الأخبار
منوعات فنية
"يوميات شهرزاد".. العلاج بالتمثيل
"يوميات شهرزاد".. العلاج بالتمثيل



11-30-2014 03:24 PM
يمكن تسميتهن بالنساء المتمردات، نساء قررن أنهن اكتفَين، ولن يسمحن بظلمهن مجددا. هن سجينات تحولن إلى "شهرزاد" في سجن أصبح مملكة عندما تكشّف لهن أن المجتمع يعيش في السجن الأكبر.

"شهرزاد" قالت "أنا مذنبة"، لكنها لم تكتفِ بذلك، بل أجبرتنا على معرفة السبب. معرفة أي زواج قسري، أي تعنيف أسري، أي خيانة، وأي ظلم أدى بها لارتكاب الجريمة.. وربما لم ترتكبها، بل هو نفسه الظلم ألبسها جريمة هي براء منها.

لم يرأف القضاء اللبناني هو أيضا بها، بل تركها تذبل في أروقة السجون بانتظار المسار البيروقراطي البطيء لإصدار حكمه بحقها، فترة انتظار قد تطول لعدة سنوات بانتظار محاكمة، ربما تخرج بموجبها بريئة.

قصص كثيرة روتها سجينات من داخل سجن النساء في منطقة بعبدا في جبل لبنان شكلت محور فيلم وثائقي من إخراج المخرجة والممثلة اللبنانية زينة دكاش. الفيلم التسجيلي "يوميات شهرزاد" وثق بشكل درامي رحلة دامت 15 شهرا أمضتها دكاش داخل سجن بعبدا في مشروع بدأته ضمن جمعيتها "كَتَرسيسCATHARSIS-" للعلاج من خلال الدراما (drama therapy).

في العام 2008 كانت محطتها الأولى في سجن رومية (السجن الأكبر والأكثر اكتظاظا بالسجناء الرجال في لبنان) حيث عملت مع 45 سجيناً لمدة أكثر من عام انتجت بنهايته مسرحية "12 لبنانيا غاضبا" المقتبسة عن المسرحية الشهيرة "12 رجلا غاضبا" للكاتب رينالد روز، إلا أنه في نسخة "رومية" لعب المساجين دور لجنة القضاة التي تتخذ الحكم بالمساجين. ومن خلال أدوارهم، استطاع السجناء التعبير عن معاناتهم، خاصة أولئك المحكومين بالمؤبد أو بالإعدام.

بعد انتهاء عرض المسرحية التي جرت في إحدى غرف السجن التي حولتها دكاش إلى ما يشبه المسرح، تم استخدام اللقطات التي صورت جميع مراحل ورش العمل إلى فيلم وثائقي. وطالبت السجينات النساء بأن تزورهن زينة للقيام بنفس تلك التمارين التي قامت بها في سجن الرجال. استجابت زينة لطلب السجينات، وبدأت بزيارتهن في العام 2011. عملت زينة مع40 سجينة على مدى 10 أشهر من جلسات الاستماع وكسب الثقة والتدريب الجسدي التعبيري.

تقول زينة إن العلاج بالدراما ليس تدريبا على التمثيل، بل هو تدريب للتعبير عن الذات، ومع أن القصص التي روتها السجينات لم ترتبط مباشرة بروايتهن الأصلية، فإنها مزيج من معاناة، فالنص مركب من تجارب هؤلاء النساء، كلها جرت فعلا على أرض الواقع وليس فيها أية أفكار من نسج للخيال.

شهرزاد زُوجت قصراً عندما كان عمرها 12 عاما، لم تعرف شيئا عن الزواج، أطاعت زوجها وأنجبت له، إلا أنه، وهو يكبرها بعشرات السنوات، كان يعنفها باستمرار، وعندما كانت تشتكي عند أهلها، كانوا يطالبونها بالصبر، وإذا أتت على سيرة الطلاق، فهي ميتة حتما، إذ إن أخاها جاهز لقتلها إن نطقتها.

أما شهرزاد أخرى، فكانت تتعرض للتعنيف اللفظي والجسدي من زوجها وأمام أعين أطفالها. وشهرزاد أخرى لجأت إلى المخدرات بعد أن كانت تعنف في بيت ذويها إلى أن تشوه جسدها، كانت تمنع من الخروج من المنزل، ومن الضحك أمام الرجال علما أنها كانت طفلة حينها، ثم عندما بلغت، أخرجها والدها من المدرسة لكي تكون غير قادرة على كتابة رسائل غرامية للشبان، فهربت مع أول شاب أبدى اهتمامه بها، إلا أنه خانها.

قصص كثيرة أدت بالنساء السجينات إلى ارتكاب جرائم قتل، وسرقة، وتعاطي المخدرات وتجارتها، والزنى، وغيرها.

تقول "شهرزاد"، إحدى السجينات المفرج عنهن بعد الحكم عليها بالبراءة، في حديث مع "العربية.نت" إن هذا المشروع لم يكن علاجاً فقط للسجينات اللواتي أصبحن قادرات على الوقوف بوجه "المجتمع الظالم"، بل كان أيضا علاجا لمن شاهد المسرحية والفيلم، حيث إنه حررها من الصور النمطية السلبية التي ترتبط بالسجين، وجعلها تنظر إلى السجين بوصفه إنساناً، قد يتعرض لظروف وأوضاع صعبة ربما تؤدي به إلى ارتكاب الجريمة.

وتضيف "شهرزاد": عندما خرجت من السجن، لم أكن خائفة أن لا يتقبلني المجتمع، بل كنت أخاف أن لا أتقبل أنا مجتمعا يعيش في سجن كبير ويتظاهر أنه حر".

أما "شهرزاد" أخرى فقد روت لـ"العربية.نت" عن هاجسها الأساسي الذي رافقها طيلة فترة سجنها بتهمة المخدرات وهو ردة فعل أهل قريتها عندما تخرج. كيف ستعاود نشاطاتها الحياتية بعد هذا "العار" الذي اقترفته؟

يوم المسرحية التي جرت على مدى عدة أيام داخل السجن، حضر إخوتها، واستمعوا إليها وإلي أخريات، تعاطفوا معهن كثيرا، وعندما خرجت بحثت عن عمل، واستأجرت بيتا مستقلا لها وعادت إلى حياتها الطبيعية.

لم تكن المسرحية فرصة لتصالح أقارب السجينات والحضور معهن فقط، بل إن دكاش دعت أشخاصاً معنيين بقضايا هؤلاء السجينات، من بينهم القضاة المسؤولين عن محاكمة النساء، وشكل هذا الأمر تواصلا بين السجينات والمسؤولين عن حكمهن، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في قضاياهن، إضافة إلى أن وجود المحامين في عروض المسرحية أدى بالعديد من المحامين إلى تسلم قضايا نساء غير قادرات على تحمل الأعباء المادية المترتبة عن تعيين محامين.

وكان إجراء العرض المسرحي داخل السجن فرصة أيضا لكشف المأساة التي تعيشها هؤلاء لناحية أهلية المبنى وتجهيزاته التي تحتاج إلى الكثير من التحسين كي تصبح صالحة للسكن، فتكفل العديد بتجهيز المبنى وترميمه على نفقتهم. وحسن القيمون على السجن من ظروفه، من حيث جهة الطعام أو الخدمات.
كيف بدأت زينا دكاش؟

عندما وجدت الممثلة والمخرجة اللبنانية زينا دكاش أن العرض المسرحي في بيروت بات عبارة عن عمل فني ينحصر جمهوره بممثلين ومخرجين ومسرحيين، تساءلت إن كان المسرحيون قد بالغوا بالهوس لإنتاج عمل مبني على خلق الوقائع؟ فكرت أولا بمواضيع من صلب حياتنا اليومية، مواضيع ممكن أن تهم الناس الذين نعيش معهم ونلتقيهم يومياً، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك، إلى مواضيع من صلب حياة فئات منسية في مجتمعاتنا، ماذا يعرف أولئك الناس عنها؟

وبناء على فرضيتها فإنه بإمكان المسرح أن يعيش في الأماكن المنسية وأن ينمو بأصعب الظروف، قررت خوض تجربة غير اعتيادية في مجتمعاتنا.

ذهبت دكاش أولا إلى لندن حيث تخصصت بالعلاج من خلال الدراما، ثم انتقلت إلى إيطاليا للعمل مع المخرج المسرحي آرمندو بونزو في سجن فولترّا حيث عملوا على تعليم السجناء على التعبير من خلال المسرح.

وعادت دكاش بعد ذلك إلى لبنان لتوظف خبرتها في المجتمع اللبناني، فكان أن أسست جمعية “catharesis” وهو المركز اللبناني للعلاج بالدراما الذي بدأ بالعمل في السجون اللبنانية وأنتج الفيلمين "12 لبنانيا غاضبا" و"مذكرات شهرزاد".

تستمر رئيسة الجمعية والمخرجة زينة دكاش بالعمل على جلسات العلاج بالدراما داخل السجون اللبنانية، ومع المجموعات أخرى من المهمشين اجتماعيا، وهي الآن في المرحلة الأخيرة من تنفيذ مسرحية مع مجموعة من العمال المهاجرين من إفريقيا الشهر المقبل. وتحضر لمسرحية أخرى مع نازحين سوريين قد بدأت العمل معهم منذ عشرة أشهر تقريبا.

تقول زينة دكاش في حديثها مع "العربية.نت" إن هذه المشاريع تشعرها بحجم التغيير الذي ممكن أن تحققه إن أعطت هؤلاء المهمشين الوقت الكافي والصبر، فالعمل لإنتاج مسرحية ومن ثم فيلم هو خلاصة عمل 3 سنوات تقريبا، بدءً من كسب ثقة المجموعة وتهيئتها نفسيا للتعبير عن أوجاعها، ثم تعليمها طرق التعبير ليوصلوا من خلال المسرحية أوجاعهم إلى العالم.
العربية






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 573


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة