الأخبار
منوعات
"الحزن القديم" "16" عاماً على الرحيل.. نقوش على قبر الدوش



10-10-2014 10:57 PM
الخرطوم - درية منير

في ربوع شندي جاءت صرخة ميلاده، نهايات النصف الأول من القرن الماضي، تحديداً في العام 1948.. شب وترعرع فيها قبل أن تخلده الأجيال اللاحقة، كأحد أساطين الشعر والإبداع في السودان. وضع عمر الطيب الدوش بصمته الخاصة في الأدب السوداني الحديث وابتدع قالباً يخصه وحده عندما تتعلق المسألة بضروب الكتابة الشعرية المسرحية، مستعيناً بمداخل المدرسة الرمزية التي رنا من خلالها عددٌ للتعاطي مع عدد الغايات لم تقتصر على الوطن وسعاد. الأخيرة شكلت حيزاً كبيراً في خارطة الشعر عند الدوش. حسناً، من أي المداخل شئت يمكنك أن تنهل من السيرة والمسيرة في عوالم عمر الطيب الدوش؛ الإنسان، الشاعر المغني، الناقد، الكاتب المسرحي، الروائي. الدوش درس في معهد الموسيقى المسرح الذي أصبح حالياً كلية الدراما والموسيقى قسم المسرح عام 1974م وكانت دفعته هي أول دفعة تتخرج في المعهد. زامل في مقاعد الدرس كل من هاشم صديق، إسحاق الحلنقي، صلاح الدين الفاضل، ناصر الشيخ، والريح عبد القادر، وفي قسم الموسيقى كان يتحكر وردي بجانب أنس العاقب وعثمان مصطفى.

لم يهتم الطيب عمر الدوش بالشعر التقليدي بقدر ما كان يسيطر في مجرى إبداعه المسرح، الذي عشقه وكتب له العديد من القصائد.

* ترحال

معارفه استقاها من خارج المعهد مثلما تلقى تعليمه فيه، كما أن معين ثقافاته كان يجمع بين الداخل والخارج.. نعني الوطن والغربة، فأتقن لغات أجنبية واحتك بثقافات عالمية ابتدرها بمعرفة واسعة بذات الوطن وتراثه من خلال التصاقه وحبه لوطنه وإنسانه البسيط التي تكونت منه ذات الشخصية التي عرف بها الدوش الذي تنقل في أوروبا.. وبالطبع وثق للحياة التي عاشها وفق نظرة جمالية فلسفية إبداعية، من خلال ترحاله وتطوافه في الدياسبورا.

* "لسة مدورة"

لم يكن صاخباً بل تمتع هدوء شقته براكين فنية وزلازل هزت أركان الشعر فخاض جحيم النزالات الكبرى مع أعظم الشعراء في ظروف سياسية متباينة كتب فيها (الساقية) لحمد الريح، حيث عدها الكثيرون الأيقونة المثالية لانتفاضة أبريل، مثلما حملت أجيال سبقته مشعل الأكتوبريات. (الساقية) زجت بالدوش في فخ التحقيقات. واجه عمر ذاته وأحلامه ومخاوفه وحمل هموم وقضايا وطنه، حمل مأساة حزنه وانكسار الخواطر. لم يهتم لأحلامه الخاصة، وحده انكوى بنار الوجد والتجربة والغربة، وملاحم الشوق والشجن. صارع متكبداً المشاق، يركب مراكب المستحيل، احترق وأوقد ناراً اتخذها الجيل اللاحق من بعده طريقاً ومدرسة.. توهج الدوش فأهدانا درر الشعر وجمع ما بين الدارجية والفصحى ببراعة، دون أن يختل المعنى ووزن القصيد.. مازج بين الفصيح والدارج في نفس إبداعي فريد تلتئم مفرداته داخل معامل عقله، ومن كنوز معرفته التى تشهد عليها مكتبته الخاصة، التي كانت مرجعاً ومنهلاً لمن تعطش لقراءة الشعر والمسرح.. ثمة كلمات تكررت في شعر الدوش؛ مثل الحزن، الليل، المطر، بيد أنها لم تجعل منه أسيراً للتكرار ولم تجعل شعره أسيراً للرتابة. أشعار الدوش كانت نسيجاً إبداعياً وخلطها بحسه فأعطى القارئ والمهتم روائع القوافي.

* سحابات الهموم

"هو من أصر علي الالتحاق بالمعهد".. هكذا بدأ الشاعر إسحق الحلنقي حديثه عن الراحل عمر الطيب الدوش الذي زامله لفترة ليست بالطويلة، والتي انقطعت بسبب هجرة حلنقي إلى الإمارات. يقول اسحق: "كان من المقربين إليَّ.. زاملته في بداياته عندما التحقت بمعهد الموسيقى والدراما". حلنقي يضيف: "لو تحدثنا عن الدوش الشاعر لن نوفيه ذرة مما كتبه.. كان متفرداً في انتقاء كلماته، ويضع للكلمة مكانة من الاحترام ويرى أنها تؤدي رسالة سامية، ومن الملاحظ في شعر الدوش إنه اعتمد على الكلمة الرمز، وتخلى عن الوصف المباشر، إضافة إلى ذلك أنه في بداياته رفض التغني بقصائده التي كان يعتقد فيها أشياء تخصه، حتى جاء المرحوم محمد مدني الذي أقنعه بتلحينها، ومن هنا كسر الدوش قاعدة الاحتكار وتعامل مع عدد من الفنانين بداية بأغنية (الود) التي تغنى بها الراحل محمد وردي، ولم يحرم الفنانين من قصائده فكتب (الساقية) لحمد الريح، و(سحابات الهموم) التي تغنى بها مصطفى سيد أحمد بعد وفاة أخته، كما تغنى له الكابلي برائعته (سعاد)، التي جسد فيها كل إلهامه الأدبي والفني والمسرحي، وأبدع في الوصف، ليستمر بعدها في الكتابة والتعامل مع الفنانين.

حلنقي أشار إلى أنه عرف الدوش الشاعر لا المسرحي، لأنه في فترة تعامله معه كتب عدداً من القصائد المغناة، وهو من أعظم الشعراء، وواحد من الذين وضعوا بصمة واضحة في صفحات الشعر بكل مسمياته وأنواعه، ولا يزال عبق كلماته يزين جدران الأمكنة. حلنقي استطرد بالقول إن الدوش عمل دوماً على إزالة التناقض في شخصيته، فهو لا يكذب ولا يحب كثرة الطعام بل كان يفضل (الزبادي)، لا يميل إلى الضوضاء و(اللمة)، وفي حياته كان هادئ الطبع هامس الصوت، كما شكل ملاذاً آمناً وحضناً دافئاً للصغار والكبار فهو بمثابة مرجع للكل رغم أنه كان أصغر إخوته.. ويختتم رئيس جمهورية الحب حديثه الدوش بقوله: "هو وردة في خميلة احتشدت بشتى أنواع الورود لكنها تفردت عن غيرها وفاح عبيرها في كل مكان، تسلق الدوش مكاناً عليّاً، وبصم بطابعه المميز وسط كبار الشعراء في زمانه فعاش حاضره، ودون ماضيه واسترشد مجسداً مستقبله، تمتع بعظمه أعطته مكاناً سامياً، لم يتصد لغناء شعره وتلحينه إلا من وثق في نفسه ومقدراته وتطاول إلى قامة الدوش".

ختوهو في قعر السجن

رغم مرور ستة عشر عاماً على رحيله لم يأفل نجمه ولا زال مكانه في صفوف الدفاع عن قضايا الوطن شاغراً، حتى عند متابعته في شعره الغزلي الذي تستر فيه بالرموز كان يقصد في بعضه الوطن، فهو أبدع في كتابة الشعر المجازي.. لم يكن السجن حائط سد بينه وبين كتاباته فكتب فيه مشروع الدبلوم (نحن نمشي في جنازة المطر) وهي مجازة فنياً ولكنها منعت بواسطة الأمن وقتها، وفي الزنزانة رقم (4) بسجن كوبر العريق تضم في حوائطها عمر الطيب الدوش في شتاء 1973- 1974 كتب فيها (بناديها) قبل أن يلحنها وردي وكذلك (الحزن القديم) وكان يكتب على الأرض يحفظ هو ورفاقه لأن الراديو والتلفزيون والورق حتى منع عنهم. كان مثل خليل فرح لم يكن الغزل في أغنياته هدفاً أساسياً وإنما كان وسيلة وهو ليس غاية لأن (الوطن) كان غايته.

آه يا سعاد

شكلت سعاد محور حياة الدوش.. رزق منها بلميس، وليندا. كتب أجمل قصيدة لها وإحدى الدرر التي تغنى بها عبد الكريم الكابلي رصفها في رواية قصصية شعرية واقعية وصفت (الحلة) بأبسط مقوماتها وعبر فيه عن لهفته لسعاد بكل أشجانه وهي صغيرة؛

وركزت

شان البنت سعاد

أصلي عارف جنها في زول بيركز وينستر

لكني عارف انها

لو كلو زول في الحلة بالسترة انجلد

ياني الازاها وجنها

برضي عارف اظنها

تحت تحت بتحبني

ديمة في صرة وشيها

يلفحني شوف نافر لبد

وركزت للحرقة المشت فوق الضلوع

تحت الجلد

قالت سعاد في حوار أجراه معها الزميل محمد عبد الماجد وهي تستمع إلى هذا النص إنها تشعر بالذنب عندما تسمع هذه القصيدة؛ لأنها كانت بعيدة عن الدوش عندما كتب هذا النص وعندما جاء وقرأه لها كانت في بيت أبيها.. هو نص يشعرني بالتقصير في حق عمر الطيب الدوش.. عادت سعاد وكأنها تفتخر بهذه القصيدة وذاك الإعزاز الذي منحه لها الدوش.. النص صار صكاً للتعامل العشقي في السودان، لتكون سعاد الملهمة، شأنها شأن عزة وعبلة وروميو.

لقاء في المعهد

أول لقاء بين سعاد والدوش قالت كان في معهد الموسيقى والمسرح، دخلت بحسب روايتها تسأل عن أحد الأساتذة فوجدت الدوش في المكتب بشعره الكثيف.. لم تتوقف عنده، ولم تتعرف عليه.. حينها كان الأول يبادرها بإشارات مشاغبة وفيها بعض التودد، فبدأت شرارة العشق؛ أحبته وأسهمت معه في عدد من الكتابات الشعرية، فلا تميز أنه أحبها لنظرتها الأولى، أو لأنها ممثلة، والمسرح هو أحد الأعمدة الأساسية في حياة الدوش الشعرية والمسرحية.

رحيل

ما بين (قطر شندي) المدينة التي شهدت ميلاده، وتنقله في دول المهجر، وحتى استقراره في حي العرب والعباسية، مجاورا للأستاذ صلاح الدين الفاضل، الذي رافقه منذ بداياته في معهد الموسيقى، حتى رحيله إلى أمبدة السبيل، التي استقرت فيها من بعده سعاد، وبناته، ثم رحيله الأخير في مثل هذا اليوم؛ العاشر من شهر أكتوبر تمددت خطى الدوش وامتد نثار إبداعه طيلة حياته العامرة بالفن والمسرح والثقافة.. ووري جثمانه الثرى بمقابر البكري يومها تاركاً خلفه بحراً من الشعر ينهل منه كل ظمآن.. رحل الدوش شامخاً صامداً بكل كبرياء وثقه نفس.. تتلمس ذلك كله مع جزيل الصدق في كلماته التي اختيرت بعناية وحنكة مطلقة.. توارى الدوش وغاب في عالم الخلود، ليبقى الحزن القديم وسمح السيرة والمسيرة.. انسل وغادر بهدوء فأرخت الأحزان سدولها من بعده لقافلة المبدعين ممن يمضون عبر ذات بوابات الحزن المشرعة والمفتوحة على مصراعيها؛ وداعاً عمر الطيب الدوش، وداعاً محمد الحسن سالم حميد، وداعاً محمد وردي، وداعاً عم محجوب، وداعاً مصطفى، وداعاً وداعاً لكل الذين أجزلوا الإبداع عطاءً ثم سلام عليكم في الخالدين.

اليوم التالي






تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2769

التعليقات
#1123798 [ADRIS]
0.00/5 (0 صوت)

10-11-2014 03:02 PM
كان يكتب علي الرمل حتي وان امتلك الورق رحمه الله نجم افل سريعا


#1123768 [سيف الدين خواجة]
5.00/5 (1 صوت)

10-11-2014 02:03 PM
شكرا لك هيتجت الذكري لا املك غير الدموع علي تهاوي هذا الوطن في هذا العفن لهم الرحمه جميعا قد ادوا وعدوا للخلود بهدوء يخرص السنة الكلمنجية دون اي نتيجه !!!

وضعوا بصمتهم لشعبهم وقدموا الابداع يل الذين حولونا جياع


#1123714 [انا شاعر]
5.00/5 (1 صوت)

10-11-2014 12:36 PM
نتمنى فى كل مدينة تسمى الشوارع باسم عظماء السودان امثال الدوش ووردى ومحجوب شريف ومصطفى سيد احمد وكل عظماء بلادى وليس فطايس معارك الجنوب


#1123577 [د. هشام]
5.00/5 (1 صوت)

10-11-2014 09:14 AM
للهِ درُّك!! رحمهم الله جميعاً و أحسن إليهم.


#1123499 [غربه وشوق]
5.00/5 (1 صوت)

10-11-2014 05:10 AM
قمرا رحل
والدمع رقرق مالحا
ورتيبا
والنهر رافقه
الانين على
فراق الطيب
الغريدا
دهشت سحاب
المذن اذ تبكيك
احزان التعابا
والغلابه
اذ علمتهم معنى
الوطن كفن الشموخ
كيفن يسود
فقدا جليل
يا طيب انت
ما الخليل
ورسمتوا
بالنخل الطريق
كان يفهموا
دنيانا من بعدك
حريق
حكمونا قطاع الطريق
وطنا ما اصبح غريق


#1123497 [مدحت الهادي]
5.00/5 (2 صوت)

10-11-2014 04:45 AM
داعاً عمر الطيب الدوش، وداعاً محمد الحسن سالم حميد، وداعاً محمد وردي، وداعاً عم محجوب، وداعاً مصطفى، وداعاً وداعاً لكل الذين أجزلوا الإبداع عطاءً ثم سلام عليكم في الخالدين.



الله الله على هذا الوداع ولا ننسى محجوب شريف ... يا لهم من عظماء يا له من فقد عظيم يا لهم من شموخ وعظمة ... نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته ... فقد بحق وحقيقة وبكل الصدق والأمانة كنا نحتاجهم في هذه الأيام الظالمة في هذه الفترة العجيبة والتي تمر بها بلادنا الحبيبة ... ( ظلم ..قهر .. أكل المال الحرام .. وأحتقار الشعوب وإذلالها ) وما علينا إلا بقول الحمد لله .... وإنا لله وإنا إليه راجعون ....

والله أكبر على الظالمين ولا نامت أعين الجبناء الخونة .....



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة