الأخبار
منوعات سودانية
المساح ... "الثائر" الذي تكلم "شعرا"
المساح ... "الثائر" الذي تكلم "شعرا"
المساح ...


08-20-2014 09:29 PM
علاء الدين محمود

عن علي المساح أنه أشعر قائلا:
"جميع من سم بي اســـــــــمو
حرام النار على جسمو" رواه مموسقا "أبو داؤود"
والراوي أبو داؤود اشتدّ به الطرب وهو يطلع على قصيدة المساح "طول يا ليل على الباسل" فأقسم أن يتغنى بها، ويخبرنا علي المك أن أبو داؤود كان أكثر ما يعجبه في القصيدة قول المساح "جميع من سمى باسمو ... حرام النار على جسمو".
كان الأفذاذ يأخذون من شعر المساح ومع الكاشف الذي رق له "الرق" فراقا، "وعقبال حلينا وروقنا" في "الشاعلين فؤادي" وغيرها من الروائع التي تغنى بها عظماء الطرب والتطريب "زمانك والهوى أعوانك احكمي فينا هذا أوانك"، ورائعة ثالثة أخرى تغنى بها العملاقان أبو داؤود ورمضان زايد "غصن الرياض المايد"، وغيرها من الدرر التي كتبها الأمي علي المساح على لوح الأصدقاء وصدور الرجال.
على عجل كأن الريح تحته
لم يك علي يستقيم على حال واحد فتراه يذرع الأرض جيئة وذهابا منتبذا مكان قصيا، وللشعراء في ذلك أحوال وأحوال فمنهم من يكتب على ورق ومنهم من يكتب على الرمل خاصة في حالات المخاض ومولد الأغنيات، وكان يحمل ـ رغم أميته ـ قلما وورقا حتى إذا اكتمل مخاض أغنية أو فاجأه المخاض ذهب إلى أحد الأصدقاء ليلقي عليه كلمات لا يتمهن إلا هو، هو العليم بحال قصائده التي يذرع الأرض لحظة ميلادها ذهابا فإيابا ومن أجل ذلك سمي بـ"المساح"، وكذلك عرف عن الرجل أنه كان يضع القديم من الثياب، ومركوب قديم فيه الكثير من الثقوب، لم يشتر شيئا جديدا في حياته، كان دائما يشتري القديم من الثياب والأحذية، وكان قليل الكلام، وقال شعرا أكثر ممّا تكلم.
مولد الأغنيات
وهذا "المسح" القلق لعلي المساح كان موعود بميلاد أغنيات خلدت "طول يا ليل على الباسل" و"الشاغلين فؤادي" و"احكمي فينا هذا أوانك"، و"غصن الرياض المايد"، "من نغيم فاهك"، و"أنت بدر السماء في صفاك"، وغيرها من أغنيات لا تخرج إلا من قلق كقلق علي المساح.
ولئن كان لله في أيامكم نفحات فقد كانت نفحات المساح تهب عليه أيام الأحاد من كل أسبوع، وهو اليوم الذي يشهد خروج بهجة القبطية من بيتها في يوم الصلاة، ولم يك يجمعهما حديث، فكانت تمر أمام ناظريه كما الملكات تلك التي نظم فيها "احكمي فينا هذا أوانك".
وقد شغف بها المساح زمانا غير أنها لم تك قد تجاهلته تماما، ولكنه طبع الريم "ديمة نافر"، سافرت مع أسرتها إلى مصر في عام 1924، وعند عودتها سألت رفيقاتها إن كان غيابها قد أوحى إلى المساح بشيء فانشدن لها قصيدته "احكمي فينا هذا زمانك"، وهي القصيدة التي تغنى بها عوض الجاك، وفنان ود مدني محمد سليمان الشبلي، وكان الشبلي هذا من أعظم مغنيي زمانه، وكان الكاشف يغني في فرقته "فردة كورس"، وهذا يدل على مكانة الشبلي وسط المغنيين، ولمثل قصة عشقه تلك قصة أخرى خلدها في قصيدته "من نغيم فاهك يا غام زين شفاي".
عشق ومعاناة
والمساح يروي لنا من قصائد العشق وقصصه أحسن القصص تلك التي تصور علاقاته ومغامراته العاطفية البريئة التي جعلت منه راهبا في محراب الحب حتى مماته، فهو لم يتزوج غير أنه يعبّر عن أسفه في إحدى أروع أغنياته "الشاغلين فؤادي" عن فقده لحياة الأسرة والأبناء عندما يقول "وا حسرة شبابي الما لقيت لي وجيع"، وهل من وجيع مثل الأبناء والزوج الحنون؟ وفي "الشاغلين فؤادي" يبثّ المساح حنينا وألما..
سامرت الكواكب لما الفجــــــــــر لاح
منادي الفجر نادى وقال يأهل الصلاح
صلوا الوقت حاضر قام أهل الصــلاح
وأنا الليل قايمو لا خيال لـــــــي راح

النسيم عاودني أقوم من نومي تــــاب
مدهوش فكري حاير مشطوب انشطاب
يا نسيم بلاهي جيب رد الخطــــــــاب
أوع الجاهلة نية وما بتحمل عتـــــاب.
ولمثل "الشاغلين فؤادي" نظيرات أخر من أغانيه مثل "زمني الخائن" يبثّ فيها شكواه ومعاناته كدأب الشعراء والعظماء.
والمساح فوق ذلك حريص على قصص علاقاته العاطفية مخافة أن تتناولها الأفواه..
"أنا كاتم السر ما فشــا
أنا حامل البلا ما اشتكى
أنا المساح دمع البكا"
وإن كان المساح يفخر بكونه يكفكف أدمع الباكين فإنه لم يجد من يكفكف دموعه التي سالت في مسارب العشق والهوى "وا حسرة شبابي الما لقيت لي وجيع".
ثائر إذ هبّ من غفوته
ما رويناه عالياً لم يك إلا نهاية قصة لمناضل سرقه العشق والهوى فقد كانت بداية "السيرة" أن علي أحمدانه الملقب بالمساح مناضلا وطنيا حمل البندقية ومبادئ الثورة فقد كان عضواً ناشطاً في حركة اللواء الأبيض بقيادة الضابط علي عبد اللطيف، كان الشاعر (علي المسَّاح) عضواً ناشطاً في حركة اللواء الأبيض لتحرير السودان من الاستعمار، حيث استخدم (علي المسَّاح) موهبته الشعرية الكبيرة، فكتب شعراً وطنياً ضد الحكم الإنجليزي، وبسبب النشاط السياسي والشعر الوطني تم القبض على (المساح) وألقي به في غياهب السجن، ويقول الصحافي الكرنكي: إن ذلك الشعر الوطني الذي كتبه علي المسَّاح ضاع واختفى، ولم يحظَ السودان بـ (وطنيات) علي المسَّاح، مثلما ظفر بـ (وطنيات) خليل فرح، وإن كان المنطق يفيد بأن (وطنيات) المساح أسبق في الزمن من (وطنيات) خليل فرح.
أيضاً لا يدري أحد ماذا كتب علي المسَّاح في السجن أو انعكاس السجن على تجربته الشعرية، وانتهى المطاف السياسي بالشاعر علي المسَّاح ليتحوَّل من (مناضل وطني) إلى خياط (عراوي) و(زراير)، حيث كان الشاعر المناضل يستلقي على (فروة) صلاة أو جوال خيش فارغ ينتظر تكملة خياطة جلابية جديدة في دكان الترزي عبد الرحيم أحمد كذلك ضاعت واختفت (وطنيات) الشاعر الوطني المناضل علي المسَّاح.
فارق المساح البندقية مع انطفاء وهج ثورة 1924م وتفرغ إلى العشق وقصائده فكان تائها في ملكوت الحب والهوى والجمال وفي عام 1965م توفي المساح المولود عام 1904م.
مات شاعر الروائع الغنائية، ولئن كان المساح قد قال "وا حسرة شبابي الما لقيت لي وجيع" فقد كانت تلك الروائع التي خلدته وجيعا عن حق فأبقته في ذاكرة الناس والغناء السوداني.
[email protected]
التيار


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1587


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة