الأخبار
أخبار السودان
حقوقُ الإنسان وقانونُ الأمنِ في السُّودان!
حقوقُ الإنسان وقانونُ الأمنِ في السُّودان!
حقوقُ الإنسان وقانونُ الأمنِ في السُّودان!
كمال الجزولي


10-05-2014 11:14 AM
كمال الجزولي

(1)
في 26 سبتمبر 2014م أبدي مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالغ القلق بشأن انتهاكات هذه الحقوق في السُّودان، بما في ذلك الاستخدام المفرط للقوة، شاملاً إطلاق النار المميت على المتظاهرين في سبتمبر من العام الماضي ومارس من العام الحالي، ومن ثمَّ شدَّد علي ضرورة التحقيق العلني المستقل، وإحالة نتائجه إلي القضاء، كما أدان الانتهاكات في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، كتفجير المرافق الإنسانيَّة، واستهداف المدنيين، وعمَّال الإغاثة؛ وخلص إلى تمديد ولاية الخبير المستقل، تحت البند العاشر، لعام آخر، وكفرصة أخيرة؛ لكنه أضاف لاختصاصاته المتعلقة، تحت هذا البند، بالمساعدة التقنيَّة للحكومة، مهام التحقق، والتقييم، وكتابة التقارير، على أن يقدِّم تقريره القادم إلى دورة المجلس بعد ستة أشهر. وطالب المجلس الحكومة بالتعاون الكامل مع هذا الخبير، والسَّماح له بتفقد أيِّ مكان، والالتقاء مع أيِّ جهة (سودانايل؛ 26 سبتمبر 2014م)؛ كما ألزمها بتنفيذ توصياته المتبقية من تقريره السَّابق، دون أدنى تأخير، وأبرزها إلغاء أو تعديل قانون الأمن الوطني، وهو ما تركِّز عليه هذه المقالة بوجه خاص، فضلاً عن إطلاق سراح المعتقلين السِّياسيين، ووقف الاعتقالات التعسفية، وإنهاء الرقابة على الصَّحافة والإعلام، واحترام حقوق وحريَّات الأفراد، والاعتراف بممثلي الحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديميَّة، ومجموعات النساء والشَّباب، كمشاركين رسميين في الحوار الوطني المقترح، ووقف القصف الجَّوي العشوائي في مناطق الصِّراع، والسَّماح بتطعيم الأطفال، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانيَّة للمحتاجين، وما إلى ذلك (وكالات؛ 26 سبتمبر 2014م).
وبالنظر لجسامة هذه المطلوبات، ولنبرة القرار الصَّارمة، ولقِصَر فرصة الأشهر السِّتة المتاحة أمام الحكومة، فليس لما أبدت، إذن، من ارتياح بشأن القرار المذكور سوى أحد تفسيرين لا ثالث لهما: فإمَّا أن مستشاريها لم يدركوا، بعد، جليَّة مترتِّباته، وهذا مستبعد لألف سبب وسبب، أو أنها تريد أن توعز للعامَّة بخلاف مؤدَّاه، وهذا هو الأرجح، وإنْ بلا طائل!

(2)
أحد أهمِّ هذه المطلوبات، كما قد رأينا، وما ستنصبُّ عليه مقالتنا هذه، هو "إلغاء أو تعديل قانون الأمن الوطني لعام 2010م، لجعله متماشياً مع الالتزامات الدُّستوريَّة والدَّوليَّة للسُّودان في مجال حقوق الإنسان". لكن، وباعتبار ضآلة الفروق بين قانوني الأمن الصَّادرين في 1999م و2010م، فإن هذا المطلوب يستدعي إلى الأذهان، فضلاً عن الشَّكوى الوطنيَّة التي لم تكفَّ، لحظة، أو تخفت نبرتها قط، الملاحظات التي أبدتها على قانون 1999م لجنة التحقيق الدَّوليَّة حول دارفور، برئاسة القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيسي، والتي كان شكَّلها كوفي أنان، الأمين السَّابق للمنظمة الدَّوليَّة، بتكليف من مجلس الأمن الدَّولي، في الأول من أكتوبر 2004م، وقد أنجزت عملها، ورفعت تقريرها النهائي، في يناير 2005م.

من أهم تلك الملاحظات أن المادَّة/31 من ذلك القانون كانت تمكِّن عضو جهاز الأمن من القبض على أيِّ شخص، وتفتيشه، واحتجازه، والتحقيق معه لثلاثة أيَّام دون إخطاره بالسَّبب، وتمكِّن المدير من تمديد تلك الفترة لثلاثة أشهر، وتمكِّنه، أيضاً، بعد انتهائها، من تجديدها، بموافقة النائب العام، لثلاثة أشهر أخرى، كما كانت تجيز له أن يطلب من مجلس الأمن الوطني تجديدها لثلاثة أشهر إضافيَّة!

ورغم أن النصَّ كان يكفل للمحتجز استئناف هذا القرار أمام القاضي، إلا أن اللجنة اعتبرت ذلك قائماً، فقط، في المستوى النظري، حيث لم تكن ثمَّة ضمانات فعليَّة للحصول على مساعدة قانونيَّة فوريَّة من محام مستقل؛ فوق أنه غالباً ما كان يتمُّ تجاهل مدة الاحتجاز المحدَّدة بهذه المادَّة. وأفادت اللجنة بأنه قد تأكَّد لها وجود محتجزين لفترات طويلة دون أن يُسمح لهم، لا بمقابلة محام، ولا بالمثول أمام محكمة! وإلى ذلك كانت المادَّة/9 تخوِّل للعضو الذي يكلفه المدير بمهام خاصَّة أن يحجز على ممتلكات الشَّخص المحتجز "وفقا للقانون"!

ومع أن المادَّة/322 كانت تنصُّ على "حقِّ المحتجز في الاتصال بأسرته"، إلا أنها كانت تقيِّد ذلك الحق باشتراط ممارسته "حيثما لا تخلُّ" هذه الممارسة "بسير الاستجواب والتحقيق في القضيَّة"! ومفهوم، بالطبع، إلى مَن تعود السُّلطة التَّقديريَّة بشأن التقرير في ما إنْ كانت "ممارسة" ذلك الحق "تخلُّ أو لا تخلُّ" بسير الاستجواب والتحقيق! وبالإضافة إلى ذلك رأت اللجنة أن غموض هذه العبارة يفرغها من أيِّ محتوى إيجابي، فحتى لو كان أفراد أسرة المحتجز مطلعين على حقِّه القانوني هذا في "الاتصال" بهم، وعلى علم، فوق ذلك، بالجِّهة التي ينبغي، إجرائيَّاً، أن يستصدروا منها الإذن بهذا الاتصال، فمن المشكوك فيه، مع ذلك، أن تتوفر لديهم الشَّجاعة الكافية لتحدي هالة الخوف المعتاد من أجهزة الأمن؛ بل وقد ثبت للجنة، حتى في بعض الحالات التي تستطيع فيها الأسرة اختراق تلك الهالة، وتجاوز ذلك الخوف، أن الإدارة غالباً ما كانت ترفض السَّماح لهم بالاتصال! من ثمَّ فإن وضعيَّة المحتجز كانت هي، عمليَّاً، وضعيَّة المجهول الذي قد تتجاوز مدَّة احتجازه اثنتي عشر شهراً دون توجيه تهمة، ودون مقـابلة محـام، ودون عرضـه أمـام محكمـة، ودون السَّـماح بزيـارته، ليس، فقط، بالمخالفة لنصِّ المادَّة/31 من قانون الأمن نفسه التي توجب، بعد انتهاء مدة الاحتجاز، وأقصاها، كما قد رأينا، تسعة أشهر، تقديم المحتجز إلى المحاكمة أو إطلاق سراحه، وإنما بالمخـالفة، كذلك، لنصِّ المـادَّة/143/ج من العهد الدَّولي الخاص بالحقوق المـدنيَّة والسِّياسـيَّة الصادر في 16 ديسمبر1966م، والذي بدأ نفاذه في 23 مارس 1976م، علماً بأن السُّودان صادق عليه في 1986م، وأن القاعدة الذَّهبيَّة تقضي بعُلويَّة القانون الدَّولي على القانون الوطني.

من جهة الحصانات، أيضاً، وبعكس الاتِّجاه الحديث السَّائد في القانون الجَّنائي الدَّولي للقضاء عليها، كآليَّات مرفوضة للإفلات من العقاب impunity، تطويراً لإرث محكمتي نورمبرج وطوكيو، وتكريساً لتطبيقات محكمتي يوغسلافيا بلاهاي ورواندا بأروشا، فمن أهمِّ ما أخذت اللجنة الدَّوليَّة على هذا القانون أنه يمنح، في المادَّة/33 منه، حصانة قويَّة immunity لأعضاء الجِّهاز والمتعاونين معهم، فلا يرغَمون على إعطاء معلومات عن الأنشطة التي ربَّما اطلعوا عليها خلال عملهم، كما ولا يمكن، إلا بموافقة المدير، مقاضاة أيٍّ منهم، جنائيَّاً أو مدنيَّاً، على ما ارتكبوا أثناء ذلك العمل، وحتَّى في هذه الحالة فإنهم يحتفظون بالحقِّ في العودة على الدَّولة بالتعويض، والأخطر أن محاكمتهم تجري "سرَّاً"، بالمخالفة للمادَّة/411 من العهد الدولي المشار إليه، والتي تعتبر "الجَّلسة العلنيَّة" معياراً أساسيَّاً من معايير المحاكمة العادلة. وعندما واجهت اللجنة صلاح قوش، مدير الجِّهاز، وقتها، بهذه المسألة، نحا باللائمة على الترجمة، لكن اللجنة أجرت ترجمة أخرى بمعرفتها، فخلصت إلى أن النَّصَّ يشتمل، فعلاً، على المحاكمة "السِّريَّة"، فأوصت، من ثمَّ، وبقوَّة، بإلغاء ذلك القانون.

(3)
بعد زهاء الخمس سنوات من ذلك ألغي قانون 1999م، بالفعل، لكن ليصدر، بدلاً عنه، قانون 2010م، السَّاري حاليَّاً، والذي احتفظ بجميع مثالب القانون القديم، بما في ذلك السُّلطات الواسعة والحصانات القويَّة، فلا فرق يذكر بين القانونين سوى أن الأخير اشتمل على صياغات "تجميليَّة!" أكثر، لكن بلا جدوى حقيقيَّة. فالمادَّة/50 تمنح العضو سلطات غير محدودة في التفتيش، والقبض، وحجز المعتقل لثلاثين يوماً؛ كما تجيز للمدير تجديد هذه المدة لخمسة عشر يوماً، يُرفع الأمر، بعدها، لمجلس الأمن الوطني الذي يجوز له مدُّها لثلاثة أشهر.

أما لجهة "التَّجميل" فإن المادة/50 نفسها تلزم سلطات الجِّهاز بـ "إخطار" ذوي المحتجز، الأمر الذي لا يحدث، عادة، في الممارسة؛ مثلما تنصُّ المادَّة/51 على "وجوب" إبلاغ المعتقل، عند اعتقاله، بسبب هذا الاعتقال، وتمكينه من الاتصال بأسرته أو بمحاميه، غير أن هذه المادَّة، تماماً كما كان الأمر في قانون 1999م، تضيِّق واسع هذا النصِّ بتقييده بالشرط المبهم القائل: "إذا كان ذلك لا يضرُّ بسير التحرِّي"! وهنا أيضاً، وبالاحتكام إلى طبائع الأشياء، وبما أن المشرِّع قد وضع في يد الجِّهاز نفسه السلطة التقديريَّة المطلقة بشأن ما إذا كان اتصال المحتجز بأسرته أو بمحاميه يضرُّ أو لا يضرُّ "بسير التحرِّي"، فإن احتمال تطبيق النَّصِّ بحسن نيَّة تكون هي والعدم سواء!

كذلك فإن المادَّة/51 "تحظر إيذاء المحتجز بدنيَّاً أو معنويَّاً"، كما تنصُّ على توفير "الرِّعاية الطبيَّة له"، وعلى حقه في "اللجوء إلى المحكمة" إذا "تجاوز" اعتقاله المدد المحدَّدة في المادَّة/50. لكن غالباً ما تبقى هذه الحقوق حبراً على ورق، لنفس الأسباب التي سبق أن أشارت اللجنة الدَّوليَّة إلى أنها تحول دون ممارسة المعتقل لحقوقه المنصوص عليها في قانون 1999م، وفي مقدِّمتها غموض صياغتها، وانعدام ضمانات التزام الجِّهاز بها في الممارسة العمليَّة.

أمًّا من جهة الحصانات، فبحسب النص الفضفاض للمادَّة/52 لا يُعتبر جريمة الفعل الذي يرتكبه العضو "بحسـن نيَّة أثناء أداء وظيفته"! كما "لا يجوز إجباره" على الإدلاء بأي "معلومات يكون قد حصل عليها بسبب عمله"، إلاّ بقرار قضائي، رغم أن المادَّة/49 توجب على عضو الجهاز أن يخصِّص "كلَّ وقته ونشاطه لأداء جميع الواجبات المنصوص عليها في هذا القانون واللوائح والأوامر الصَّادرة بموجبه"! كذلك تحظر المادَّة/52 اتخاذ "أي إجراء مدني أو جنائي" ضد العضو "إلاّ بموافقة المـدير"، ومع ذلك تشترط "ألا يكون موضوع المساءلة متصلاً بالعمل الرَّسمي"، حتف أنف المادَّة/49 المار ذكرها؛ وحتَّى بافتراض صدور موافقة المدير فإن المحاكمة، في هذه الحالة، تكون "سرية"! وعموماً فإن جميع امتيازات أعضاء الجِّهاز المشمولة بهذه المادَّة تنسحب على المتعاونين معهم أيضاً!

(4)
خلاصة الأمر، لئن كان قانون 1999م غير دستوري لانتهاكه، عموماً، للحقوق والحريَّات، فإن قانون 2010م غير دستوري لمفارقته، بالأساس، لمنطوق المادة/1/151 من الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م، والتي تنصُّ، بوضوح، وبما لا يدع مجالاً لأيِّ تفسير آخر، على أن خدمة الأمن ينبغي أن تكون مهنيَّةً "تركز .. على جمع المعلومات، وتحليلها، وتقديم المشورة للسُّلطات المعنيَّة". وهكذا فإن ممارسة الجِّهاز لأيِّ أدوار تنفيذيَّة إنما تتعارض بشكل صارخ مع هذا النَّصِّ قلباً وقالباً.
ومن ثمَّ لزَمَ الإصلاح القانوني، كضرورة قصوى، بما يشمل قانون الأمن، الأمر الذي يمثِّل، يقيناً، جوهر قرار مجلس حقوق الإنسان بمنح الحكومة فرصة أخيرة، على هذا الصَّعيد، يجدر بها عدم إهدارها.

***

[email protected]






تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2751

التعليقات
#1121270 [بكري الصائغ]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2014 02:35 PM
استاذ كمال،
لك وللأسرة الكريمة اجمل امنياتي لكم بعيد سعيد ملئ بالافراح والمسرات، وكل عام وانتم بخير.


#1121197 [AburishA]
3.00/5 (1 صوت)

10-06-2014 10:26 AM
لك التحية استاذ كمال الجزولي..تشكر على هذه الاضاءة..الا انه من الثابت "يقينا" ان هؤلاء يطبقون علينا "قانون الغاب".. يطبقون فينا قانون "القوي ياكل الضعيف" ان القانون وما يحويه بين دفتيه من مواد خيرا كانت ام شرا... هو كـ "الانتيكة" للديكور ..بغض النظر عن حقوقنا القانونية.. هم اصلا لم يعترفوا بنا كبني آدمين..نحن نناضل الان لاثبات "انسانيتنا" كأولوية.. خالص التقدير..


#1120960 [annonymous]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2014 03:11 PM
I,m sudani


#1120939 [المشتهى السخينه]
4.00/5 (1 صوت)

10-05-2014 02:16 PM
السيد كمال الجزولى المحامى الضليع يتحدث وكأننا فى دولة تحكم بالقانون .ولا يحكمها دكتاتور يرى نفسه ربنا الاعلى وعلينا جميعا الخضوع والطاعة والتسليم ..
لنفرض يااستاذ كمال ان السلطة سحبت قانون الامن ورمت به فى الكوشة مع الدستور الدائم ولا يوجد قانون لجهاز الامن من اصلو .. هل ترى فى ذلك حل ؟
الجهاز يستمد سلطاته من نوع النظام الذى يحكم ..والنظام استبدادى يحتقر حق الانسان فى العيش والحرية وكل همه خلود الرئيس الدائم فى السلطة ونهب موارداليلاد ..وهذه الاسترتيجيه لا تحتاج لقانون ..
نناشد السيد عطا المولى ان يحقق رغبة السيد كمال الجزولى (بالغاء) قانون الامن فى الكوشة ويتوسع فى بيوت الاشباح الاسلاميه فالدولة الاسلاميه لا تحتاج لقوانين لحمايتها تحتاج لسيف فى الازمان الغابرة وبندقيه ورشاش فى هذا الزمن العطن ..



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة