الأخبار
أخبار السودان
أزهري محمد علي : لسنا بوقاً لأي سياسي
أزهري محمد علي : لسنا بوقاً لأي سياسي
أزهري محمد علي : لسنا بوقاً لأي سياسي


05-31-2014 09:50 PM

الخرطوم – رؤى الأنصاري
** دخل براحات البيوت، وقد منح الإذن مسبقاً، شاعر يؤمن في جميع حالاته الشعرية بقداسة الكلمة، ويسعى إلى تجويدها بلا تصنع؛ بل بتحسس مواضع الجمال وترصد حالات التوهج عند الناس؛ لذا تكون مصادفة اللفظ حينئذٍ هي الأبلغ، ومشافهة الإبداع هي الأوثق، ويكون السباق محموماً بين إرهاصات الخيال وامتثال أوامر الواقع، يسير بمنهج يبلغ مداخل الوجدان السوداني؛ هو منهج: "ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب دون تأشيرة". يسير بخُطى ثابتة نحو الحلم؛ لا يهمه أن يكون فرس شعره هو الأول في سباق المفردة الشعرية، بقدر ما يهمه أن يقدم فناً قادراً على التعبير عما تجشيه الخواطر ويستحكمه الوجدان. نطرب لشعره عبر دارجية محببة وهمسٍ شفيف لا يصدر إلا من الشاعر الذي طالما أحب الناس الدارجية في شعره واعتزوا بسودانية قصائده.. يمتاز بهدوءٍ غريب؛ الشعر عنده محاولة لإرساء قيم الحب والجمال في الناس، لإيمانه أن الشعر يؤخذ منهم ويجب أن يرد إليهم. يبتهج الناس فرحاً بقصائده ولكن ثمة حزن مقيم في قلبه وبائن في مفردته ومطل من عينيه. أزهري محمد علي.. "سلام على لون الحزن في عينيك"..
*هل يستطيع أزهري أن يؤرخ لتخلق القصيدة عنده؟
هناك تاريخان: الأول، يتعلق بتخلق القصيدة في الدواخل، والانتباه للكائن المسمى شعراً، ثم التاريخ الثاني، وهو متى بدأت تكتب وتوصل إنتاجك للناس وتسمي نفسك أو يسمونك شاعراً. الأولى لعبت فيها البيئة والمجتمع والموروث الثقافي والمعرفي والشعري دوراً كبيراً، ثم تبدأ تتكون جينات لها علاقة بمواريث ترجع لتواريخ بعيدة تساهم في إنتاج الشعر.
عشت في بيئة، في تقديري، كانت غنية جداً بمكونات ومدخلات القصيدة، كان الناس يحتفون ويغنون في كل المناسبات.. وتبدأ القصيدة عندهم من هدهدة الأم لطفلها. وفي ذهني:
النوم النوم بكريك بالدوم
النوم النوم دومتين حلوات دومتين مرات
ودومتين في البحر ماشات
تلك هي المكونات الأولى، وتستمر كلما جاءت مناسبة، نغني للمطر والعودة من السفر وفي الأعراس وفي الحصاد، ولدينا الأهازيج الدينية والكرامات:
يا فاطمة يا بت الإمام
قدمك متل قدم الحمام
وريشك متل ريش النعام
هذا النوع يستمر إلى أن يصل الإنسان إلى اللحد، نقدم موتانا بالمناحات والأهازيج التي تعلي من قيمة عطائهم ومكارم أخلاقهم ومآثرهم التي تحلوا بها، تظل هذه الأغنيات بالداخل تتبلور حتى تبدأ الكتابة وتتصل بالآخرين ويسمونك شاعراً، بعدها تجد نفسك محاصراً بسلطات كثيرة تبدأ من البيت، وبكل أسف، في المجتمع السوداني الكل ضد الإبداع، ابتداءً من سلطة البيت والأصدقاء والشارع، وأقل ما يمكن أن توصف به هو (أن فلان عامل فيها شاعر).
• تعرضت لمثل هذا النوع من المضايقات في بداياتك؟
نعم، ربما تكون من أناس لا يرون حالة التخلق بداخلك. وقد تكون من الأصدقاء من باب الغيرة، عندما تبدأ تكتب تُحاصر بشكوك كثيرة بأن هذا قولك أم لا؟ ويقتنعون في وقت متأخر جداً باستثناء الذين لديهم علاقة بالشعر والفنون والثقافة، أولئك يستطيعون معرفة إلى أي مدى يوجد كائن يتخلق داخلك يسمى شعراً، ويمكنهم مساعدتك في تجاوز تلك المطبات التي تعبر من خلالها.
*بالتأكيد؛ وجدت تشجيعاً ومساندة وصوتاً تنبأ بك وبموهبتك، صوت من الذي قال إن لأزهري مستقبلاً في الشعر سيكون ماثلاً في يوم من الأيام؟
صوت أخي الأكبر علي، لفتني في لحظة غفلة كاملة، وفتح ذهني على الغناء والشعر، وكان محفزاً بالنسبة لي، على الرغم من أننا كنا نقطن في قرية بعيدة عن المركز والعاصمة وحركة الثقافة. كان علي مشتركاً في مجلة (هنا أم درمان)، وكانت لديه مساهمات تنشر عن طريق المراسلة. أذكر أن هذه المجلة كانت تذيل صفحتها الأخيرة بأغنيات مكتوبة، كنت مفتوناً جداً بتلك الصفحة، وكثيراً ما تعرضتُ للعقاب والزجر لأنه دائماً يجد الصفحة الأخيرة قد قصت وكنت المسؤول عن ذلك.
*في أكثر من لقاء تحدثت عن الحصاحيصا بشيء من الحفاوة والوجع في آن، حدثنا عن تلك الفترة وعن توليك نقابة العمال في مصنع الصداقة للنسيج؟
الحصاحيصا شكلتني واتشكلت بيها وما اتشاكلت معاها، كانت فترة مهمة جداً، كنت المستفيد الأول من مصنع الصداقة من خلال مسؤولياتي النقابية ومن علاقاتي الاجتماعية، في وقت تجد نفسك مدافعاً عن حقوق الناس الذين تكون مسؤولاً عنهم دون فوارق وظيفية، تحاسب منهم جميعاً رئيسك، هم الذين انتخبوك، وخطاب الدورة والميزانية يكون حديث مصارحة بينك وبينهم.
تعاطيت في كل دورة نقابية بشكل ديمقراطي وهذا شكل عندي إحساساً بالرضا مهما كانت الجهات التي تنافسك والتي تستخدم وسائل لا أخلاقية وغير مشروعة لأنك تحس أن الحس العمالي والقاعدي معاك. وهي فرصة لأبعث فيها التحايا والأسف لكل الذين زاملتهم في تلك الفترة لأن الذي نتحدث عنه أصبح حديثاً في الذاكرة.
*ماذا عن صورة مصطفى سيد أحمد التي كانت تزين أحد جدران مكان سكنك في الحصاحيصا؟
الصورة للفنان التشكيلي وصديقي الفنان خالد عباس، رسمها على حجم الجدار، كنا نقوم بصيانة كل جدران الغرفة ونستثني صورة مصطفى، بعد مغادرتي الحصاحيصا كانت وصيتي لمن سيسكن بعدي بأن يحافظ على شيئين من باب الوفاء: صورة مصطفى سيد أحمد ونخلتين زرعتهما في الحوش. مع العلم أن هذه البيوت أخليت، إلا أنه وعند مروري أرى النخلتين، تآكلت الجدران بكل أسف.. لكن أتمنى أن تكون صورة مصطفى موجودة.
*أزهري محمد علي عمدة بن عمدة، هل ساهمت العمودية في تكوين شخصيتك، وألقت بظلالها على توليك قيادة بعض المؤسسات؟
- نعم، والدي كان عمدة لسنوات طويلة امتدت لثلاثة وعشرين عاماً إلى أن توفي، ترك لنا عبئاً كبيراً تمثل في تأدية الدور نفسه؛ إذا لم يكن في المجتمع الذي عاش فيه، ففي المجتمعات التي تعيش فيها، كما يلقي عليك هذا العبء مسؤولية أخلاقية في علاقتك مع الآخرين لكي تصب في إطار علاقة مميزة، الاسم نفسه يشكل عبئاً للحفاظ عليه.
لا يمكنني الحكم على نفسي ما إذا كنت موفقاً أم لا في قيادة بعض المؤسسات، لكن بالتأكيد كانت العمودية مرجعاً مهماً جداً في علاقتي بالناس وعلاقات العمل. العمودية لا أعلنها كثيراً لأن الإعلان يفسر من باب التباهي والتفاخر الأسري والجهوي الذي لا تحتمله حركة الحياة والتطور الطبيعي فيها. توليت العمل القيادي في أكثر من مؤسسة إعلامية، لكن أحاول بقدر الإمكان ألا تكون فكرة الإدارة والقيادة مرتبطة بالنهج المتعارف عليه في الإدارة الأهلية. أحرص دائماً أن تكون الإدارة إدارة جماعية ديمقراطية، المسؤوليات والواجبات والحقوق هي التي تحدد شكل العلاقة، العلاقة الإدارية يضبطها إيقاع قانوني يشكل العلاقة بينك وبين من تكون مسؤولاً عنهم من واقع حبك لهم وقربك منهم، ومن خلال احترامكما لبعض كطرفين.
*إذن من خلال توليك دفة القيادة في بعض المؤسسات الإعلامية، ما هي العوائق التي تعترض سير العمل الإعلامي في السودان؟
العمل الإعلامي في السودان تحكمه ظروف خارجية كثيرة ويتم في ظروف بالغة التعقيد، تحديداً العمل الإعلامي الأهلي. مؤسسات الدولة لها أكثر من باكٍ، أما مؤسسات الإعلام الأهلي لا باكي لها إلا أصحابها، الدولة لا تريد أن تنفتح على الإعلام الأهلي على أنه جزء من منظومات الإعلام الوطني، بل تتعامل معه كمنافس وهنا تدخل ثقافة التنافس غير الشريف في مجال القنوات والإذاعات والصحافة.
• ظلت للمثقفين أزمة قابعة لا تبرح مكانها إلا لواذاً في بعض حالات التصالح بين الثقافة كقيمة والسياسة كبندٍ نادر أن يعترف بها ويسميها، كيف ترى ذلك؟
في الانتخابات الفائتة استعانت كافة الجهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بالمثقف لتدشين حملاتها لتجسير العلاقة بينها والناخبين، السياسي يحتاج للمثقف. الرسالة الموجهة للمثقف هي أن يكون رائداً في مجتمعه من خلال الأدوار التي يؤديها لأن هذا وضعه الطبيعي، وهنا لابد من تحديد الأدوار التي يمكن أن يؤديها ولا تكون بالإملاءات. السياسي يجب أن يكون في خدمة المثقف ولا يكون المثقف في خدمة السياسي. مطلوب منا أن نكون أدوات ومنابر للتنوير واستنهاض القيم الفاضلة في المجتمع وليس أبواقاً للساسة.
* على ذكر السياسي والمثقف، نود أن نعرج على زمان شكلت فيه الأغنية الوطنية التي كانت تبث عبر الإذاعات الوعي العام عند السودانيين وساهمت في إذكاء الروح الوطنية لإقصاء المستعمر؟
هذا هو التحدي الذي يجب أن ينتبه إليه الناس اليوم، وهذا يسوقنا للحديث عن العلاقة بين المبدع والسياسي. الفنون أعظم أثراً من أي خطابٍ سياسي، باستطاعة أي إنسان مهما علا شأنه أن يعتلي منبراً ويلقي خطابه السياسي ولكن عليه أن يعلم أن خطابه سيسقط بمجرد النزول من على هذا المنبر، إلا أن القصيدة تبقى لقرون. القصيدة تعلي عروش قوم وتحط أخرى، المتنبئ قامت عليه أركان وكيان سيف الدولة، وسقطت على يديه دولة كافور الإخشيدي.
كم من الخطابات قِيلت في الحركة الوطنية سابقاً ولم تعد موجودة في ذاكرتنا إلا أننا ما زلنا نردد: "أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض"، وما زلنا نردد "لا لن أحيد" و"صه يا كنار" وهكذا. تبقى الأغنيات الوطنية وإن ذهبت الرموز والخطاب السياسي. دعوتنا الآن للساسة: أزمتنا في السودان أزمة ثقافة وليست أزمة سياسة، فإذا أردنا أن نعلي من قيمة الخير والجمال علينا أن ندخل إليها من باب الثقافة.
* في (الملف السياسي) نفسه نتساءل عن القصيدة النضالية؛ هل تشكل ذاك الحضور الذي كان سابقاً؟
أصبح لدى الناس وعي بالحدث السياسي، وإيمان بأن الدور الأساسي لإحداث التغيير المطلوب بأسس جيدة دون الحاجة لإراقة الدماء ودون إقصاء الآخر والسعي للانتقاص من مساهماته وحضوره. من حق المواطن أن يتمتع بكامل حقه في المواطنة إلا أن المعائش والرهق اليومي صرف الناس في اتجاهات أخرى بكل أسف، لذا صارت القصيدة النضالية قصيدة ملاحقة إلا أنها تشكل حضوراً، وإن كانت متداولة وتوفرت ليها وسائط عدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولم يعد تعاطيها سراً.
يفترض أن يواجه الحاكم بالارتقاء بمستوى الثقافة، وإلزامه أن يستمع إلى المحاولات الجادة وأن يقتنع بوجهة نظرنا إذا كانت صحيحة، فما يؤديه المثقفون يؤدونه بإخلاص، لسنا بوقاً لأي سياسي. نحن مواطنون لدينا دور في مجتمعنا، من واجب السلطة أن تسمعنا، إذا كنا مخطئين عليها أن توقفنا وتقول (كلامكم فارغ)، وإذا كنا جيدين وكلامنا مفيد فـ"ليه البفيد الناس إنت ما عايز تسمعو؟".
*شعر أزهري محمد علي عرضة لأن يفسر سياسياً، هل تزعجك هذه المسألة؟
بالتأكيد لا تزعجني, ولكن ليفسر شعر أزهري محمد علي حياتياً لأن السياسي جزء من الحياتي. إذا لم أكتب قصيدة ليست لها علاقة بحياة الناس لا تكون قد كتبت لهم، ليس مطلوباً منا أن نناجي حبيباتنا بأنهن جميلات وذوات عيون فاتنات.. هذا حديث تجاوزناه، وإذا أردنا قوله لهن فلنقله في السياق الحياتي، لا نقوله بمعزل عن تفاصيل الحياة الواقعية والوطنية، لا بد أن تلامس القصيدة حياة الناس لأنها تؤخذ منهم وترد إليهم.
*البلاد الآن تعاني ويلات كثيرة وحالات تشظٍ وتمرد وانشقاقات ماثلة، كلما سدت جبهة فتحت أخرى لا تجدي معها طاولات الحوار ولا مقترحات السلام، وأصبحت البلاد على شفا حفرة من الانهيار التام على جميع الأصعدة.. إلى أي مدى يمكن أن يساهم الشعر في خلق واقع سياسي أفضل؟
يمكن أن يساهم مساهمات عظيمة، كل الرموز الثقافية في العالم استطاعت أن تشكل في مجتمعاتها منارات للناس يقتدون بها، وتحول الخطاب الثقافي إلى وثيقة عمل سياسي واجتماعي ومؤشرات مهمة جداً أعطت القائمين على أمر السياسية مصابيح ليستدلوا بها عبر التاريخ. مساهمات محمود درويش وقصائده منهج؛ ويمكن أن يتحول مشروعه إلى عمل كبير جداً.
في السودان هناك أصوات كثيرة جداً، إذا تناولنا ما كتبه محمد الحسن سالم حميد ولم يغادر من متردم؛ في كل بيت من أبيات قصائد حميد هناك سياسي ومنهج للخروج من متاهة. إذا لم نتجاوز الهوة بين المثقف والسياسي لا يمكن أن يقتنع الأخير أن ما يقوم به المثقف عمل مفيد ولا علاقة له بالترف الذهني ولا نافلة من نوافل القول.
في حالة التشظي الماثلة الآن والمهددات وتهتك النسيج الاجتماعي وجبهات التمرد، لابد أن يكون للمثقفين دور للتصدي لكل هذا، انفصل الجنوب والمثقفون في غيبوبة، تشتعل دارفور والنيل الأزرق والمثقفون في غيبوبة، أو لنقل ليست لديهم المقدرة على امتلاك أدوارهم الأساسية.
* وهل يصلح الشعر ما أفسدته السياسة؟
يحاول الشعر أن يصلح ما أفسدته السياسة، ليس مطلوباً من الشعر أن يحدث التغيير بشكل مباشر في السياسة؛ لكن يخلق الوعي الذي يساهم فيه. كلما ارتقينا بمقادير الوعي عندنا، شكلنا حصانة ضد القيد السياسي والثقافي والاجتماعي. هذا يقودنا إلى مسألة "الغزو الثقافي"، إذا كنا محصنين بموروث ثقافي متين يجب ألا نجد أنفسنا وفي عز انقساماتنا وانشقاقاتنا نتجادل عن (ندى راستا) وبالونات تطلق في الهواء نجري وراءها وننصرف عن الحادث المؤلم الذي يترصدنا.
إذا أردنا أن نحسم مسألة التمرد علينا أن نضع في ذهننا كم منا الأبرياء سيموتون وكم من أبناء السودان سيحملون السلاح، في وقت أصبح فيه اقتناء (الكلاشنكوف) مثل اقتناء الجلاكسي في الخرطوم، حلم.
التقيت بأطفال منذ وقت قريب سألتهم عن أعمارهم الدراسية؛ ردوا بأنهم بين الصفين السادس والخامس، سألوني ما إذا كنت أريد (صرفاً) شغالين في العملة! فإذا رضخ هذا الطفل لأن يتكسب من الدولار من الممكن أن تستخدمه جهات لأن يتكسب من المخدرات، المهم عنده الكسب غض النظر عن الوسيلة، تلك إفرازات وتقرحات الواقع السياسي في السودان، وجزء من الراهن الذي يحتاج لمعالجات فورية.
هنا لابد أن نسأل: لماذا يعمل أطفال صغار تجاراً للعملة، ومن الذي أفرغهم في الشوارع، وهم مسؤولية من؟ لأنه وفي حالة التوهان هذه نتوقع أن تحمل الأجيال القادمة (الكلاشنكوف) ببساطة.
كل يبحث عن حقه، فمن لم يجده في بيع العملة وفي مسح زجاج العربات وفي ترويج المخدرات سيضطر إلى تكوين فصيل لينتزع حقه انتزاعاً، فالواقع السوداني في تقديري مؤسف.
*من هم الشعراء الذين مثلوا جيل أزهري محمد علي؟
كنا مجموعة من الأصدقاء مثلنا مرحلة متفاوتة بعطاء متفاوت بوفاء للشعر أيضاً متفاوت، هناك شعراء جيدون جداً إلا أنهم لم يكونوا أوفياء للشعر، لم يكن حضورهم كشعراء بالقدر الكافي، إلا أن ذلك لا ينفي أنهم كانوا أصحاب عطاء جيد وتجارب جيدة.
مجموعتنا كانت الأكثر تماسكاً؛ ساهمنا في تقديري مساهمات متفاوتة في أن نقدم للناس مشروعاً غنائياً محترماً ومثقفاً وواعياً وغير قابل للانكسار والاستقطاب والتحوير والزوال، وهو مشروع مصطفى سيد أحمد الذي كان منارة في زمانه، ومازال يلتقطه الشباب ويؤدون به نفس الدور، فالتحية لكل الذين ساهموا في ذلك، ولكل الذين عاصروا مصطفى ولم يكونوا محظوظين أن يساهموا في مشروعه.
*حدثنا عن تلك المرحلة وما صاحبها من أحداث؟
كانت مرحلة تعاطي عال، كان هناك لهث محموم عندما يظهر شريط جديد لمصطفى، في وقت يتم فيه تداول الأشرطة سرياً وتلاحق أمنياً، وكان هناك خوف سياسي من انتشارها، "مصطفى زول يتعرض لغسيل كلوي دوري ويمسك عودو ويغني؛ ولما شريطو يخش البلد الناس دي كلها تقوم وتقعد. وهذا أثرٌ عظيم".
*الراهن السياسي في تلك الأيام يشبه إلى حدٍ كبير الراهن السياسي الآن، ما مدى صحة ذلك؟
المشهد السوداني يتشابه، ربما إن الانحدار إلى الخلف كان أسرع في السنوات الأخيرة، على الأقل قبل كم عام كان هناك أمل أن نحافظ على سودان موحد، وكان ممكناً أن ننتصر على الحروب وعلى الفقر وعلى الجهل، وأن نخلق جيلاً مستنيراً وله علاقة بالثقافة والخير والجمال ولديه إحساس بالتغيير.
الآن أصبح الواقع أكثر قتامة بعد انفصال الجنوب والحروب التي اشتعلت في غرب السودان والنيل الأزرق، ساهم في ذلك الفقر والانحطاط الثقافي، باختصار؛ المشهد الآن لا يسر عدواً ولا حبيباً(العدو ذاتو ما ممكن يتخيل الانحدار الذي نحن فيه)، وهذا يتطلب جرأة وشجاعة لأن نعترف أن هناك مشكلة حتى نتمكن من حلها.
*المفردة الشعرية عند حميد موغلة إلى حدٍ كبير في المحلية، وعند القدال موغلة في البداوة وتصاويرها، إلا أنها عند أزهري محمد علي تحمل طابعاً يميل نحو الحداثة، ما تعليقك؟
هي ملاحظة في محلها تماماً، نحن الثلاثة قدمنا من بيئات مختلفة لكنها غير منعزلة عن بعض: الشمالية ونهر النيل والجزيرة.. التسلسل الجغرافي لتلك الولايات قريب من بعض بالتالي تنتقل الرؤى والمفاهيم. ظاهرة التنوع جيدة، إذا اختلفت الأصوات وما اختلفت الرؤى. لا يكتمل المشروع الذي تكمن قيمته في التعدد الصوتي.
حميد حفر عميقاً جداً في العامية، وأنتِ أشرت إلينا (الثلاثة) باعتبارنا كابدنا وبقينا في البلد وكنا أوفياء للشعر، حميد والقدال من الأصوات التي كانت عصية على كل انكسار أو استقطاب أو تغييب، ظلت أصواتهم مرتفعة. هنا أحيي حضور أخي وصديقي القدال في المشهد الثقافي بكل تناقضاته وبكل روادعه لأنه ممسك بقلمه ومواصل في المد الشعري، هما من الشعراء العظماء في السودان ومثلهما محجوب شريف وعمر الطيب الدوش وهاشم صديق وسعد الدين إبراهيم وعاطف خيري والصادق الرضي وعثمان بشرى...، منهم من تقاسمتهم المنافي ولكن عطاءهم الشعري ظل موجوداً.
عن مفردتي الشعرية، أنا أحاول جاداً أن تكون موغلة في العامية المتصالحة والتي تكون أقرب للتعاطي وذائقة المتلقي حتى تستطيع القصيدة أن تتعاطى مع الفضاء السوداني وإنسانه بشكل كبير.


اليوم التالي






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2829


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة