الأخبار
أخبار إقليمية
التحديات التي تواجه اللغة العربية في إفريقيا (2)
التحديات التي تواجه اللغة العربية في إفريقيا (2)


11-07-2014 11:03 PM
د. محمد أحمد عبد الهادي

قال صاحبي: والآن، وبعد أن وضحنا مشكلات اللغة العربية في إفريقيا ننتقل إلى التحديات التي تواجهها في إفريقيا.

أولاً: منافسة اللغات الأوروبية:
وضعت القوى الاستعمارية لغاتها في مكانة سامية، لمعرفتهم أن اللغة وسيلة لأهداف متعددة، أهمها ربط المستعمرات بالدولة المستعمِرة حاضراً ومستقبلاً ربطاً لغوياً، ومن ثم ربطها ثقافيا وفكريا، وكذلك سياسيا واقتصاديا، وهذا واضح الآن حتى بعد الخروج العسكري وحصول هذه المستعمرات على استقلالها، فقد أصبحت لغة الدولة المستعمِرة هي اللغة الرسمية ولغة التعامل في الدواوين، ولغة التعامل مع العالم الخارجي، كما صارت لغة الثقافة.
وحين نأتي إلى موضوع اللغة في المستعمرات الإفريقية تأتي فرنسا في المقدمة، حيث استماتت وتستميت في سبيل نشر اللغة الفرنسية، فمنذ عام 1830م، لم تعد اللغة العربية لغة كتابة إلا إضماراً، ولم تعد تصدر بها كتب أو جرائد بل إنه في عام 1838م، صدر قرار رسمي يمنع اللغة العربية في القُطر الجزائري، نص على أن "اللغة العربية تعد لغة أجنبية".
وبعد الاستقلال أسست فرنسا المنظمة الفرانكفونية (الصوت الفرنسي)، والتي هي في الحقيقة ليست منظمة ثقافية فحسب، بل سياسية أيضاً فهي الكومنولث الفرنسي التي قامت عوضاً عن قوة الإمبراطورية الفرنسية، فالسلاح هنا هو اللغة والثقافة الفرنسية. "أحمد نصيف الجنابي، ملامح من تاريخ اللغة العربية، 1981م، دار الرشيد للنشر وزارة الثقافة والإعلام العراق ص 267".
والأمر ينطبق على اللغة الإنجليزية، حيث صارت لغة التعامل الرسمي ولغة التعليم ولغة الإعلام والصحافة ولغة المثقفين في كثير من الدول الإفريقية، وتنزانيا، وكينيا وأوغندا أنموذج ذلك في شرق إفريقيا، ونيجيريا وغانا أنموذج في غرب إفريقيا.
وإذا ضربنا مثلاً بالسياسة الإنجليزية في جنوب السودان والتي عرفت باسم السياسة الجنوبية، فقد كان رأي رجال بعض الإرساليات التنصيرية أن تكون العربية هي لغة التعليم، لأنه يمكن استخدامها في التعليم دون تجشم مصاعب إيجاد لغة عامة جديدة، ولأن التعليم بالعربية سيضمن إقبال الجنوبيين على مدارسهم، غير أن هذه الاعتبارات المنطقية التي وضعها المبشرون في منهجهم كانت دون الاعتبارات السياسية التي وضعتها حكومة السودان في خطتها، ومدفوعاً بهذه الاعتبارات الأخيرة يجيء موقف حاكم عام السودان السير "وينجت" ضد رغبة المنصِّرين، حيث كتب إلى حاكم مديرية بحر الغزال في أواخر عام 1910م، يطلب منه أن تكون الإنجليزية لا العربية هي لغة التعليم في مدارس الإرساليات في الجنوب.

ثانياً - إثارة النعرة المحلية:
من الوسائل التي استخدمتها فرنسا أيضاً للقضاء على اللغة العربية تشجيع نعرة اللغات المحلية، حتى المندثرة منها، كما هو الحال بالنسبة للأمازيغية في المغرب العربي، حيث أنشأت لها أكاديمية في فرنسا عام 1967م، هذا على الرغم من أن اللغة البربرية التي يتكلم بها بعض سكان شمالي إفريقيا، وبخاصة في الجزائر والمغرب هي في حقيقتها ليست لغة واحدة لكل القبائل البربرية، وإنما هي عدة لهجات يصل عددها إلى 1200 لهجة.
ثالثاً – تشجيع العامية:
وإذ وجدت القوى الاستعمارية أن العربية كاسحة ولابد منها: شجعت العامية Colloquial وحاربت الفصحى: لأن العامية تتعدد لهجاتها فتفرق، أما الفصحى فتوحد.
ولعل التاريخ يعيد نفسه، فالدعوة إلى العامية بدلاً من الفصحى، بدأت في كل من مصر وسوريا وبلاد المغرب على يد كل من: ولكولس، وعبدالعزيز فهمي، وسلامة موسى، وأنيس فريجة وغيرهم، وتصدى لهم نفر من ذوي الغيرة على العربية، وأوردوا الحجج التي تبطل هذه الدعوة.
وفي جنوب السودان قامت السياسة البريطانية على محورين؛ الأول محاربة اللغة العربية وتشجيع استخدام اللغة الانجليزية بدلاً منها؛ لتستعمل في حالة صعوبة استعمال اللهجات المحلية، والثاني: تشجيع الموظفين في المديريات الجنوبية (جنوب السودان) على تعلم اللهجات المحلية، وبذل كل جهد في هذا الشأن بنشر بعض المجموعات اللغوية المحلية لتسير اللغة.
وكان هناك ضغط على الموظفين والحكام البريطانيين العاملين في جنوب السودان لبذل كل الجهود لتعلم لغات أهالي المناطق التي يعملون بها وعاداتهم، وكان هذا، كما سبقت الإشارة، يمثل جانبا من المخطط العام الذي يستهدف إحلال لغات بديلة عن العربية، كالانجليزية واللغات المحلية.
رابعاً – كتابة اللغات الإفريقية بالحروف اللاتيني:
وذلك بعد أن كانت تكتب بالحرف العربي كما حصل مع لغة الهوسا والسواحلية وغيرها، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسكو) مجهودات جيدة في سبيل كتابة لغات الشعوب الإسلامية بالحرف العربي.
ومن فضل الله علينا أن اللغة العربية بقيت لغة مهمة في شتى أنحاء إفريقيا على الرغم مما بذله الاستعمار من جهود كثيرة ومع أن الإرساليات والطوائف التنصيرية قامت بتسهيل نشر الدين النصراني والثقافة الغربية في نفوس هذه الشعوب الإفريقية.
هذا وبالله التوفيق.

الشرق


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 939


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة