فضته الزرقاء
ممدودا على أوراق زهرة وبإبريق رخام
ظل حتى احتقن السمسم بالحب ونام
لا تقولي واحة الأجداد والنخل وإبريق الرخام
كلهم ماتوا من العشق
على ساحة عرس جُلدوا
رشوا لك الساحة لونا ودما
وأنا؟ أي سوط يستطيع
أي تمساح عتيق
أي صحراء وما زحف الرمال.
إن اجدادي يموتون غراما وطرب
وضعوا الساعد في الساعد فالرمل انسحب
والنخيل انبثقت بين الجراح الصادحة.

تنتمي إلى أسرة ذات دين وعلم، تنتسب إلى الطريقة الإسماعيلية الصوفية، كيف أثرت هذه الأسرة على تكون شخصية محمد المكي الطفل؟
فتحت عيني على الشعر، الشعر الصوفي الذي كتبه أشياخنا في مدح المصطفى ووعظ المُريدين بانتهاج سبيله بالمحافظة على قيم الزهد والقناعة والعفاف، وكانت الأذكار تقام مرتين في كل أسبوع ولا نحتاج لكثير من الحث لنشارك فيها، فقد كانت برنامج السهرة الوحيد المتاح. فهنالك تشبعت باللغة الفصيحة وأوزان الشعر العربي المتعددة. وحين بدأت كتابة الشعر لم أجد صعوبة في التعامل مع الأوزان مكتفيا في البداية بذلك التدريب السمعي الباكر الذي تلقيته في الطفولة والصبا وبفضله ترسبت اللغة في أعماقي الطفلة. حتى تلك المفردات التي لم أدرك كنهها وأنا صغير ظلت تتفتح أمامي كالوردة على طول مسيرة التعلم والمران ثم مسيرة الكتابة الابداعية شعرا ونثرا، فأصبحت حين ألتقي بالمفردة الجديدة لا أشعر انني ألتقي بشخص غريب وإنما وجها مألوفا من ماضٍ بعيد. والآن وقد استوعبنا معظم المفردات الفصيحة فإن ذلك النوع من اللقاء الحميم صار يحدث لي مع مفردات اللهجات العربية غير السودانية فأحس باقترابها وزنا او تصريفا من أشياء سمعتها او تعلمتها في العمر النضير.
أما في شأن الدين فقد كانت النشأة تجذبني في اتجاه والدنيا تأخذ بتلابيبي في اتجاه مضاد وربما كان نفس الشعور المتناقض يعمر دواخل الأهل والعائلة. فمن ناحية نرى عزنا في علوم الدين والانشغال بها عن الدنيا حسب تقاليد الزهد والقناعة التي توارثناها، ومن الناحية الآخرى كان الغرب قد دخل حياتنا وأحدث فيها تشوهات خطيرة الشأن إذ رأينا السلطة والجاه يئولان الى طبقة المتعلمين من خريجي المدارس الحديثة التي أقامها البريطانيون في بلادنا واحتكروا لأهلها فرص التوظيف. ورغم شانها كانت وظائف متواضعة الشأن (كتبة، ومحاسبين، ومآمير) إلا أنها كانت تعني وضعا اجتماعيا أرقي من وضع الأخرين. وسوف ترين أنني في نهاية المطاف ضممت نفسي الى الطبقة الجديدة الصاعدة بعد تدريب طويل أخذني من المدرسة القرآنية إلى الأولية فالمدرسة الوسطى فالثانوية وأخيرا الى الجامعة. وبعد تلك السنوات الطوال كانت أحلام الغنى الروحي قد ذهبت أدراج الرياح ووجدت نفسي واحدا من الزمرة - زمرة الافندية "أبناء المدارس" المتعلمين- وكل الفرق بيني وبينهم هو أنني لا أتقن المزاحمة وفنون التودد والنفاق ولولا الرجال الأماثل المنصفين الذين التقيت بهم في مشوار الحياة والوظيفة لكنت خرجت منها صفر اليدين.
ظني أن هذا الجزء من القصيدة السابقة يعبر عن تلك الأزمة حيث ينهمك الواحد منا في هموم أرضية، ثم فجأة يطل الماضي بمعانيه الروحية العميقة فيتركه حائرا متسائلا الى أي الفريقين يصير:
ياعبير الأضرحة
كيف جاوزت المشاوير إليَّا
والمدى ما بيننا منطرحٌ والعهد طالْ
وبأي الأجنحة
دف أجدادي عليَّ
وهمو – بعدُ- تناء وسؤال.
ولقد ُكتبت تلك المقطوعة في السنغال حين استيقظت من منام وفي أنفي الرائحة المسكية للضريح.
ذكريات مقاعد الدراسة الأولى؟
أذكر من المدرسة القرآنية غرابتها الفريدة فقد كانت تأخذنا في طوابير إلى بيوت المآتم لنطعم مما يقدم فيها من ألوان الطعام. وهي أطعمة غير جيدة الإعداد. وكنت تحت أوامر عائلية مشددة بأن لا أتناولها، والشيء الوحيد الذي كان مسموحا كان عصير التمر الذي يجعلونه في الماء لساعات طوال ثم يقسمونه على الآكلين قي اكواب صغيرة فيأكلون تمرها ويشربون من عصيرها. وفي إحدى المرات تناولت من ذلك التمر وبعد ساعة زمان أحسست بالنيران تنطلق في جسدي، والثعابين تتلوى داخل أمعائي، ورغم ذلك العذاب أخفيت سببه عن عائلتي خشية أن يتهمونني بأني خالفت نواهيهم وأكلت من طعام المأتم. وكما هي عادة الأطفال بحت لأمي بما حدث، فعالجتني بأدوية بلدية مريرة الطعم وفي الصباح أخذتني إلى أحد مشايخنا فقرأ على رأسي بعض الأوراد والآيات وفي النهاية اضطررنا للذهاب الى المستشفى الحكومي حيث عالجوني. ومن عجب أنني تمتعت في بقية حياتي بمعدة قوية لا تتأثر بأكل الزلط والحجارة، ولكنها خذلتني ذلك اليوم لتفصم علاقتي بالمدرسة القرآنية وتسلكني في سلك المدارس النظامية.
درست المرحلة الوسطى في مدرسة الأبيض الأميرية وهي مدرسة أراد لها البريطانيون أن تعنى بتدريس أبناء النُظار والعُمَد ورؤساء القبائل وتتولى إعدادهم للزعامات القبلية التي تنتظرهم بحكم التوارث فكان معنا عدد من أبناء زعماء قبيلة الكبابيش وقبيلة الهواوير كانوا أكبر منا في السن وبعضهم متزوج تصله من الحين للحين تلغرافات تقول: "رزقتم ولدا أفيدونا بالإسم"، وكانوا متفوقين في الألعاب الرياضية وعلى جانب عظيم من حسن الخلق بوصفهم أبناء ملوك وبسبيل أن يتحولوا هم أيضا الى ملوك. أذكر منهم آدم حسن نمر الذي زارني بعد خمسين عاما وقد صار زعيما محبوبا لقبيلته (الهواوير)، ووصلني نعيه وأنا بالولايات المتحدة فلم أجد وسيلة للعزاء فيه، رحمه الله فقد كان "أبو قدم" فلتة في الرجال.
أبرز الأصدقاء في المراحل الدراسية؟
أبرز احبابي في تلك المرحلة هو على أحمد نصر صديقي وشبيهي شكلا واهتمامات، كان له إخوة كبار تعلم منهم الاطلاع الواسع على الكتب الخارجية، أي تلك التي لا ندرسها في الصفوف فتفوق على كل الصف في الإنشاء واللغة العربية. وحين أطلعني على سره كان لابد أن يكمل جميله ويرشدني إلى مصادر الكتب الخارجية وأماكن بيعها، وتداولها وبذلك غدا المسئول الأول عن ولوجي الى دنياوت الإطلاع وعبرها إلى دنياوات الأدب. ذهبت معه إلى مكتبة كردفان واشتريت كتابا بسبعة قروش (تعادل سبعمائة من جنيهات هذه الأيام) وبعد أن فرغت من قراءته شعرت بالرغبة الشديدة لشراء كتاب آخر فلم اجد طريقة اسهل من حرمان نفسي من طعام الإفطار يومين في الأسبوع لأوفر ثمن كتاب جديد.
ثم وفد على حينا صبي في سني هو – حاليا- الصحفي اللامع الأستاذ عثمان سليمان سنادة وكان مثلي مغرما بالإطلاع وقد علمني طريقة جديدة للحصول على الكتب دون ان أحرم نفسي من طعام الإفطار فقد كانت له مكتبة ضخمة وكان له معارف يمدونه بالكتب منهم رمسيس وسيزوستريس أبناء الاديب القبطي الكبير بولص سلامة الذي افتتح فيما بعد دار آمون للكتب الانجليزية بالخرطوم. وكان رجلا علامة استمتعت بكتبه وخاصة تعليقاته على هوامش تلك الكتب. ولا انسى اطلاعي على عدد مجلة (المقطم) المخصص بكامله لنشر كتاب محمود محمد شاكر عن المتنبي بمناسبة مرور ألف عام على مولده. وعلى صغر سني لم اهضم تخريجاته المتعسفة عن أصل المتنبي ونسبه حيث جعله ابنا سريا لأحد الاشراف العلويين. وبعد ذلك التاريخ بعدة عقود عثرت على االكتاب اثناء عملي بسفارة السودان بجدة مطبوعا على نفقة أمير سعودي راحل، وأردفه بكتاب آخر في اتهام الدكتور طه حسين بسرقة "منهجه" والإفادة منه في وضع كتابه، أي كتاب الدكتور طه حسين عن نفس الشاعر وعنوانه (مع المتنبي) وكل ذلك مشفوعا بكثير من الإساءة والاتهام لعميد الأدب العربي. وذلك مبلغ علمي بالخلاف بين الرجلين ولا أدري شيئا عن تطوراته اللاحقة وأملي أن يكون الشيخ محمد شاكر قد اعتذر لأستاذه العميد وحدث بينهما الوئام قبل أن يذهبا عن هذه الفانية.
بانتهاء هذه الفترة من حياتي بدأت أودع أيام الصبا الجميلة متخليا عن لعب كرة القدم والمشاوير الماراثونية الى ضاحية "كابا " حيث كان لنا زرع وحصاد ورويدا رويدا بدأت اتحول الى الشاب النحيل الذي يلبس عويناته ( نظاراته) الطبية الرخيصة مكتسبا سمت ديدان الكتب الذين استهجنهم مستشار المانيا وموحدها البروسي أوتو فون بسمارك. وقد حاولت التخلص من ذلك النحيل عدة مرات وعدت الى رياضة بناء الاجسام أول دخولي جامعة الخرطوم وكان لي رفاق كثيرون في مثل نحافتي وبؤس عضلاتي وربما أمكنني ابتزازهم الآن مهددا بنشر صوري معهم في ذلك التاريخ. وأول قدومي على الولايات المتحدة كررت المحاولة، أما الآن وجنون الرشاقة وإنقاص الوزن يتملك الامريكيين فقد أصبحت أزاول رياضات التخسيس غير عابيء ببسمارك واقواله.
المرحلة الجامعية
تحدثت عن جامعة الخرطوم قائلا: "كان من حق الطالب ان ينال منها تصريحاً بالسفر على نفقتها في عطلته الصيفية إلى أي جهة بالسودان. وكان ذلك، غيض من فيض من أفضال تلك الجامعة العريقة على طلابها، فقد كانت تطعمنا وتسقينا، وتتكفل بنظافة ملابسنا، وترتيب غرفنا، في السكن الجامعي هذا إلى جانب ما تختار لنا من جيد المناهج، وأفاضل الاساتذة" . لم اخترت دراسة القانون، وما هي أبرز محطات الذكريات في مرحلة الدراسة الجامعية؟
كانت جامعة صغيرة ممتازة تتسع لبضعة ألوف من الطلاب لا أكثر، الأمر الذي يجعلها شبيهة بالجامعات الخاصة الغالية أو المستحيلة في هذا الزمان، وكانت منسوبة إلى جامعة لندن ومنها كان يأتي ممتحنوها الخارجيين وكانت جامعة لندن تشرف على مستواها ومعايير عملها.
كان من المفترض أن أدرس الهندسة، ولكنني اكتشفت متأخرا جدا أنه يلزمني لذلك درجة في مادة الرياضيات الإضافية. وكان هنالك شخص أقنعني بسهولة كلية الحقوق وسرعة التخرج منها (في أربع سنوات) وقد وسوس لي الشيطان أن أصغي لحديثه فدخلتها وما كدت أفرغ من سنتها الأولى حتى زيدت سنوات الدراسة فيها إلى خمس سنوات فصارت كأنها والهندسة سواء بسواء. وقد رأيت ان أبقى فيها مناوبا بين حب الحقوق وبغضها، ولو أنني استدركت ما فات لكنت درست الآداب، وبالذات العلوم الاجتماعية والاقتصاد. وقد بذلت جهدا في ذلك المسعى وتعلمت أشياء كثيرة في الاقتصاد, وكتبت أطروحة للدكتوراه تجمع بين القانون والاقتصاد كان موضوعها شروطيات صندوق النقد الدولي في إقراض الدول. ولا أرى أهمية للألقاب العلمية فالأهم منها أن نتعلم شيئا يساعدنا في التفكير االمستقيم.
حين كنت في السنة الدراسية الرابعة بكلية الحقوق تعرفت بصديقي الشاعر الراحل محمد عبد الحي وكان قبلها قد التحق بكلية العلوم تمهيدا لدراسة الطب أو الهندسة نزولا عند رغبات عائلية ولكنه في العام التالي نفض يده منها وانضم إلى كلية الاداب حيث تفوق بشكل غير عادي وأضحى واحدا من أساتذة اللغة الإنجليزية النادرين إلى جانب تفوقه الشعري باللغة العربية. وعلى عكسه كنت في عجلة من امري وعلى رأي الشاعر الفرنسي آرتور رامبو لم أكن أرى ضرورةً لنبلى سراويلنا على مقاعد الدرس.
ما دمت قد ذكرت عبد الحي فقد بدأت قائمة أصدقائي في الجامعة. وابدأ بالنور عثمان شريكي في مغامرتي الأوروبية وأحد الملهمين الكبار في حياتي ثم الدكتور حسن أبشر الطيب، قسيمي في السكن الجامعي بداخلية عطبرة وهي صداقة دامت على اختلاف العهود حتى رحيله الفاجع عن دنيا الأدب والثقافة.
محمد عبد الحي وصديقه يوسف عايدابي (وهو رجل متعدد المواهب يكتب الشعر والرواية والمسرحية ويشغل موقعا ثقافيا متقدما في الأجهزة الثقافية لامارة الشارقة).وكنا ثلاثتنا اول دعاة الغابة والصحراء . وهنالك أيضا صديقنا عبد الله جلاب، ومن خارج الجامعة كان هنالك المفكر الشاعر كمال الجزولي الذي عاد من دراسة الحقوق بالخارج ليصبح صديقي الأول وموضع سري ومناط صداقتي ومع تعاقب الازمان أصبحنا جزءا من عائلة واحدة ممتدة وصار لى إخوة وأخوات من بين أشقاءه العديدين حسن ومنعم ومحمد وصهره الكريم الشاعر الرائع محجوب شريف شاعر العامية والثورية الأول في السودان ومنه تعلم الشعراء الآخرون. ومن المقربين إلى قلبي الشاعر الهامس الرقيق عبد الله شابو وقد أخذت عنه أيام الطلب وأعجبت بسيرته بين رجال الشعر والحقيقة. وفي الجيل الذي تلانا مباشرة هنالك عالم عباس وفضيلي جماع اللذان يستأثران عندي بمحبة صافية ويحققان قفزات واسعة في التميز الفني المتواصل.
رؤيتك للمشهد الشعري السوداني وقتها؟
وقتها؟ تريدين فترة الستينات؟ ، وقتها كان الشعر السوداني في أول استفاقته من تأثيرات الواقعية الاشتراكية وهي مذهب أدبي له حسناته كما له سيئاته وأهمها تضحيته بالشكل لصالح المضمون. وعندهم أنه لا سبيل إلى مؤاخذة الشاعر أو الشاعرة ما داما يخدمان "القضية" بشعرهما والقضية هنا مبدأ حصري يتلخص في مؤازرة العدل الاجتماعي، ومصالح الفقراء ومعاداة الإمبرياليين. وقد جاءنا الشعر الحديث مع صدور الديوان الأول لشاعرينا جيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن وهما مشبعان بالفكر التقدمي بصورة لاتخطئها العين، وقد نسج مئات الشعراء على منوالهما وكنا بصدد ان نتحول الى مرددي شعارات وهتيفة اكثر منا شعراء. وعلمي أن عددا من الشعراء المجيدين قاموا باعدام قصائدهم الهتافية بينما اقدم غيرهم على نشرها في دوواوين سرعان ما أدركها الأجل المحتوم، ولكن التيار الهتافي في مجموعه لم ُينسخ إلا مع حقبة الستينات حين كتبنا تلك الاشعار التي وصمت بالغموض والاستغلاق كالأشعار المتقدمة التي كتبها النور عثمان أبكر، ومحمد عبد الحي والأشعار الواردة في ديواني الأول تحت بند "الزنزباريات". هنالك بدأ الاهتمام بشعرية القصيدة والعناية بتحويلها إلى جسم مفكر يستطيع أن يلهم القاريء ويستفزه إلى التفكير بدلا عن الانقياد والإستنامة الى عذوبة الشعر الخداعة والخالية من العمق والتعمق. ومن هذه النقطة انطلق شعرنا إلى آفاق أرحب في تصوير الحالة الوطنية والحالة الإنسانية بشكل عام وتخلص من الخناق الأيديولوجي الذي كان مفروضا عليه.
لا أريد أن اقول إن كل الشعر الحديث الذي سبقنا لم يكن جديرًا بالحياة فقد كان هنالك تراكم رائع للشعر الحقيقي حتى عند أولئك الرواد. وأمامك قصائد مثل "عبري" للجيلي وهي تتدفق عذوبة وشعرا ومثلها قصائد التاج عن جدته التي (تسوق الأساطير وتروي الخرافة السحرية) وينجو من الهتاف والابتذال الشاعران الموهوبان عبدالله شابو وصلاح أحمد إبراهيم برغم كونهما من مجايلي المدرسة الواقعية ولفترة من الزمن أحد المنضوين تحت لوائها ولكن موهبتهما العالية حلقت بهما بعيدا بعيدا وعاليا عاليا. وخارج نطاق الحداثة والتحديث كان هنالك أعلام الشعراء القدامى وعلى رأسهم محمد المهدي المجذوب الذي تمثل حياته الفنية صعودا متواصلا من الكلاسيكي إلى الحديث فالتفعيلي الى قصيدة النثر. ويذكر له تبنيه العطوف للأجيال اللاحقة ورعايته لمواهبهم، وفتحه داره لهم ليشعروا بقيمة ما يمارسون من صالح العمل. ويوم وفاته سار صديقنا الفنان التشكيلي محمد الفاتح على قدميه مسافة ثمانية كيلومترات حاملا راية سوداء ماشيا من داره في الخرطوم البحرية الى منزل الفقيد في الرياض وقد رأيت في ذلك أسمى تعبير عن الحزن والفقد.
تجربة العمل الدبلوماسي
انضممت للسلك الدبلوماسي؟ بدءا من التحاقك بوزارة الخارجية، وتدرجت فيها وصولا إلى درجة سفير، مثل السودان في عدة دول، وكنت من أبرز الدبلوماسيين الأدباء، حدثنا عن هذه التجربة؟
قضيت في الخدمة الدبلوماسية عدة عقود من الزمان تنقلت فيها من أوروبا وأمريكا إلى آسيا وإفريقيا وتعرفت على أنواع شتى من الناس بينهم شخصيات لاتنسى منهم من السفراء السعوديين الشيخ ناصر المنقور، والشيخ سمير الشهابي. ومن السفراء السوريين السفير سيف الحموي وهو رجل من ذهب ومن القطريين السفير أحمد على الأنصاري ومن اليمنيين أبو أحمد عبد القدوس الوزير. وتشرفت بالعمل مع بعض فطاحل الدبلوماسية السودانية كأستاذنا جمال محمد أحمد ومصطفى مدني والوزير إبراهيم طه أيوب والدكتور منصور خالد وكل ذلك يبعث على الرضى والحبور ولكن الأمور بخواتيمها كما يقال وقد كان الختام قاسيا مريرا في عهد المتأسلمين الحاليين الذين قفزوا إلى السلطة على ظهور الدبابات وتخصصوا في ظلم أهل الفضل من السودانيين فقد عمدوا إلى إبعادي من الخدمة بأساليب غاية في اللؤم والمخادعة فخرجت منها دون معاش تقاعدي ودون كلمة وداع رسمي.
ما مدى صحة مقولة أنك هاجرت لأمريكا بعد شعورك بعدم جدوى عملك في البرلمان؟
في عام 1992 كان الحكام الحاليون قد أفلحوا في نشر شبكة من الخوف والترويع على السودان فلم يعد يقوى على مواجهتهم أحد. وكنت قد جربت تسريب بعض الأفكار الناقدة في صحيفة صغيرة شجاعة إسمها "ظلال". وحين عرضوا على الإنضمام للبرلمان رأيت في ذلك فرصة ذهبية لقول الأشياء علنا في ظل حماية برلمانية. وقد تم لي ذلك أول مرة حين أفسدت عليهم بهجة افتتاح البرلمان بكلمة قوية طالبت فيها بسحب الدبابات من مداخل المدينة واحترام حقوق الانسان وإعادة الحكم الدستوري وأوردت إحصائية بعدد السنوات التي قضتها بلادنا تحت حكم العسكر وما نتج عنها من تدهور اقتصادي. ووقتها كان الحكام الحاليون يزعمون انهم جاءوا لفترة محدودة يعود بعدها الحكم المدني ولكنهم سرعان ما ابتلعوا حديثهم وظلوا في الحكم حتى اليوم بعد أن تمزقت البلاد على أيديهم وانحصد العباد. ومن بعد ذلك تم تعتيم كامل على مساهماتي البرلمانية ولم يعد رئيس البرلمان يراني حين أقف طالبا الكلمة, ويتحاشاني زائغا بعينيه عن عيني. ولم يعد الصحفيون يوردون أخباري. ومع ذلك لم أعدم من يتهمني بأنني أيدتهم ثم انقلبت عليهم، وهي فرية ظللت أواجهها طالبا من أهلها أن يأتوني بكلمة واحدة قلتها إعرابا عن ذلك التأييد فلم يظفروا بشيئ.
لقد كان ذلك مسخرة كبرى والأسوأ من كل ذلك أن رئيس البرلمان انضم الى كتلة الدكتور الترابي المعارضة لاستفراد العسكريين بالحكم وانتهاجهم النهج التسلطي ناسيا أنه كان متسلطا حقيقيا طوال رئاسته البرلمان. ولا زلت احفظ له زلة لسان معبرة تماما عن حقيقته فقد أجرى تصويتا برلمانيا بدأه قائلا : المؤيدون يجيبون بنعم .فاجيب بنعم داوية جهيرة. ومن ثم استطرد قائلا: المعارضون يجيبون بنعم.فبهت الاعضاء لحظة ثم انفجر الجميع بالضحك.
ليس للعسكر أن يحكم الناس إذ ان وظيفته هي أن يحميهم متى تعرضوا للخطر ولكن عسكرنا فشلوا في حمايتنا وتنازلوا عن الشطر الجنوبي لبلادنا تفاديا للقتال ونحن الآن أحوج ما نكون لمن يحمينا من عسكرنا. وإزاء ذلك لم يكن بد من مفارقة الأوطان على صعوبتها وصعوبة العودة إلى نقطة البداية بعد أن بلغت من العمر ما بلغت. ولكن لابد من الُمر إذا كان بديله هو الأمَرَّ. وكنت طوال رحلة الخروج أتمثل بالكلمات الشجاعة التي صاغها شاعرنا الفحل محمد سعيد العباسي مخاطبا بها أرزاء الدهر وبلاويه:
زد عتوا أزدك من حسن صبري وأذقني كأس العذاب الأمر
لست يادهـــر نائلا من شبا عزمي فتيلا ولا قلامــــة ظفر
الغابة والصحراء
مدرسة الغابة والصحراء، والتي كان من أهم أهدافها "سودنة" القصيدة العربية في قالب سوداني النكهة والملامح، والتوليف بين عنصريه العربي والإفريقي، من أين جاءت فكرة التسمية، وما هي أهم أهدافها وملامحها، وهل نجحت المدرسة في إخراج النص العربي بهوية سودانية؟
التسمية -كما رددت في عديد المناسبات - للشاعر النور عثمان أبكر، ولم يكن مقصودا إطلاقها على مدرسة من أي نوع، ولكنني انتقيتها من تراثه الشعري ووجدت رواجاً بسبب من بساطتها المفرطة وتعبيرها الدقيق عن مكونات الثقافة السودانية وربما السودان نفسه. وكان همنا الآخر هو تقريب الشقة بين شطري بلادنا والقضاء على تلك الثنائية الظالمة التي تصور صراع الشطرين كصراع بين عرب وأفارقة، أو بين مسلمين ومسيحيين. وكنا نريد أيضا أن ننحت من جسم اللغة العربية بلاغة جديدة تعبر عن البلد وناسه وظروفه، ومبرر ذلك هو كونها لغة سمراء أو بيضاء تحتشد بعض مفرداتها بمحمولات غير مرغوبة. ولكن ذلك المسعى توقف بشكل تام حين تبعثرت الحركة فخرجت شخصيا من الإطار الجامعي في أعقاب تخرجي من الكلية وسفر الشاعر يوسف عيدابي إلى خارج السودان كما انفضل عنها الشاعر الكبير محمد عبد الحي معلنا أنها تعبير عن صداقات بين شعراء متقاربين سنا ومنهجا ولكن لا يجمعهم اتفاق على قواعد فنية محددة. وبذلك توقف السعي نحو بلاغة جديدة ولكنه من المأمول أن تأتي عناصر شابة جديدة من جيلكم لتكمل المشوار.
رؤيتك للمشهد الثقافي السوداني المعاصر الآن، والحركة الشعرية السودانية؟
يتميز المشهد الحالي بعدد من الظواهر المتناقضة فالصرف الحكومي على الإبداع يعتبر متوقفا بالكامل ولكنه يمر بفترات من السخاء المفاجئ، تبدد فيها أموال طائلة لا تعود بأي نفع أو مردود وسأعطيك أمثلة على ذلك. فعند تعيين وزير للإعلام والثقافة من بين منسوبي النظام النافذين وجهت إلينا دعوات للحضور إلى الخرطوم بالطائرة بالدرجة الأولى والإقامة في الفنادق إذا أردنا ذلك مع تكفل الدولة بكافة مصاريفنا، وهي تكلفة تربو على الستين ألفا من الدولارات كان أجدى إنفاقها على ردم حفر الشوارع، أو شراء أدوية منقذة للحياة ولتلك الاعتبارات رفضت الدعوة وأبيت تلبيتها. وتكررت نفس الدعوة عند تعيين وزير آخر للثقافة ووقتها كان السودان على أعتاب الاستفتاء الذي مزق وحدة بلادنا وفصل جنوبها عن شمالها مما حولها الى طليطلة معاصرة تشتري الزمن لنفسها بتسليم رصيفاتها لغلاة النصارى، وفي نهاية المطاف يأتي عليها الدور فيتحول ملوكها إلى رعي الخنازير. وباعتبار الكارثة المقبلة رفضت تلبية الدعوة لمرة أخرى فلم يكترث لذلك أحد سوى شاعرة شابة تضج موهبةً وعطاء، وأظنك تعرفينها!!.
مثال آخر للصرف التبديدي هو اختيار الخرطوم عاصمة للثقافة العربية وما صحبه من طباعة المؤلفات السودانية دون فحص أو تمييز وما تندر به الناس أيامها عن ديوان شعري يتغزل صاحبه في جزء معين من الجسد الأنثوي، لم يتعارف الشعراء العرب على التغزل فيه.
والظاهرة المعاكسة تماما للإنفاق الحكومي أحولَ العينين هي قيام المجتمع المدني بأدوار رائدة في نصرة الثقافة كما هو مشهود في مركز عبد الكريم ميرغني الذي يقوم على شأنه الأديب الكبير والثري الأمثل أستاذنا محمود عثمان صالح والصرف التقـتيري الواعي الذي يقدمه اتحاد الكتاب السودانيين من موارده الشحيحة. ومن كل ذلك سنتعلم كيف نعهد برعاية الثقافة إلى مجتمعها المدني بعيدا عن غطرسة الدولة وهوائيتها.
بعيدا عن كل ذلك أرى جمالا وملكا كبيرا، أرى مبدعين ومبدعات، شعراء وشاعرات ومختصون ومختصات في الكتابة السردية كما أرى الفن السابع يزدهر ويقدم بروقه وبواكيره وأسمع أصواتا للرجال والنساء تصدح بروائع الترديد. نعم وعلى الجانب الآخر من السياج أرى رءوسا قد أينعت ولكنني أترك أمرها لمولاها، فهو نعم المولى ونعم النصير.
الدواوين الشعرية والمؤلفات
هلا حظينا بإضاءة حول مجموعاتك الشعرية، اجتهاداتك، ومؤلفاتك الفكرية؟
في حياة موزعة بين العمل والأدب أصدرت أربعة دواوين شعرية هي على التوالي:
أمتي:1969
بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت:1972
يختبيء البستان في الوردة 1983
لا خباء للعامرية 1984
ونشرت في مجموعة واحدة من القاهرة عام 2000
ولي من المؤلفات النثرية:
-الفكر السوداني: أصوله وتطوره: طبعتان 1974 و1984
-بين نار الشعر ونار المجاذيب: حياة وشعر محمد المهدي المجذوب
-ظلال وأفيال: كتابات ساخرة عن المحنة السودانية
-الدبلوماسية العربية التراثية: كيف استكملت أدوات الحرفة
-اكتوبر 1964: مشاهدات ومحاولات للتحليل (نشر الكتروني)
- في ذكرى الغابة والصحراء
وفي الفن الروائي كتبت:
- آخر العنابسة
- مقتل ماريا كاسونقو
وفي المسرح كتبت ما أسميته قصيدة ممسرحة بعنوان: مزرعة اليمام
ولي مئات المقالات موزعة على صحف السودان والعالم العربي وبعض المطبوعات الإنجليزية.

صدر لك ديوان " شعر أمتي"، في 1969، وكنت من أوائل رواد شعر التفعيلة عراقي المنشأ، حيث كانت أغلب نصوص "شعر أمتي"، شعر تفعيلة، ويعد من أهم الدواوين التي صدرت وقتها، وربما من أهم إصداراتك الشعرية، كيف تنظر لنشأة هذا التحول الكبير في مسار الشعر العربي، بصفتك شاهدا عليه؟
حول أبوة العراقيين لشعر التفعيلة كان لي رأي ينسب أُبوتها لشاعرين سودانيين هما المجذوب والمحجوب ولكل منهما قصيدة تفعيلية تعود الى عام 1946، أي قبل قصيدة نازك بعامين وقد نشرت مقالات بذلك الصدد ولكنها جاءت متأخرة. والواقع أنه لاسبيل لانتزاع ذلك الشرف من الشاعرة نازك الملائكة إذ أن قصيدتها عن الكوليرا -1948- لم تكن تعبيرا عن نزوة عارضة وإنما صدورا عن موقف فلسفي متكامل كما هو واضح من كتاباتها النقدية التي أعقبت تلك القصيدة.
هنالك بين النقاد العرب من يرى أن أول أثر تفعيلي في الشعر العربي ينتمي للحريري صاحب المقامات ذائعة الصيت فقد كتب قصيدة من بحر الكامل عاد وحذف منها تفاعيلها الاخيرة فتحولت الى مجزوء الرمل، وهي القصيدة التي تقول:
يا طالب الدنيا الدنية انها شرك الردي وقرارة الاكدار
دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا تبا لها من دار
وتبقى قصيدة موزونة اذا حذفنا منها التفعيلة الختامية(مستفعلن) على النحو التالي
يا طالب الدنيا الدنية انها شرك الردي
دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا
وليس صعبا تحويلها الى قصيدة تفعيلية على غرار:
يا طالب الدنيا الدنية إنها
شرك الردي
دار متى ما أضحكت في يومها
أبكت غدا.

هل ثم من فكرة للتحليق في فضاءات الوطن من جديد؟ أم أنك تكتفي بزيارته فقط دون فكرة الرجوع للإقامة الدائمة؟
بالتأكيد.
قدمت استقالتي من العمل الشهر الماضي وسوف أبقى هنا بضعة أشهر لترتيب اوراقي ثم رأسا الى السودان. وطبعا سمعت عما آلت اليه الاحوال بعد انفصال الجنوب وخسراننا البترول واشتداد حدة الغلاء، ولن يثنيني شيء من ذلك عن العودة. لا الغلاء ولا شبح الجوع فقد أكلت كثيرا وطويلا في هذه الدنيا، ولا مانع عندي من العيش على "بليلة القمح"، مع الأهل والأحباب وكلها كم سنة ويسترد صاحب الوديعة وديعته.
كلمة أخيرة عبر مجلة اليمامة
أشكر لك أن أعدتني إلى الكتابة، وهذه أطول كتابة ارتكبها منذ زمان..



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2949

التعليقات
#992753 [نكد الدولة سخطنا]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2014 09:04 AM
كيف وانت الدبلوماسى المتمرس ان تقبل ( دعمدوتهم لدخول البرلمان ) ؟
اين الانتخابات والديمقراطية التى تتباكى عليها اليوم؟
الا تعلم كيف يدخل الانسان البرلمان ؟ ولما لا تقل عينوك عضو فى مجلسهم وقبلت .
الم تكن تعلم ان من كون البرلمان جاء بانقلاب عسكرى؟
بلا هم كفاية علينا النحن فيه



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة