الأخبار
أخبار إقليمية
الصوم من أجل الحرية !!
الصوم من أجل الحرية !!


06-28-2014 11:25 PM
د. عمر القراي

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).. صدق الله العظيم

قال تعالي "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" .. والوشيجة بين القرآن، ورمضان، ليست مجرد نزول القرآن، في هذا الشهر المبارك، وإنما هي النفس البشرية .. فالقرآن إنما هو قصة هذه النفس، في رحلة إغترابها، وتيهها، ثم رجوعها الى كمالها الذي لا تحده حدود، والذي صدرت عنه في سحيق الآماد .. ورمضان إنما هو وسيلة، من وسائل تربيتها، وتهذيبها، ومن ثم مساعدتها في رحلتها المقدسة نحو كمالها .. قال تعالى في ذلك (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) .. فالإنسان خلق في أرفع صور الكمال، ثم رد الى أدنى صور التدني، ثم قدر الله له بمحض فضله، التوبة، ثم الرجعى ويسر له عمل الصالحات، ليعيده بعد تجربة الغربة، الى حيث كان من الكمال عند الله .. فإن الرجوع يكون الى حيث كان الشخص، ولهذا قال جل من قائل: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) .. ولما كان القرآن، هو قصة النفس البشرية، بين إغترابها ورجوعها، وليس في الوجود الحادث ما هو أفضل من الإنسان، كان القرآن أحسن القصص، قال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) .. والقرآن كلام الله، قال تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) .. ولكن الله سبحانه وتعالى لايتكلم بجارحة، وليس كلامه أصوات تنسل من الحناجر، تحدد معانيها لغة معينة، كما نتكلم نحن، وإنما هو متكلم بذاته .. وحين تأذن بأن نعرفه، تنزل من الإطلاق الى القيد، فصب كلامه القديم، في قوالب اللغة العربية، فحملت منه ما أطاقت، ثم تكسرت، حين ضاقت أوانيها عن المعاني، وتحولت الى حروف، لا معنى لها في ذاتها، وإنما هي مجرد إشارة الى الإطلاق.. قال تعالى عن ذلك (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ).. فالقرآن جُعل عربياً بالتنزل، بعد أن لم يكن، وهو لدى التناهي، في حقيقته، ما هو غير الذات .. (حم) إشارة ، و(الكتاب المبين) عبارة .. والذات الإلهية فوق العبارة وفوق الإشارة !!

وقبل أن ينزل القرآن في شهر رمضان، وقبل أن ينزل في مكة المكرمة .. نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ثم تنزل الى عقله، فنطق به لسانه .. قال تعالى ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .. واللسان ليس مجرد اللغة، وإنما هو ملكة التعبير، والتي ترجع الى العقل .. والعلاقة بين العقل والصوم، علاقة تعاون على السيطرة على نوازع الجبلة الحيوانية في الجرم البشري، التي تطلب الشهوة بإلحاح مستمر .. ولقد جاءت الأوامر والنواهي في الشريعة، لتقوي العقل برفضه إتباع شهوات النفس، والعقل القوي، القادر على التفكر، هو الهدف الأساسي لشريعة الحلال والحرام .. قال تعالى (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).. فالعقل لا يقوى، ويصبح ذكياً، ودرّاكاً، إلا إذا استطاع أن يقيد نوازع النفس، ويضبط غريزتها .. ومن هنا، جاءت فضيلة الصوم، في مستواه الإبتدائي، تقييداً محدوداً، لشهوتي البطن والفرج، في نهار شهر رمضان. فإذا تدرج السالك في مراقي الصوم، زاد صومه عن مجرد شهر رمضان، وتوسعت دائرة الصوم حتى يفطم نفسه من كل الفضول، ويمرسها في محاربة العادة، ومن ذلك الصوم عن الكلام، قال تعالى ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) !! ومعلوم أن الصيام الذي كتب علينا، وهو ما كتب على الذين من قبلنا، من أصحاب الأديان، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. والصوم عن الكلام لم يجئ في الشريعة، ولكنه جاء في السنة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) والخير هو ذكر الله !! فإذا استقامت للسالك نفسه في الصوم عن الأعيان الحسية، إتجه الصوم الى الخواطر، فصام عن كل خاطر سوء .. والصائم عن الخواطر السيئة، بحيث تكون داخلية نفسه خيّرة ، هو الصائم حقاً .. ومع أننا في مستوى الشريعة غير محاسبين على الخواطر، ما لم نقل أو نفعل، إلا أننا في مستوى الحقيقة، محاسبون حتى على الخواطر !! قال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)!! ولقد كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اجعل سريرتي خير من علانيتي واجعل علانيتي خيّرة " . وإذا لم يستطع الإنسان، أن يكف عن الكذب، والنميمة، والغيبة، والسخرية، والسب، والشتم، واللعن، والبذاءة، وغيرها من مساوئ المعاملة، ثم الخواطر الشريرة، والخواطر الشهوانية، فلا داعي ان يترك طعامه وشرابه، كما جاء في الحديث، لأنه لن يعتبر عند الله صائماً..

وعن علاقة الصوم بالصلاة نقرأ قال تعالى " ياأيهاالذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين " ... والصبر في الآية يعني الصوم ، لأن الصوم رياضة تطالب بالصبرعن دواعي الجبلة ، وعن الغفلة ، والإنحراف .. وغرضها تقوية الفكر. والصبر فضيلة، في السالك، يحتاج اليها في جميع مقامات العبادة . وليست في صفة العباد، صفة تعادلها ، ولذلك فانه قد قال " انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" كل عامل في يالطاعات ، أجره بحساب ، الا الصابر فان اجره بغير حساب ... والحديث " الصوم ضياء والصلاة نور" يوضح العلاقة بين الصوم والصلاة ، كما انه يوضح قيمة الصوم والصلاة للسالك .. والفرق بين النور والضياء ، محكي في قوله تعالى " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون" فالضياء " النور " الاصيل ،والنور " النور" المعار. فالجرم المضئ نوره منه كالشمس، والجرم المنور نوره مستمد من غيره كالقمر .. وعندهم ان الأرض والشمس والقمر من آيات الآفاق ، تمثل الثالوث المودع في البنية البشرية ، من آيات النفوس .. والله تبارك وتعالى يقول " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق أولم يكف بربك ان على كل شئ شهيد ".. فالشمس من آيات الآفاق ، في مقابلة القلب، من آيات النفوس، والقمر من آيات الآفاق في مقابلة العقل من آيات النفوس والأرض من آيات الآفاق في مقابلة الجسد من آيات النفوس ... ان الصيام هو حظ الروح، فهو يشحذ الذكاء ، ويعطية نفاذاً ومضياً . ومعلوم ان " البطنة" تنيم " الفطنة" ، والصيام انما يشحذ الذكاء، لأنه يؤثر على الدم فينقيه، ويقلله، ويحد بذلك من طيش واندفاع الشهوة .. وقد جاء في حديث المعصوم " ان الشيطان يجري من احدكم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالصوم" )( الأخوان الجمهوريون : الصوم ضياء والصلاة نور. الخرطوم 1976م ).

ولما كان الصيام حظ الروح، فقد إرتبط بالعقل، لأن العقل هو الروح، في مستوى من مستوياتها، واليه الإشارة بقوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعواله ساجدين) .. والتسوية قد جرت بالتطور للجسد، حتى إذا تأهل، نفخ الله فيه لطيفة اللطائف- العقل، وميزه به عن الحيوان، وجعله مناط التكليف ومدار التشريف .. والقرآن أيضاً هو الروح في مستوى مستوياتها، قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ومن هنا، من كونهما مستويان من الروح، جاءت الوشيجة بين الصوم والقرآن ..

والصوم ليس قصاراه أن يكبت الشهوات، وإنما أن يكسب العقل بالمران، السيطرة عليها، حتى يحرره من سلطانها تماماً، ومن هنا تجئ علاقة الصوم بالحرية. والحرية مستويان : حرية الفرد في الجماعة، وهي التي يناضل الناس لتحقيقها، بخلق القوانين العادلة، وبالنظام الديمقراطي، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة، والمواثيق التي تحفظ حقوق الإنسان. وحرية الفرد في داخل نفسه، وهي تعني خلاصه من الخوف. وذلك لأن الشخص الخائف، لا يستطيع الإستمتاع بحياته، ولا بحريته، وسط الجماعة. ولما كانت النفس بطبعها تسعى للذة العاجلة، بكل سبيل، وتفر من الألم ، فإن تجاه تربيتها، هو الحد من لذتها، وإعطائها فرصة لتجربة الألم، حتى تتغلب عليه، فلا تخاف منه. وفي هذا المضمار، مضمار تعريض النفس لألم الجوع والعطش، والحرمان من الشهوة، يجئ دور الصوم في تحقيق الحرية .. وكل ممارسة للشهوة، دون تفكير في عواقبها، ودون قدرة على منع النفس عن ممارستها، تصبح عادة، ومن هنا جاء الصوم يحارب العادة، ويشحذ الفكر، ولهذا تجد أصحاب " الكيف" ، أشقى الناس بالصيام، لأنهم عبيد العادة، التي تأصلت حتى أصبحت إدمان .. ومن هنا تجئ حرمة الكيف، بكل أنواعه، وكل مستوياته، ولو كان المشروب، أو المأكول، أو المستنشق، في حد ذاته ليس حراماً، وذلك لأن الكيف يستعبد الإنسان ويمنعه من تحقيق حريته، والحرية أرفع قيم الحياة، وإنما جاءت قيمة الصوم من أنه يساعد في تحقيق الحرية !!

ولخوف لإنسان من الألم، يخاف من الإنفاق الذي يتوهم أنه يسبب له الفقر والعدم، ولمحاربة شح النفس تجئ الصدقة، ويطالب الصائم بكثرة الإنفاق، وهو حين يشعر بألم الجوع، يتصور جوع الفقراء المعدمين، فيواسيهم بالتصدق عليهم .. والذي يعجزه المرض، أو كبر السن، أو صعوبة العمل الذي يرتزق منه، عن الصومن عليه أن يطعم مسكيناً، عن كل يوم من أيام الصوم .. قال تعالى في ذلك (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

ومن إسهام الصوم في تحقيق الحرية، شحذ الذكاء، الذي يعين على حسن التصرف، الذي يمنع الحرية من المصادرة .. فمعلوم أن ثمن الحرية، هو حسن التصرف فيها، و أن سوء تصرف الفرد، الذي يورطه في الإعتداء على حقوق الجماعة، يصادر حريته، وفق قانون الجماعة. فالحر حرية فردية مطلقة، إنما هو الذي يسلك فوق قوانين الجماعة .. ولهذا هو يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة كل اولئك، الا خيراً وبراً بالاحياء والأشياء .. مثل هذا الشخص الحر، موكل بالإحسان، لو كان هنالك قانون أو لم يكن. ولما كانت الحرية بهذا المعني عزيزة المنال، قال العارف :

تمنيت على الزمان محالاً أن ترى مقلتاي طلعة حر

ولما كان الأفراد هم الذين يكونون المجتمع، فإن التداخل واضح بين الحرية في المجتمع، والحرية لدى الفرد .. فإذا كان الحكام في كل بلد، بعيدين كأفراد عن تحقيق الحرية في نفوسهم، فلا يتوقع أن يعرفوا قيمتها، ليحققوها على المحكومين .. ولهذا تجئ مصادرتهم للحريات منطلقة من خوفهم على مناصبهم وطمعهم لما يحققوا بتلك المناصب من مكاسب دنيوية من سلطة وثروة وجاه. وخوفهم من زوال هذه النعم ومحاسبتهم على ما ارتكبوا من جرائم .. فإذا وضح هذا، فإن الإصلاح الذي يركز على المجتمع ويهمل الفرد، إصلاح منقوص، لا يؤدي الى النتائج المرجوه. فأنت لا يمكن ن تحقق الديمقراطية، إذا كان من يدعيها لا يعرف حقيقتها، ولا يعتقد أنها ذات علاقة بتربيته لنفسه، وتخلصه من خوفه، وطمعه .. فمن أجل الديمقراطية الحقيقية، نحتاج الى إصلاح مناهج التعليم الحاضرة، التي تقوم على حشو أدمغة الطلاب، بمختارات من العلوم والمعارف، لا علاقة لها بتغيير نفوسهم. بل ربما كانت موجهة سياسياً، لخدمة فكار المجموعة الحاكمة، ومصالحها، وبعيدة عن مصلحة الشعب، الذي يتحمل الإنفاق على التعليم.

كما أن إصلاح الفرد، لا يمكن أن يتم بمنهاج العبادة، من صيام، وصلاة، وزكاة، وغيرها، وهو مبتعد عن المشاكل التي يعاني منها شعبه، ظناً منه أنه لو أصلح نفسه نجا !! والحق أن المنهج الفردي في العبادة والسلوك، هو ما يعد صاحبه، ليسهم الإسهام الحقيقي، في إصلاح مجتمعه، وتوفيق الله له، إنما يجئ بمحض الفضل، وبقدر ما كان نافعاً للناس .. ولعل من أول خطوات الإصلاح، الربط الوثيق، بين المفاهيم الدينية، وواقع الحياة .. وذلك لأن الدين قد جاء من أجل الإنسان، وليس العكس. فإذا كان الدين مجرد منقولات عن السلف، لا تؤثر فينا، ولا تنسجم مع حياتنا، فإن التعلق بها، لا يمكن أن يكون الأمر الذي يرضى عنه الله ..

نخلص من كل ما تقدم، لعلاقة الصوم بالحرية، وربما وجدت فرصة أخرى، للحديث عن علاقة الصلاة بالحرية، وكذلك الزكاة، والحج .. وفي الحق أن شعار التحرير الحقيقي هو لا اله الا الله، على ان تفهم كلمة التوحيد، بما يكشف عن معناها الأدق والأعمق، وهو معنى أكبر من مجرد نبذ الاصنام، وعبادة الله وحده.

د. عمر القراي


[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3819

التعليقات
#1048266 [omer]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2014 01:22 AM
وعن علاقة الصوم بالصلاة نقرأ قال تعالى " ياأيهاالذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين " ... والصبر في الآية يعني الصوم ''''
'
'
'
'
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر ، والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة ، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها ، أو في نقمة فيصبر عليها ; كما جاء في الحديث : " عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته سراء ، فشكر ، كان خيرا له ; وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له " .

وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة ، كما تقدم في قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) [ البقرة : 45 ] . وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى . والصبر صبران ، فصبر على ترك المحارم والمآثم ، وصبر على فعل الطاعات والقربات . والثاني أكثر ثوابا لأنه المقصود . كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الصبر في بابين ، الصبر لله بما أحب ، وإن ثقل على الأنفس والأبدان ، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء . فمن كان هكذا ، فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم ، إن شاء الله .

وقال علي بن الحسين زين العابدين : إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي مناد : أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب ؟ قال : فيقوم عنق من الناس ، فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون : إلى أين يا بني آدم ؟ فيقولون : إلى الجنة . فيقولون : وقبل الحساب ؟ قالوا : نعم ، قالوا : ومن أنتم ؟ قالوا : الصابرون ، قالوا : وما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا على طاعة الله ، وصبرنا عن معصية الله ، حتى توفانا الله . قالوا : أنتم كما قلتم ، ادخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين .

قلت : ويشهد لهذا قوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] .

وقال سعيد بن جبير : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه ، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه ، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر .
'''
;;
;;;
;;;
;;;
;;
ورمضان إنما هو وسيلة، من وسائل تربيتها، وتهذيبها، ومن ثم مساعدتها في رحلتها المقدسة نحو كمالها .. قال تعالى في ذلك (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) .. فالإنسان خلق في أرفع صور الكمال، ثم رد الى أدنى صور التدني//
/
/
/
/
وهي مكية.
قال مالك وشعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سَفَر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. أخرجه الجماعة في كتبهم .
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ( 5 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( 8 )
اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل:المراد بالتين مسجد دمشق. وقيل:هي نفسها. وقيل:الجبل الذي عندها.
وقال القرطبي:هو مسجد أصحاب الكهف .
وروى العوفي، عن ابن عباس:أنه مسجد نوح الذي على الجودي.
وقال مجاهد:هو تينكم هذا.
( وَالزَّيْتُونِ ) قال كعب الأحبار، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم:هو مسجد بيت المقدس.
وقال مجاهد، وعكرمة:هو هذا الزيتون الذي تعصرون.
( وَطُورِ سِينِينَ ) قال كعب الأحبار وغير واحد:هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى.
( وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ) يعني:مكة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وإبراهيم النَّخَعِي، وابن زيد، وكعب الأحبار. ولا خلاف في ذلك.
وقال بعض الأئمة:هذه مَحَالٌّ ثلاثة، بعث الله في كل واحد منها نبيًا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول:محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم. والثاني:طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث:مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلى الله عليه وسلم.
قالوا:وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة:جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم الله عليه موسى [ بن عمران ] - وأشرق من سَاعيرَ - يعني بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- واستعلن من جبال فاران - يعني:جبال مكة التي أرسل الله منها محمدًا- فذكرهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما.
وقوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سَويّ الأعضاء حسنها.
( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أي:إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل؛ ولهذا قال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )
وقال بعضهم: ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أي:إلى أرذل العمر. رُوي هذا عن ابن عباس، وعكرمة - حتى قال عكرمة:من جمع القرآن لم يُرَدّ إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لما حَسُن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهَرَم قد يصيبُ بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ العصر:1 - 3 ] .
وقوله: ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أي:غير مقطوع، كما تقدم.
ثم قال: ( فَمَا يُكَذِّبُكَ ) يعني:يا ابن آدم ( بَعْدُ بِالدِّينِ ) ؟ أي:بالجزاء في المعاد وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور قال:قلت لمجاهد: ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال:مَعَاذ الله! عنى به الإنسان. وهكذا قال عكرمة وغيره.
وقوله: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) أي:أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا، ومن عَدْله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعًا: « فإذا قرأ أحدكم ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) فأتى على آخرها: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) فليقل:بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين » .
آخر تفسير [ سورة ] « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ » ولله الحمد.


#1048252 [محمد سعيد]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2014 12:14 AM
الأخ القراي التحية لك سردك جميل وسر واضح وسهل
اخى العزيز لقد كنت فى يوم من ايام حياتى كثيفا وذلك كان منهلى السلف وكل ما اقرأ لكم اشعر بروحى اكثر لطفا وخفة
اخى أتابع كل ما تكتبه بالراكوبة ومختلف مواضيعك الشكر لك واعانك المولى فى رسالتك والله الموفق والسلام


#1048068 [بت البلد]
0.00/5 (0 صوت)

06-29-2014 05:04 PM
تشكر يا دكتور نأمل أن يحررنا الله من عبودية أنفسنا وأن نترجم المفاهيم الدينية عملا على أرض الواقع ... لقد لمس هذا الكلام القيم عقلي وقلبي فأبكاني ... لقد جذبني جمال طرحك وسهولة شرحك وأعجبت بتبحرك في الدين وتوضيح آيات الذكر الحكيم بتعمق وتدبر رصين ... اللهم أجعلنا من الذين يستعينون بالصبر والصلاة والرابطين بين المفاهيم الدينية وواقع الحياة... ولك الشكر يا دكتور مرة أخرى لما قدمت لنا من أجمل الأطروحات وفي انتظار علاقة الصلاة بالحرية والحج والزكاة وفي أمان الله ...


#1047946 [ابوعزيزه]
0.00/5 (0 صوت)

06-29-2014 02:09 PM
والله هذا هو الفهم الذى يجب ان نرتقي اليه فى كل عباداتنا
بارك الله فيك يا دكتور القراى


#1047872 [shahd sayed]
0.00/5 (0 صوت)

06-29-2014 12:30 PM
رمضان كريم ياراكوباب ويديم عليكم نعمة الصحة و العافية ولك يااستاذ ياعظيم


#1047662 [شاهد اثبات]
1.00/5 (1 صوت)

06-29-2014 07:27 AM
هذه حياة "الفكر والشعور" التي يجب ان تعود للسودانيين حتىيعود السودان


#1047639 [نداء عاجل لاهل الخير]
5.00/5 (1 صوت)

06-29-2014 04:11 AM
الاخوة الافاضل قراء الراكوبة ... كل سنة وانتم بخير .. مبارك عليكم الشهر واسال الله ان يعيده على الامة الاسلامية وكلها امن ورخاء وان ينعم بلدنا السودان ... بالامان والسلام.. على كل الاصعدة الشخصية والعامة .. وان يعلي من شان امتنا السودانية التي عانت من الحكام تلو الحكام والاجيال تعاني تلو الاجيال ... نسال الله ان ببركة هذا الشهر الفضيل ان يزيل عنا الهم والغم الذي نعيشه يوميا من احبار لا تسر العدو ولا الصديق ...وان ياتينا حاكما عادلا يرعى حق الامة جميعا ... ولا ندعو بغير الصلاح لجميع الامة لخوفنا ان ينزل العذاب جملة واحدة لاهالينا ونحن اذ ندعو الله ان يياخذ كل ظالم اخذ عزيز مقتدر .... انه نعم المولى ونعم النصير..
احبي الاكارم:
جائتني فكرة سبق وان مرت علي .. باختصار اتمنى عليكم ان تهتموا باهليكم حسب المناطق .. بعمل خيري مساعدات مالية تقدم في شكل مواد تموينية ولا علم لي ماذا في الافق ... فقط وددت تذكيركم بالانفاق على اهلكم في رمضان وهذا شهر كل الاعمال فيه مباركات ان شاء الله... فالنعلى من الهمة ونكون صناديق كل حسب مجموعته ومنطقته... ويقيني انها سوف تساعد الاف الاسر وتعينهم في هذا الشهر الفضيل بعد الله....كيف هذا والاسعار ... مرتفعة بطبيعة الحال .. ونحن اهل مروءة ...
هذا والله اسال ان يوفقنا الله على الصيام والقيام....


ردود على نداء عاجل لاهل الخير
[عبدالرازق] 06-29-2014 08:49 AM
هذا كلام لا يخرج الا من رجل كريم وانسان فاضل نتمني ان يستمع الجميع لهذا النداء وان يبر الكل اهله اولا ومن ثم باقي المسلمين ولك الشكر اينما حللت


#1047620 [رانيا]
5.00/5 (1 صوت)

06-29-2014 02:07 AM
كل سنة وأنتم بألف خير ، أهديكم هذا الإنشاد الرائع مع تحياتي العطرة .

http://www.youtube.com/watch?v=Vqfy4ScRXFQ



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة