في



الأخبار
أخبار السودان
القطار في الادب السوداني
القطار في الادب السوداني
القطار في الادب السوداني


11-05-2014 08:12 PM
عبد الله الحاج القطيني


و بلدنا الكنا بنمشيها
في نص نهار
كا القطر خدها في مشوار
( من شعر الابنودي )

لعل كتاب حرب النهر لمؤلفه ونستون تشرشل هو اول كتاب ترد الاشارة فيه الي مفردة القطار ضمن مؤلف خاص بالسودان .
و قد أعدّ تشرشل كتاب حرب النهر عام 1899م و ذلك اثر انضمامه الي الحملة المصرية الانجليزية لغزو السودان كمراسل صحفي .
و يشير تشرشل الي ان انشاء الخط الحديدي قد اثار قلق الخليفة لإدراكه حسب تعبير تشرشل ان طريق الحديد لا ينشأ في يوم واحد و لأجل يوم واحد , ان هناك حتما نذر حرب من جهة الشمال *.
ثم واصل تشرشل حديثه عن الآمال التي علقتها الدولتان الغازيتان علي الخط الحديدي فيقول " استغلت طاقة البخار القوية في اغراض الحرب و حلت سرعة القطار محل خبيب الجمال *
ثم يقول :" و في اليوم الذي وصل فيه القطار الي المعسكر المحصّن عند ملتقي نهر النيل بنهر عطبرة كان مصير الدراويش قد تختم , و مع ان المعركة لم تبدأ بعد الا ان النصر قد تحقق.*
و هكذا كانت ملامح الانقلاب الذي سيحدثه القطار في حياة السودان بادية للعيان .

و الاشارة الثانية للقطار ضمن مؤلف خاص بالسودان نجدها ضمن مذكرات يوسف ميخائيل التي اعدها في عام 1934م حينما كان بين جدران سجن الابيض , و ترد عدة اشارت ضمن تلك المذكرة عن القطار و السكة حديد و كمثال نجد عثمان شيخ الدين يحدث والده الخليفة عبد الله التعايشي عن اخبار الحملة الانجليزية المصرية فيقول :" و انا عندي الطلايع يعطونني اخبارهم من وقت الي وقت . عندهم وابور ماشي علي البر بخلاف وابورات البحر " قال الخليفة يا عثمان كيف يكون وابور ماشي علي البر ؟! قال لبه : " يا والدي ن هذا السكة حديد ).
و يرد ضمن المذكرات ايضا ان طلائع محمود ود احمد صارت عندما تنظر دخان وابور السكة حديد يحضروا يقولوا له : " يا سيدنا نظرنا دخان ماشي علي البر و شيء ازرق له صوت يقول ( فيط ) و يجري في الوادي علي ظهره ناس و من وراءه اشياء تقول ظهورها كمثل ظهور الافيال ).

و في عام 1950 م و من عطبرة اصدر الشاطر بصيلي عبد الجليل و الذي كان مستخدما بالسكة حديد كتابه : تاريخ المواصلات في سودان وادي النيل "
و يحدثنا الشاطر بصيلي عن وصول اول قطار لمدينة بربر فيقول : " و قد كان وصول اول قطار لمدينة بربر مثيرا للدهشة المقرونة بالرغبة و الحيرة . فعند وصول ذلك القطار الاول الي تلك المدينة احتاط به الاهلون متمسحين بما حمله من اتربة الصحراوات و ما كانوا متبركين و لكنهم كانوا في حالة اضطراب من ( جن الصحراء ) كما أطلقوا عليه .
و يواصل قائلا : " .... وصل ذلك القطار حاملا رسالة عهد جديد رسالة المدينة مؤذنة بنوع من الحياة جديد " و يتساءل : ( كيف وصل ذلك القطار و شق طريق الصحراوات علي طريق معبدة و ما هي تلك القوي التي دفعت ذلك المنافس الجبار ليحطم الجمل و الشراع و يحدث انقلابا بعدي المدي في مختلف مرافق الحياة ).

و بعد سبعين عاما من صدور كتاب ( حرب النهر ) يحدثن الشيخ بابو نمر ناظر عموم المسيرية عن اثر من آثار القطار في السودان تأكيدا لحديث الشاطر بصيلي بان القطار وصل حاملا رسالة عهد جديد مؤذنة لنوع من الحياة جديد , و ذلك عندما كانت الهتافات تتعالي بسقوط الادارة الاهلية حيث علق الشيخ علي حد رواية د. منصور خالد : ( يا ولدي , الادارة الاهلية ما سقطت من يوم ما وصل القطر لبابنوسة و يعلق د. منصور خالد بان القطار الذي كان يشير اليه الشيخ الحكيم ليس هو الآلة الصماء التي تقطع الفيافي و انما هو ما صحب تلك الآلة من ادوات التغيير فمع القطار جاءت الصحف و جاءت النقابة العمالية و جاءت شعارات عاش كفاح الطبقة العاملة *
و علي ذكر شعارات عاش كفاح الطبقة العاملة نستعيد ما قاله احمد سليمان المحامي عبر كتابه ( و مشيناها خطي ) حيث يقول : ( و لعل عبد الخالق قد ادرك بثاقب فكره اهمية عطبرة لمستقبل الحركة الثورية بالسودان و لذلك اختارها كبداية لنشاطه الشيوعي . فبجانب انها كانت اكبر مركز لتجميع العمال بالبلاد كانت قطاراتها تربط بين انحاء القطر الواسعة و المترامية الاطراف مما اسهم في انتشار الشيوعية في مختلف اصقاع السودان و كان كماسرة و سائقو القطارات و الوابورات و عمالها رسلها الاوفياء و دعاتها المتمرسين و كان بعض مدرسي المدارس الاولية يتلهفون و يهرعون لمقابلة القطارات و البوسطة النهرية لتلقي مطبوعات الحزب و رسائله و توجيهاته .

و قد كان الشيوعيون و لا يزالون يطلقون اسم الكليتون علي الحزب الشيوعي و حسب رواية الدكتور عبد الله علي ابراهيم فان الاستاذ عبد الله عبيد امد الله في ايامه و متعه بالصحة و العافية هو الذي اطلق هذا الاسم علي الحزب .
و بسؤالي عن هذا الاسم عرفت انه ربما كان اسما لنوع من الوابورات كثير الحركة غدوا ورواحا في محطة عطبرة حيث يقوم بتجهيز عربات مختلف القطارات و توزيعها علي مختلف الخطوط .
فنأمل من الاستاذ عبد الله عبيد ان يساعدنا بتوضيح ابعاد هذه التسمية التي تفرعت عنها العديد من المصطلحات لدي الشيوعيين و علي سبيل المثال فالزميل المكلّت هو الزميل الموصل او المنتظم في نشاطه الحزبي .
و هناك العديد من القطارات التي ابتدعها الحس الشعبي في اعجابه بالقطار مثل قطر الجنوب في احدي اغاني الكابلي :
قطر الجنوب شال المحبوب
ده الذكرنا ايام حنتوب
ده الجاب لينا وجع القلوب

و هناك قطر الهم الذي ابتدعه الشاعر هاشم صديق في المسلسل الشهير و الكثيرون بالطبع يتذكرون ذلك المقطع في مقدمة المسلسل :
حفظنا السكة محطة محطة
و حتي الناظر و جرسه النايم
و عفش الناس الماشي
يناهد بالكيمان

و هناك قطار الشوق الذي صوره الشاعر علي محجوب فتح الرحمن و غناه فنان عطبرة بابكر الذكّار , وهناك قطر النضال الذي ابتدعه محجوب شريف :
خلاص قطر النضال ولي
غالي علي اتدلي

و هناك القطر الشال معاوية الذي دعت عليه تلك الفتاة بأن يتكسر زاوية زاوية مثله مثل قطار ود القرشي الذي دعا عليه :
يا القطار تدشدش
الشلت محبوبي

و بعكسهم دعا صديقنا محمد عبد الخالق بأن يسلم حتة حتة حيث كان :
المسافرون فرحين يغنون
القطر الجابك انت
يسلم حتة حتة

و هناك قطار من الخطورة بمكان في تاريخ السودان الحديث و هو قطار الزحف و هو القطار الذي تحرك من كسلا بتاريخ 9/ 11/ 1964م في يوم المتاريس الشهير ممتلئا بجماهير كسلا متوجها الي الخرطوم لحماية ثورة اكتوبر و كان يقوده من سائقي القطارات محمد احمد باندوقلي و محي الدين مرسي و يشرف عليه محمد جبارة العوض و مأمون محمد الامين و تعالت منه هتافات جيوش جرارة وراك يا جبارة و كتب عنه محجوب شريف و كان علي ايامها طالبا بالمرحلة المتوسطة :
قطر كسلا الشجاعة
يهدر في الحديد
دون تابلت و طاعة

و بلغ من تأثير القطار في حياة الناس ن اسرا بأكملها في عطبرة امتهن افرادها مهنة سائقي قطارات . وعلي سبيل المثال لا الحصر أسرة مدني مالك و آل شنقر و آل عابدين و أسرة طيب الذكر الباحث الطيب محمد الطيب حيث كان والده و عمه بابكر الطيب سائق قطار و آل عابدين و قد اشتهر العديد من العمال لمجرد انهم سائقو قطارات مثل بابكر ود رخيص و العم ابراهيم عابدين مفتش القطارات و الذي كتب هجاء لأسماء المحطات بالسكة الحديد:
المحطات في بلادنا ليه اسماء ما بطيقها
خد مثال صحراء كبيرة ليه يسموها الحديقه
و المقطّع ليه مقطّع ضاربو وابور ام حريقه
و الوساع نزلنا فيها انصدمنا و شفنا ضيقها
كنا في الرويان عطشنا مافي موية و لا سليقه
رجعنا للعطشان روين شيء يحير في الحقيقه

و كما يقول الدكتور عثمان السيد انه من عمق تأثير السكة حديد علي الناس و استشعارهم اثرها عليهم انها اصبحت من المواضيع المطروحة في الغناء و الادب الشعبي عامة ... الخ.
و نجد تأثير القطار كذلك في ادب القصة القصيرة و علي كتّاب القصة منذ الخمسينيات من القرن الماضي امثال محمد سعد معروف , احمد امين البشير , و ابو بكر خالد .
و طالما اننا بصدد التوثيق فلا بد ان نذكر ان معاوية محمد نور هو اول كاتب سوداني يكتب قصة مسرحها القطار .
و من خلال القطار يفضح الادارة الاستعمارية و ربيبتها البرجوازية الصغيرة من موظفي الحكومة من السودانيين الذين عزلوا انفسهم و اصبحوا يسيرون في القطار و لا يدرون اين هم و لا ينظرون الا في محيطهم الضيق و محيط ذواتهم : ( وقف بنا القطار في هدوء في محطة من المحطات بعد ان اجتاز محطة شندي و كنت لتسمع المسافرين ينادون بعضهم بعضا أقفل الشباك اقفل الشباك ")
و من ناحية اخري يصور هرولة النساء و الاطفال و الصبية نحو القطار ليبيعوا حاجياتهم غير عابئين بهذا الجو و لكن للأسف لا يشتري منهم احد , ومنهم ذلك الطفل الذي يعمّق معاوية من خلاله المأساة حيث يجري تحت المطر ليبيع الشاي و قد بذل كل ما وسعه الي ان بحّ صوته ( شاي – شاي ) و فجأة ينفجر باكيا فقد خسر مبلغا بلا مقابل , كل ذلك و الافندية داخل القطار ينادون الجرسون واحد بيرة و البعض يتحدث عن انواع الكرافتات و هكذا فكل همهم ان يأكلوا و يلبسوا و يشربوا ) .
و قد نشر معاوية هذه القصة في صحيفة السياسة الاسبوعية في نوفمبر 1930م .

كذلك نجد ان محمد سعيد معروف في قصة " في القطار " يصور ركاب الدرجة الرابعة و قوي التنافر و التآلف التي تظهر بينهم حيث الامكان الضيقة و كل انسان يحاول ان يجد مكانا تتحقق له فيه جلسة مريحة و رغم ما يصادفهم من تعب و ارهاق نجدهم عندما ينزلون في اخر محطة تغرورق دموعهم و يتوادعون علي اللقاء .

و يقرر الناقد د. محتار عجوبة ان ابا بكر خالد في قصته " شيء للناس " قد وفق في تصوير نفسية بشير الكسلاوي الرجل البسيط المريض و هو يتأثر لأحداث ثورة اكتوبر 1964م فعندما حرك الشعب في كسلا القطارات و سيرها للخرطوم للمشاركة في احداث الثورة تسلق الكسلاوي القطار ليصل مع الموكب الي خشم القربة و لكن اتضح له عيب موقفه و تخاذله فنسي مرضه و قرر الذهاب الي الخرطوم مع الجماهير الزاحفة .

و في رواية عطبرة نجد الراوي يختتمها بان يبكي ذكري معانقة هدير مكائن ورشها و حركة قطاراتها بتراتيل مئذنة المسجد و هي تصدح حي علي الفلاح .
و مثلما اتخذ كتّاب القصة القصيرة و الرواية من القطار وسيلة لتصوير المجتمع السوداني و تسليط الضوء علي بعض جوانبه و قضاياه نجد كتاب المسرح قد حذوا حذوهم .
فها هو ذو الفقار حسن عدلان يتخذ من القطار وسيلة لتشخيص الازمة في بلادنا و ذلك عبر مسرحية ( القطر ) الذي تعطل في الكيلو 1088.
و يتضح من الحوار الدائر بين السائق و الكمساري ان القطار ( ماشي بلا باكم او علي حد تعبير الكمساري متسائلا : ( ايه الكلام دا يا سواق . ده كلام خطير يعني هسع نحن ماشين بلا باكم ؟
و اخيرا يقرر سائق القطار :
" انا ما عارف اي شيء و ما مسئول و مافي زول يسألني , تراها دي السكة قدامكم مبسوطة زي هم الليلة و باكر و انا مالي دخل الداير يمشي يمشي و الداير يقعد يقعد .
و هكذا يتنصل السائق من مسئوليته حينما يتضح له ان القطر ضهبان .
و اخيرا و في نبوءة يغبط عليها ذو الفقار يقرر المسافرون :
نحن المسافرين
المسافرون الليلة و الحيسافروا بكرة
كل البلد
شدوا السواعد و شمروا
كل البلد عيشوا الحلم يقظة و نهار و امرقوا من جلد الظلام
أدوني ايدينكم لزوا القطر
كل البلد
لزوا القطر

و حينما كتب الدكتور عبد الله علي إبراهيم مسرحية الجرح و الغرنوق .. السكة حديد قربت المسافات و كثيرا في السبعينات من القرن الماضي اهداها الي :
والدي ناظر المحطة المرحوم الحاج عثمان افندي ابراهيم
و الي مزاجه الاستراتيجي
كالشجر
يبدأ من جذوع
و ينتهي الي حفيف

و بذلك يلفت الي ضرورة الكتابة عن البشر الذين بدونهم يصبح القطار مجرد حديد بارد .
و هو يعلن في المقدمة انه اراد بهذه الثلاثية ان يتغلغل في حياتنا التي تزلزلت بالغزو الاستعماري و في ثنايا النص يتساءل كورس النساء :
أي اغراء هذا الذي ينشر جاذبيته علي خطوط السكك الحديدية ؟ اي قنص طارئ و حادث هذا الذي يتلف أفئدة رجالنا فيفرغون القري من وجودهم الجميل .
و يواصل كورس النساء ..
الرجال الذين كانوا مذاقا و لمسة و عاطفة اصبحوا توقيعا علي خطاب و سار المثل " الخطاب نصف المشاهدة عزاء و رضاء بما ليس منه بد .

و اعتقد ان ما كتبه الشعراء عن القطار من الممكن ان يشكل دواوين بأكملها

و سوف نبدأ من الدهش التي تحدث عنها الشاطر بصيلي و قد ظهرت في العديد من الاشعار عن القطار ممزوجة بالكثير من الاعجاب فهو قد قضي علي الجمل و الشراع ؟
الجمل الذي كان الشعراء يعددون محاسنه من سرعة و قوة فتارة يشبه بالنعام الذي أفزعه صوت الطبول " سوسيو النعام الزعزعنو شراتي "
و تارة يشبهون كف الجمل عند الاسراع في الجري بماكينة الخياطة و من ذلك شعر ابراهيم الفراش واصفا سرعة جمله :
عتود الدقدق المن قام نشيط
تقولب ايديك تقول مكنة مخيط
هذا الاعجاب بالجمل قضي عليه القطار الذي ادهش الشعراء في سرعته و خير مثال لذلك مسدار نافع المكي الذي يسجل فيه رحلته بالقطار من الدامر الي حلفا و الذي يبدأه بقوله :
فكري انا يا زميل يوم الاحد مو رايق
سفرا اصلو بالمخصوص خطر مو لايق
قلبي مكجنو و من قام معفرت و ضايق
من دامر حمد للداخلة سته دقايق
و قد اختلطت الدهشة و الاعجاب بالكثير من الفخر بقوة العمال حيث اكتسبت الاضرابات التي انتزع بها العمال حقهم في التنظيم النقابي في اواخر الاربعينيات من القرن الماضي قوتها من توقف حركة القطارات و هذا ما سجلته العمة أم عائشة و الدة الزعيم النقابي الراحل الحاج عبد الرحمن شعرا :
سليمان موسي عمرو يطول
معاهو السادة ما مجهول
زعيمنا الوقف البابور
وكت نادي المدير طلبو
لا دنقر و لا غلبو
سمحة الهيبة فوق شنبو

وقد برع الشوايقة في تضمين القطار في اغانيهم سواء كان ذلك عتابا او ثناء للقطار :
احمد الله الخاطري انجبر
جاني زولا شايل خبر
قال لي محبوبك في القطر

ونجد اخر يتغنى :
متين يا الله عاد فرح المواسم نفرعوا
حس القطارات من بعيد فوق الفلنكات نسمعوا
و كل المسافرين البعاد يتلموا تاني و يرجعوا

و من داخل القطار يعددون اسماء المحطات التي يمر بها الحبيب الذي ودعوه او استقبلوه :
ديك كريمة داك قطرا
في الكاسنجر دمعي جرا
وفي اب غربان وصل خبرا
ابو حمد الحبيب زارا
و عليهو خلايقو تتجارا

و هكذا نجد ان القطار كان فرصة ليتعرف السودانيون علي وطنهم بل و التعرف علي بعضهم البعض و كذلك التعرف علي طباع و مزاج مختلف قبائل السودان و عاداتها , فنجد احمد محمد صالح النضيف في احدي قصائده يتوقف عند سرعة الرد التي يتميز بها اهلنا الرباطاب :
ما اصلو عاد قطر الاحد
يجيك في الليل في اب حمد
بلد القفاف بلد الحبال
و الجردقة الفنجان ريال
و ان شاء الله ما تسأل سؤال
و يكون جوابو محضرو

كذلك محمد المكي ابراهيم يعرفنا من خلال قصيدته قطار الغرب علي الناس في منطقة الجزيرة :
ها نحن دخلنا ما بين النهرين
الناس هنا جنس آخر
فقراء و ثرثارون و لهجتهم في لين القطن
و الباعة ملحاحون و حلافون
و لهم آذان تسمع رنة قرش في المريخ

و يسجل ود المكي كذلك العواطف الجياشة :
بسمات و تحايا و وداع ملتهب
كل الركاب لهم احباب
هذه امرأة تبكي
هذا رجل يخفي دمع العينين بأكمام الجلباب
سلم للأهل و لا تقطع عنا الجواب

و لا يفوت ود المكي الفرصة فيمجد في داخل القطار الشعب السوداني و صبره و يمجد الانسان الكادح :
الصبر الصبر الصبر
الكوخ المائل لا يهوي
و الشجر الزاوي ليس يموت
و الناس لهم اعمار الحوت
أحياء لأن أبا ضاجع أما
أولدها فأسا يشدخ قلب الارض
يحتار كنوز الدنيا و يبصقها دما
لتظل البورصة حاشدة و السوق يقام

و يقول في قصيدة اخري :
هذا قدر الانسان
أن يأكل قبل المدخنة
و يصفر قبل القاطرة
و ينام علي قلب اخيه الانسان
و يتوقف ود المكي عند السهولة التي يتعرف بها السودانيون علي بعضهم البعض و كسرهم لكل الحواجز خلال القطار :
ساعات الاكل تعارفنا
الصمت الجاثم في الحجرات انزاح
تحدثنا في ساس يسوس
و تحذلقنا عن جهد الانسان الضائع
فغرسنا كل الانحاء مزارع

و من داخل القطار يتناول ود المكي ما سمي لاحقا بجدل المركز و الهامش :
هذي ليست احدي مدن السودان
من اين لنا هذا الطول التياه
لا شك قطار الغرب الشائخ تاه
و سألنا قيل لنا الخرطوم
هذي عاصمة القطر علي ضفاف النيل تقوم
عربات
اضواء
و عمارات

و علي سبيل المقارنة و الادانة يلاحظ :
و حياة الناس سباق تحت السوط
هذا يبدو كحياة الناس
خير من نؤمن في الارياف يحاكي الموت
ما اتعسها هذي الارياف
ما اتعس رأسا مشلول الاقدام
ما اتعس رأسا لا تعنيه تباريح الاقدام
و بعد اكثر من اربعين عاما من قصيدة محمد المكي ابراهيم يتجه الشاعر شمو ابراهيم شمو في رحلة معاكسة من المركزي الي الهامش عائدا الي نيالا :
آه يا شيخي لو انك تحملني في جنح اللحظة
تلقيني في حضن نيالا
لعدت الآن اعانق احبابي
كل أحبابي

و قبل ذلك يذكرنا شمو بمغادرته لتلك العاصمة التي وصفها ود المكي بانها ليست احدي مدن السودان :
بالأمس غادرنا عاصمة السودان و الحالة " سجمانة ؟
عفوا لفظنا عاصمة السودان و الحالة " تلفانة "
فوجهتنا ارض الرحمة من بعد لك و خطانا
و حين قارن الاستاذ حمزة كاكوم بين القصيدتين اشار الي ان محمد المكي ابراهيم اتي الي العاصمة حاملا نقيض الماضي رافضا الخنوع و السكون رافعا الوية الرفض مترقبا فجرا مشرئبا الي النجوم أملا في الممكن لمواجهة المستحيل :
ما احلي اياما لا تحمل الا هم الحب
ها نحن تشبعنا بدموع الارض
و تخلخلنا و تعاركنا بقطار الغرب
إني يا اجدادي لست حزينا مهما كان
فلقد ابصرت رؤوس البنت تصارع تحت تراب

و يصف شمو ان يدين المركز متمثلا في العاصمة التي يفترض انها عاصمة السودان :
لا ألقي احدا في عاصمة السودان
يحدثني عن مجد احفظه للفور
عن صولات الداجو و جولات التنجر
آه فانا وحدي بمدينتهم و الشوق يفور

و علي حين تتناول النصوص التي عرضناها القطار نجد نصوصا اخري و شعراء اخرين يكتبون عن سائق القطار و الكمساري اي عن الانسان الذي بدونه كما اسلفنا يصبح القطار مجرد حديد بارد .
فنجد كمثال الشاعر محمد الحسن دكتور يكتب عن حادث اوبو ممجدا سائق القطار متناولا اشواقه و طموحاته و اصراره :
شاب في عمرنا كده و مدردح
هاوي الدنيا و كل العارفو
ان الدنيا غناوي تفرح
قاري شوية و فاهم حبة
عن البير كامو و جان جيرودا
و تشي جيفارا و مكسيم جوركي
خريج وسطي و عقلو مفتح تقد تحلف انو مثقف

و يسرح ذلك السائق مع احلامه و مع حبيبته نادية :
شوف الدبلة مجلبطة كيف بفرامل الديزل
طالت ياخي حكايتي معاها الدبلة
سبعة سنين و انا شابك فيها
و فجأة اتذكر امو و اختو
و عيدو الرابع ما شاف أهلو

و بينما هو مع احلامه الوردية هذه اذا به :
قطر في السكة و ماشي علي
دي اول مرة بتحصل لي
محطة اوبو صدمة رهيبة
اولي في رابعة و رابعة في اولي
فتشو عنو بعد يومين
إيدو الفيها الدبلة لقوها
و جسم والتاني في حضن الديزل

و يحدثنا محمد عبد الخالق عن عم عبد الجبار كمساري التذاكر الجميل و الذي لم يملك في هذا العالم سوي بطانية حمراء و فانوس يدوي و ثلة اولاد لم يورث سواهم :
و يمضي عفوا في خاطري و ذاك الرفيق
بيني و بينه صلة القرابة الاولي
و منا الرفاقي الاحد
سارت جنازته و ارتال من الافرول
و السحب الدخانية
لا رفرف العلم المنكس لا نشيد
لا عزفت فرقة الاطفاء لا خطب مجيدة
قالوا كان يوزع المشور سرا
و الفرح في ديار المتعبين

و يتناول محمد عبد الخالق احلام ذلك الكمساري :
كان ينحاز لمسافرين مجانا
لراكبي السطح
كان يحلم بالكاكاو مع الحليب
في المحطات البعيدة
غني مرة يا عمال السك الحديدية اتحدوا
صليت العصر مع الشفيع
قرأنا سورة الفتح الشجية و انشرحنا

و من خلال قصيدته أهازيج الميل الاخير في الطريق الي عطبرة يمجد محمد عبد الخالق المدينة :
نور علي نور
تأتلقين كلما عبس الزمان
يا ام كل قطار
الزيت و الشحم و العرق و الدخان
انفاسك الغض حين تفوح
تزهر في دواخلي الجروح
و القطار يقتات المسافة
و انا تقتاتني الاشواق
و من داخل القطار يتذكر معركة النخيلة :
تلك الصخرة تذكار الغازي
و تلك النخلة في يوم كانت مربط مهر
ينمو تحن ضوء القمر
ليصبح في الفجر جوادا
و يعدو في صف الخيل المسروجة
و هناك اللورد و مدفعه
و هنا رمح و بنادق معدودة

و بعد هجمة المشروع الطفيلي المسمي بالمشروع الحضاري في عام 1990 علي السكة حديد و تخريبها نجد شعر محمد عبد الخالق يتلون بالأسي و الحسرة و من خلال قصيدته المدينة تنظر الي وجهها في النهر " يحدثنا عن الخراب و الأذى الذي سببه ذك المشروع :
كل شيء أصابه التعب
عطبرة ام تري أخطأت لقاطرة
و نفس الادي و الحسرة تتلون به قصيدة الحب و رائحة الفلنكة التي كتبها امين صديق بعد تلك الهجمة كان امينا و صديقا فعلا :
لكن يا بابا اظنك
لاقيت لي حزنك اخر
ايديك فوق قلبك خايفة
زي يافطة اشارة في سكة
و سبايط النخل الواقفة
كانت في عينيك متشبكة
الي الن يقول :
دقت باب حزني ضفيرة
زي ايد رمت الصنفور
في شوقها حكاوي كتيرة
صباح و رغيف و دميرة
و صفارة السكة حديد

عبد الله الحاج القطيني
عطبرة
ت/ 0126041219

هوامش :
• حرب النهر , وينستون تشرشل
• مذكرات يوسف ميخائيل
• النخبة السودانية و ادمان الفشل, دكتور منصور خالد
• الاثار الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية لنشأة و تطور سكك حديد السودان 1896 – 1970 , دكتور عثمان السيد
• قصص و خواطر , معاوية محمد نور
• القصة الحديثة في السودان , دكتور مختار عجوبة
• رواية عطبرة , حسن احمد سعيد
• مسرحية القطر , ذو الفقار حسن عدلان
• الجرح و الغرنوق , دكتور عبد الله علي ابراهيم
• فن المسدار , دكتور سيد حامد حريز.
• خواطر عن قطر الغرب , صحيفة الصحافة 8/ 2/2005 , دكتور حمزة كاكوم

*بالطبع لا نحتاج لتأكيد رفضنا لوصف تشرشل لانصار المهدي بالدراويش
* النقل لمذكرات يوسف تم حسب ما ورد بالنص لأنه كتب بلهجة عربية عامية تغلب عليه سمات اللسان الكر دفاني .


[email protected]






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3888


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة