الأخبار
أخبار إقليمية
سر الأزمة في الخطاب الديني السائد.. من دولة الدين إلى دين الدولة.
سر الأزمة في الخطاب الديني السائد.. من دولة الدين إلى دين الدولة.


09-30-2014 02:15 PM
· لكل دولة هيئة مهمتها في الظاهر هي الإفتاء، أما مهمتها الحقيقية فهي تبرير تجاوزات السلطة مهما بلغت.
· الشعوب الحديثة تتطلع لتحقيق العدالة الإجتماعية وتوفير سبل كسب العيش الكريم.



بقلم /عاطف عبد الله

[email protected]

في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر نجد أن الخطاب الديني السائد اليوم هو ذات الخطاب الذي تبلور منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وأغلق عليه منذ ذلك الزمن بالضبة والمفتاح، مما كَّرس من عزلتنا، وقعد بإسهاماتنا، وبسببه أضحينا على مر الوقت كائناً طفيلياً نحيا على ما تجود به الحضارات الأخرى من إكتشافات وإختراعات وصناعات. وخطابنا السائد هذا، هو الذي أنتج بيننا الجماعات الإسلامية بأشكالها المختلفة، وأفرز كذلك جماعات الهوس الديني، وبناءً على ذلك برزت الحاجة إلى تحديث ذلك الخطاب، ليس فقط بسبب تخلفه وانغلاقه أو بسبب العزلة التي حبسنا فيها، أو لأنه صار يشكل خطراً علينا وعلى غيرنا، ولكن لأنه ما عاد يعبر عن واقعنا الراهن كشعوب عربية وإسلامية ولا يحقق طموحاتنا وأشواقنا نحو الحرية والعدالة والديمقراطية، عليه فإن أي أمل في التغير المنشود يظل رهيناً بتغيير ذلك الخطاب. وقبل الحديث عن أي تغييرات أو تحديثات يلزمنا أنَّ نقف على مرتكزات ذلك الخطاب الديني، والبحث عن جذوره، وسبر أغواره لتحديد علاته حتى نتمكن من خلق البديل الذي يمكننا من إحداث التغيير المطلوب والذي يتناسب مع طبيعة التحديات المعاصرة، ويمكننا من العودة والإندماج من جديد في المجتمع الدولي حتى نسهم كرافد إيجابي في الحضارة الإنسانية.

الخطاب الديني والسياسي السائد اليوم تضرب جذوره عميقة في تأريخ التراث العربي الإسلامي ولفهم ذلك لابد من الرجوع للفترة التي أعقبت خلافة علي بن أبي طالب (نهاية الخلافة الراشدة) وتأسيس دولة أو خلافة بني أمية حينما حدث (التحول الديالكتيكي) الكبير من دولة الدين إلى دين الدولة. الأمر الذي هيأ الظرف الموضوعي والتأريخي لتشكيل الخطاب الديني وما أحاط به من جمود وإنغلاق وإقصائية، ومن تعصب واستعلاء. مما جعل منه خطاباً يكرس ليس فقط لرفض الآخر بل لاستعدائه ومحاربته والعمل على القضاء عليه.

إجتمعت الملهاة والمأساة في الفترة التي أسس فيها الأمويون حكمهم، حيث تعد تلك الفترة فترة الانتقال الدراماتيكي الكبير من نظام كان الحكام فيه يحيون حياة لا تختلف عن حياة أي مواطن عادي في عهدهم، حياة تتسم بالبساطة والعدالة الإجتماعية والإنصاف بين الرعية، فالنبي محمد (ص) حينما هاجر ومن معه من مكة إلى المدينة لم يكونوا ينشدون الدولة بل الدين، فالدولة بمعنى العشيرة والقبيلة والأمة والثروة كانوا قد خلفوها وراءهم، وفي بدر الكبرى حينما إلتقى الجيشان لم تكن حرباً بين دولة ودولة بل كانت حرباً وثورة ضد الدولة. فقد كان أبوبكر في جانب الثورة وإبنه عبدالرحمن في جانب الدولة، وكذلك علي بن أبي طالب كان في جانب محمد وأخيه عقيل كان في جانب قريش، وأبو بكر لم يكن يتقاضى راتباً وهو أمير المؤمنين وأعتاد قبل خلافته أن يحلب للضعفاء من جيرانه أغنامهم وبعد الخلافة ظل على نفس المنوال، وبعد أن تولى عمر رفض أن يصرف على نفسه وأهله كذلك من بيت مال المسلمين. رغم ذلك قام رجل وقال له في وجهه “والله يا عمر لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا” فقال له عمر “الحمد لله الذي أوجد في هذه الأمة من يقِّوم إعوجاج عمر”. ومن بعده جاء عثمان بحيائه ودماثة أخلاقه وحسن معشره، وخلفه علي بن أبي طالب الذي أسس لديمقراطية متقدمة على عصرها وتفتقدها معظم النظم العربية والإسلامية اليوم وهو لم يكن يعاقبٍ أحداً على رأي فاه به وكان يرى أن الحاكم يمكن خلعه إذا جار وظلم الرعية وكانت الخلافة في تلك مرحلة تستحق أن يطلق عليها (الخلافة الراشدة).

تأسس الخطاب الجاري اليوم في المرحلة التي تلت تلك الخلافة الراشدة بعد أن تولي معاوية أثر مقتل علي بن أبي طالب سدة الإمارة وكان متأثّراً بنظم الحكم التي كان يطبقها البيزنطيون في الشام وملوك الفرس وأباطرة الروم فعاش حياة الملوك، واتخذ عرشًا للملك، وأقام الشرطة بزي موحد لحراسته، وكانت مرحلة توسع رقعة الدولة الإسلامية التي تحولت إلى إمبراطورية تمددت على ثلاث قارات، من أفريقيا شمال الصحراء وإسبانيا غرباً، حتى تخوم الصين شرقاً، وحين عَهد بولاية العهد إلى ابنه (يزيد) إستحدث للدولة الإسلامية تقليدًا جديدًا، فقد أصبحت الخلافة ملكاً وراثياً بعد أن كانت إنتخابية تقوم على مبدأ المبايعة الحرّة. مما جعل الكثيرون خاصة من أبناء الصحابة أمثال عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب يرفضون ذلك النهج. فظهرت المذاهب والمللّْ والنِّحَل كمجموعات قادت المعارضة السياسية، وكان الحاكم وأبناءه وأحفاده بحاجة إلى تشريعات فقهية تثبت لهم ملكهم، تحميهم من التذمر الشعبي ووجدوا ضالتهم في فقهاء السلاطين الذين إلتفوا من حولهم فأغدقوا عليهم بالمال فما بخلوا عليهم بما يحتاجون من التفاسير والأحاديث، وكانت بدايات عصر التدوين للسيرة والحديث، فنسج منها الخطاب الديني الذي ظل سائداً بين الجماعة حتى اليوم. و”الدين حمال أوجه” كما ذكر علي أبن أبي طالب كرم الله وجهه.

في تلك المرحلة برزت ظاهرة (رجال الدين) حيث أنه قبل ذلك لم يكن من بين المسلمين من يمتهنون الدين مهنة، وكان الصحابة يجتهدون بقدر ما توفر لهم ولم يكن من بينهم من يدعي احتكار المعرفة أو الإفتاء فقد كان باب الإجتهاد مفتوحاً وكلهم دعاة، الدين هو هدفهم، اللاحق في الإسلام يأخذ ممن سبقه إليه.

ظاهرة (رجال الدين) تلك تم تقنينها اليوم وأصبح لا غنى عنها لأي دولة إسلامية، فهي قاسم مشترك بين كل الدول وإن اختلفت مسمياتها من دولة إلى دولة، فهي هيئة الإفتاء الشرعية في دولة، وفي دولة أخرى هيئة علماء، فلكل دولة هيئة مهمتها في الظاهر هي الإفتاء، أما مهمتها الحقيقية فهي (تبرير تجاوزات السلطة مهما بلغت). وفرض الطاعة على الرعية للحاكم مهما جار وظلم، وعلاقتهم بالدولة إرتباط مصالح فهم بلا مهنة سوى هذا الدين يبيعونه على أبواب السلاطين ويتعيشون على ما يجودون به من فضلات موائدهم.

مصيبتنا أن ما تأسس من فقه خلال تلك المرحلة، وبكل ما إتسمت به من إستقطاب، هو الذي يتحكم في الخطاب الديني اليوم، الفقهاء فيه إختلفوا في المسائل الأساسية التي تهم المجتمع كحقوق المرأة والطفل وجباية الضرائب وانتخاب الحاكم وعزله والتصرف في أموال الأمة، واتفقوا فقط في المسائل الثانوية وهي أمور ما عادت تهم أحداً. فما يشغل بال الشعوب الحديثة هو تحقيق العدالة الإجتماعية وتوفير سبل كسب العيش الكريم، فالشعوب اليوم لا يهمها إراقة الشيرج عند وقوع الفأرة فيه، وكما قال الدكتور علي الوردي: لعله يأكل الفأرة نفسها إذا إكتشف العلم في لحمها شيئاً من الفيتامين. لما لا فهي على الأقل أغنى لحماً من الضفادع التي نصحنا وزير صحتنا الهمام بتناولها.


الميدان


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2635

التعليقات
#1118807 [السودان الجديد]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2014 07:14 AM
بعيدا عن الدروس التي يمكن استنتاجها من التجربة التاريخية للدولة الاسلامية، و بالتركيز على تجربتنا المباشرة و المعاشة في السودان، اعتقد يا أستاذ عاطف أن القضية يستحيل مقاربتها و من ثم حلها بتفعيل شعارات فصل الدين من الدولة أو السياسة. المطلوب هو التحرير الكامل و الجدي و الفعال للدين من قبضة الدولة و سيطرتها. الدين ديننا و يجب ان لانسمح لأي مخلوق بالسيطرة عليه و تطويعه ضد مصالحنا الأصيلة في الحرية و الحياة و الكرامة.لا نامت أعين الجبناء و اللصوص!


#1118694 [المندهش]
1.00/5 (1 صوت)

09-30-2014 10:28 PM
اخى الكريم عاطف رغم سلامة مقصدك وحسن نواياك التى تشكر عليها الا ان المقال احتوى على مغالطات واخطاء فى المعلومات التاريخيه يعد السكوت عليها مساهمه فى تكريس واقع اليوم ..وهى ان الدوله الاسلاميه لم تكن فى يوم من الايام دوله انتخابيه والخطاب الدينى الحالى لم يتكون فى الفتره التى تلت المرحله التى سميتها بالخلافه الراشده بل هو امتداد طبيعى لها فهى لم تكن فتره ورديه كما وصفتها بل هى فترة الرده الكبرى والعوده الى ما قبل الاسلام والدليل على ذلك الاحداث التى صاحبت موت الرسول (مسموما)ثم قتل الخلفاء الثلاثه الواحد تلو الاخر والسبب ان الاسلام لم يحسم اى قضيه اساسيه تهم الناس فى حياة الرسول او من بعده وترك الناس يتخبطون بعد وفاة النبى حتى ان كثير من الناس اعتقدوا ان الاسلام مربوط بحياة محمد فلم يحدد لهم كيف يحكمون بلادهم ولا كيف يتبادلون السلطه سلميا بل الرؤيه لم تكن واضحه حتى فى كيفية الصلاه التى هى عماد الدين والفقهاء الذين تلومهم لم يجدوا حتى معانى كلمات مثل قران وسوره فطبيعى ان يختلفوا حول كل شى وطبيعى ان يكون للسلطان تأثير على هذه الخلافات طالما انه ليس هنالك اى ثوابت متفق عليه ولا شخوص متفق عليهم لذلك يا أخى تجديد الخطاب الدينى او تحسينه او عمال اى شئ بخصوصه يتطلب عودة النبى شخصيا ليوضح لنا ما هو الاسلام !!!!! وختاما لدى سؤال فقد ذكرت ان باب الاجتهاد كان مفتوحا فى الثلاثه قرون الاولى وبصراحه انت بهذه العباره تتحدث مثل العوام والا نرجو منك ان توضح لنا بعض مخرجات ذالك الاجتهاد المزعوم ..تحياتى


ردود على المندهش
Saudi Arabia [كاره الكيزان] 10-01-2014 08:50 AM
اول مره اسمع ان الرسول الكريم عليه صلوات ربي وسلامه مات (مسموما)؟؟؟؟؟ياريت توضح لينا ياالاخو ؟؟؟ امكن قصدك رسول تاني غير نبينا وسيدنا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم


#1118691 [سواني في الغربة]
1.00/5 (1 صوت)

09-30-2014 10:22 PM
كلام مفيد جزاك الله خير



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (5 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة