الأخبار
منوعات
الكابدولوق والتمبلباي.. الما لبس مركوب من نيالا ماشي حفيان ساكت



10-09-2014 10:57 PM
نيالا : عبد الجليل سليمان

ونيالا من مشاربها ومضاربها العديدة وأحيائها العتيدة والحديثة المقدومية، الوادي، سُكر شتت، الكنغو، تكساس، خرتوم بالليل، السد العالي، شم النسيم، الوادي، السينما، الجمهورية، وإلى آخر الفرقان والحارات التي قدمت للسودان مُبدعين كالموسيقار حافظ عبد الرحمن مختار وعمر إحساس وغيرهما.

كانت أيضاً قبلة للخواجات والشوام، مثل آل ماماكوس وكامل وكاكاتي، وأنجبت رجال أعمال لا يشق غبار تجارتهم ولا تبور، حاج أصيل، عثمان أحمد، وخضر كمبال، وخلافهم.. كلهم كانوا تحت إمرة شيخ البلد المقدوم عبد الرحمن آدم رجال، وكان الناس يسوسون حياتهم ويديرونها بالتراضي وبنفوس طيبة.

خيل مطهمة وكرابيج

ما جعل عنقي يكاد ينكسر هو (هول) الصناعة النيالية، ولولا تجاهل أولياء الأمر لكانت عبارة (Made in Niyala) تضارع صناعات الألمان والطليان والصينيين، وكل البيضان والصفران والسودان. ففي سوق الصنايعية لا بد أن تجحظ الأعين وتفغر الأفواه دهشة وحسرة، أحذية، أوانٍ منزلية، سروج خيل مطهمة، وكرابيج لا تجد ظهراً تنزل عليه ضرباً لـ(تفش) غبن تجاهلها.

بقر ، ماعز وقرنتي

ربما كان المتنبئ وهو على ظهر جواده مستمتعاً بنعومة سرج مصنوع في نواحي دارفور، وهو يقرأ كتابا مُحكماً حين قال بيته الشهير: (أعز مكان في الدُنى سرج سابح / وخير جليس في الزمان كتاب).

وفي نيالا يجلس صانعو السروج والكرابيج أمام حوانيتهم الضيقة يصنعون ويعرضون بضاعتهم في ذات المكان، وهم قوم كرماء ربما كالخيل التي يسرجونها، فما أن تزورهم حتى يأتوك بالشاي الأخضر والقهوة ويجرّون لك (بنبراً) وثيراً.

عيسى إبراهيم حسن (أبو جوهرة)، كبير صانعي السروج والكرابيج، قال لي: أنا صنايعي من سنة 1947م، وكانت دكاكيننا وقتها كرانك قش شرق الجامع، ثم نُقلنا قُرب بنك السودان الحالي، وأيضاً تمت إزالتنا بهدف بناء البنك.. ونحن هنا منذ العام 1961م، نصنع للحصين والحمير السروج والبرادع واللجم (جمع لجام) وأجود الأنواع اللجام الفاشري والسرج المُكلّف بجلد أحمر، والسروج العباسية، كما نصنع (الكابدلوق) وهي شنطة يدوية جلدية زمان كانت (ضبية) تُعلق على ظهر الثور إضافة للجزالين والمحافض (المحافظ النسائية التي تعلق على الرقبة بقيطان احمر)، والسيطان والكرابيج (جمع كرباج) والفراطيق (جمع فرطوق) وهي مصنوعة من الجلود العادية بقر، ماعز، ضأن، لكن زمان كان في سوط العنج المصنوع من جلد القرنتي ودا كان بجي من الأنقسنا وديار الفونج.

وكأنك حافياً

أن تحتذي مركوباً مصنوعاً خارج نيالا اعتبر نفسك (ماشي حفيان ساكت)، بهذه العباره الواثقة يتحدث إليك صانعو الأحذية المحلية (المراكيب) المُصنعة من جلود الثعابين المختلفة والورل وأشهرها وأعلاها سعراً هو مركوب النوامة وهو من جلد (دبيب) النوامة ومستورد من نيجيريا، الجلد بس والصناعة هنا.. هكذا تحدث إلينا الطاهر إلياس، من أمهر صانعي المراكيب بنيالا، واستطرد: والدي كان تاجر جلود يصدرها إلى الخرطوم, وأنا غرقت أكثر في الشغلانة لمن صنعتها مراكب عديييل، ومعظم الصنايعية المهرة من ناس الجنينة وهنالك مركوب شهير اسمه (قرفة الجنينة).

حلة الرئيس التشادي

الطناجر (الحِلل) التمبلباي، التي سميت على رئيس تشاد الأسبق فرانسوا تمبلباي، الكمش، عبّارات الزيت، الصيجان، والشنط الحديدية الملونة، كل شيء مصقول ولامع هنا في هذا السوق، سوق الأواني والمعدات المنزلية حتى أسئلتي بدت لامعة: يا جماعة منو البشتري منكم الحاجات دي مع البضائع الصينية والمصرية الرخيصة؟

ــ الناس البشتروا في مثلاً الحلل التمبلباي دي عندها ميزة الاحتفاظ بالملاح سُخن بدل كل مره تشيل وتسخن خسارة فحم وغاز ساكت، وشنط الحديد لها زبائنها فهي تنفع للمعسكرات خاصة لناس الجيش وهي دولاب (خزانة) متحركة وآمنة عصية على السرقة، لكن بصراحة الحكومة ما مساعدانا ونيالا ذاتو سوقها نايم نوم أهل الكهف وبقفل بدري، طبعاً عارف ليه؟

هكذا تحدث إليَّ السيد إبراهيم من كبار التجار واستطرد: نحن عندنا معامل لصهر الألمونيوم وقوالب لصب الحلل بمختلف الأحجام والأشكال، وبالتالي يعمل لدينا عمال وصنايعية كثيرون، وعملنا هذا عمل منتج مش مضاربات في سوق الله أكبر لا بتودي ولا بتجيب.. عشان كده نطلب من المسؤولين تشجيعنا عشان نطور عملنا أكتر.

المطرقة السندان

صناعة المواقد أو المناقد (الكوانين) بشكلها التقليدي تأخذ حيزها داخل السوق، حيث تستوعب المهنة إضافة إلى أساطينها من الشيوخ الكبار معظم الفاقد التربوي من الأطفال المتسربين من المدارس، يقول علي: لا الأجنة ولا الشاكوش ولا السندالة (السندانة) براهن بيساندوا الزول في حرفته, وإنما قدرته على ابتكار أشكال جديدة من المناقد وتحملة لمشقة العمل.. ويضيف: غاز شنو يا ولدي؟ نحن ناس حطب وفحم ساكت, والغاز موجود لكن للطبيخ وشاي الفحم طعم خاص ومذاق مختلف، وأنا لو جاني زول في البيت ما بخلي المرة تعمل ليهو شاي بالبتوجاز لأنو كده بكون ما أكرمتو.

بالقرب منهم تقوم ورش فقيرة تستخدم (القنا) لصناعة العصي المعقوفة التي يقوم بها شباب في مقتبل العمر يصنعون (عكاكيز) و(بساطين) غاية في الروعة.

روما وباريس ونيالا

صُناع مهرة هم أهل نيالا ومبدعون يسخرون المادة الخام المحلية لصُنع (العجايب).. فمن السعف تصنع الطباقة (لتغطية صواني الطعام وللزينة)، والقفف والحبال، ومن الأخشاب تصنع الفنادك والقداحة (الأقداح)، ومن الجلد تصنع الشنط اليدوية النسائية الفاخرة التي تضاهي تلك المصنعة في روما وباريس ونيروبي.

غادرت حوانيت الصنايعية وأنا ممتن وحزين، أن يمتلك الإنسان هذا الزخم من الإبداع والقدرة على إعادة إنتاجه صناعة مفيدة تمشي بين الناس في الأسواق وتستوعب منتجين وعمالاً مهرة سرعان ما يتركون الشغلانة (الما مغطية) ويتجهون لعمل آخر غير منتج لكنه مُغطي، فيفترشون شوارع السوق، مستخدمين ألسنتهم مستغنين عن عقولهم و(ضراعاتهم) يشدون الحناجر صائحين: علينا جاي، كل حاجة بجنيه، والبختانا ما بلقانا.

كنوز الدنيا

إلى ذلك يقول الأستاذ عمر أبكر، المهتم بالتراث الشعبي وأحد أعيان المدينة: نيالا تزخر بكنوز من هذا النوع من الصناعات، فالعنصر البشري الماهر والحاذق موجود بل وعاطل أحياناً، والمادة الخام متوفرة جداً، لكن انعدام عنصري التسويق وتشجيع الدولة لمثل هذا النوع من الصناعات والعمل على تصديرها يمثل حجر عثرة في طريق تطورها ونموها؛ مما يؤدي إلى استيرادها من الخارج، وللأسف تستورد أنواع رديئة وغير متقنة الصُنع.


اليوم التالي






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1600


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة