الأخبار
منوعات سودانية
حدث في الثمانينيات.. مداح الليل وتكنولوجيا الرتائن
حدث في الثمانينيات.. مداح الليل وتكنولوجيا الرتائن


10-01-2014 10:58 PM
يوسف حمد

كان الأمر يحتاج إلى رتينة نورها ساطع.. فحين يشعُ نور تلك الرتينة يدرك الجميع أن شيئاً ما، جديداً ومفارقاً، سيحدث؛ فعادةً ما يكون إيقاد رتينة أمراً مُكلفاً، خاصة لأناسٍ عقدوا اتفاقاً سرمدياً مع الظلام، ولا تُحظى أهمَّ الأحداث لديهم بأكثر من رتينتيْن اثنتيْن فقط.

اختبار الفونية

قبل غروب الشمس بوقتٍ كافٍ، يشرعُ أكثر الشبان معرفةً بتكنولوجيا الرتائن في عملٍ دائب، وغالباً ما يكون أمثال هذا الشاب قلة نادرة، تبعاً لقلة الرتائن وندرة المناسبات التي تستدعي إيقادها.. يتناولُ الشاب أجزاء الرتينة بحذرٍ، ويبدأ في نظافتها بحذرٍ أكبر، يُدلكُ زجاجها المضلّع بقطعة من القماش صغيرة، مُعدة سلفاً لهذه المهمة، ولا بأس في استخدام رماد النار منثوراً على قطعة القماش، ليحصل الزجاج على لمعانٍ أنضّر، لا يحجب النور، ومتى فرغ الشاب من النظافة فإنّ أمامه مهمة جسيمة، تتعلقُ بربط شاشة قماشية شفافة، أشبه بالبالونة التي ينفخها الأطفال، على جسم حلزوني من الفخار مجوف، يثبت هذا الجسم الفخاري على الهيكل العلوي من الرتينة، وتتطلب هذه العملية مهارة وخبرة فائقتين، تمنعان حدوث الكارثة، إذ أن هذه الشاشة ستسقبل أثناء التشغيل ناراً معقولة، وكميات مهولة من الجاز الأبيض المضخوخ بالهواء عبر ماسورتين تخرجان من الجزء السفلي للرتينة، وهو بمثابة خزان الوقود والهواء.. التقاء النار والجاز والهواء واحتراق الشاشة هو الذي يحدد مصير النور، وكذلك، مصير الحدث الفريد. بعد ربط الشاشة يتعين على الشاب اختبار كمية الجاز الأبيض الموجودة في خزان الوقود، ليعرف ما إذا كانت تكفي لإكمال هذا المشهد العظيم، من ثم، عليه بعد ذلك أن يضخ الهواء المطلوب في خزان الوقود نفسه، ويستخدم في العملية الأخيرة مكبساً صغيراً هو جزء من الرتينة، وغبّ ملأ الرتينة بالهواء، عليه أن يختبر كفاءة إبرة الفونية، ويتأكد من أنها تسمح بتسريب الهواء والجاز بالمقدار المطلوب لإشعال النار في الشاشة.

في انتظار الحدث

الآن، حصل الشاب، وجميع الأهالي، على رتينة جاهزة لتعطي نورها للحدث الليلي المهم. عقب صلاة العصر، في يوم من أيام صيف الثمانينيات، وصل إلى الديوان ثلاثة رجال، تتوزع أعمارهم بين الخمسين والأربعين، كانوا يركبون ثلاثة حمير مقيفة بالسروج، ويبدو على تلك الحمير أنها تجد العناية لتدل على أن أصحابها أناس مهمين. ترجل الرجال من حميرهم وسط ترحيب حار من صاحب الديوان، فيما تولى الصبيان من أهل الدار الاهتمام بالحمير وشؤونها، فسرعان ما رمي إليها بالعلف، وتولى أكبر الصبيان سناً حمل متعلقات الرجال الضيوف التي نبشها من تجاويف الأخراج المحمولة على الحمير، فكانت عبارة عن دفين كبيرين من الجلد يسمى الطار، ورِّقٌ صغير، كُلِّلتْ حوافه بحُلٍ ذهبية اللون، ليعطي صوتاً أشبه بصوت الخلخال في رجل الحسناء الوافرة.

كرم الرتينة

لا أحد من الناس يخطي في معرفة أن هؤلاء الضيوف هم (مُداح)، يجوبون القرى مادحين الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بقصائد ملحنة، ويحصلون بذلك على كمية من النقود معتبرة، ولا يشك أحد في أن الأهالي سيحصلون على سهرة ربما لا تتكرر إلا بعد عام، فقط يتعين على الرتينة ألا تبخل بنورها!!.

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1014


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة