الأخبار
أخبار سياسية
الإستقلال: نظرة من الداخل!!



01-04-2015 07:55 AM
عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الإستقلال رديف للحرية او أحد أهم تمظهراتها العامة والعملية، وهي معطي أعمق من مجرد التخلص من الإستعمار او التخلف او الإستبداد، كأكبر أعداء الحرية. والسبب أنها جزء أساس في تكوين الإنسان الحر، بمعني إن الحرية تلعب الركن الأساس في البناء النفسي السوي للأحرار، وتاليا غيابها او التضييق عليها، مما يكدر الصفو ويضع المتاريس في طريق الحياة الطبيعية للأحرار. الشئ الذي يدفعهم للنضال من أجلها، كسبيل وحيد لإستعادة جزء من التوازن المفقود. في هذا المعني، يصبح البكاء علي الإستعمار او التستر خلف إنجازاته الظاهرية ونقلاته الحضارية الهشة! هو نوع من التشوُّه النفسي او الإنتماء الكاذب لشريحة الأحرار! سوي تلبست تلك الدعوات لبوس النيات الطيبة(ومعلوم أنها تفرش الطريق الي جهنم!) وكان يمكن أن تقبل هذه النيات الطيبة، في مجتمعات نضجت وتمكنت فيها قيمة الحرية! وتجاوزت شبهة عبادة الأصنام الفردية والأساليب الوثنية الإستبداية في الحكم!! او كنوع من الرد السلبي او التعويضي، علي التدهور المريع في مستوي الخدمات المقدمة او طرائق الحكم وممارساته! والذي تم علي أيدي النخبة السياسية السودانية الطفولية! التي تسلمت الراية من بعد الإستقلال او ما تلاها من النظم الديمقراطية المغدورة، وعجزها عن تقديم الأنموذج المرتجي تنمويا وسياسيا!! والسبب أن تلك الدعوات بوعي او بدونه، تعني ببساطة، عودة الإستعمار في نسخته المحلية الأشد تخلف ورجعية! أي الدكتاتوريات والشموليات الشرسة الدموية! او علي الأقل التبرير الخائب لإستمراريتها تحت يافطة التضليل المعهودة، المحافظة علي الإستقرار والأمن!! والنتيجة التنمية المشوهة المتحالفة مع الفساد، والعرقلة السياسية والتثبيط لأي نضوج او تربية ديمقراطية حقيقية!! والأسوأ أنها تربط بين الحرية والفوضي، وتاليا تقليل الطلب علي الحرية لدي الجماهير او تزييف وعيها عبر الطعن في قيمة(شرف) الحرية. أي الفصل المتعسف بينها وبين الإستقرار! ومعلوم أن تجريد التنمية من الحرية، هي آلية بدائية مخادعة وسبيل لتشويه التنمية ومصادرة الحرية!! وهذا ناهيك عن أن هذا المسلك، يبرر التنصل من مسؤولية الحرية والمحافظة عليها ودفع تكاليف حمايتها!! لدي هؤلاء المدافعون بصورة خفية عن الإستبداد، سوي في صورته الناعمة الخارجية او الخشنة الداخلية!! والسبب الحقيقي لدفاع هذه الشريحة، عن الإستعمار كمدخل للدفاع عن الإستبداد! أن مصالحها الإقتصادية/الإجتماعية/التميزية، مرتبطة إرتباط عضوي او وثيق بمناخ الإستبداد القائم او هي الوجه المخادع للإستبداد!! حتي ولو عكرت صفو هذه العلاقة الآثمة بعض التوترات او المضايقات، من قبل السلطة المستبدة المتحكمة في قوانين العلاقة ووجهتها النهائية! بقصد تنبيه تيار المصالح الخاصة او الطرف الآخر الشريك في هذه العلاقة السرية! والضغط عليه من أجل تحصيل بعض المكاسب او تمرير بعض المطالب، ومؤكد أنها ضد مصالح الجماهير، كطرف نقيض لمصالح الإستبداد!! والمقصود بهذا التيار، قطاع عريض يتوزع بين بعض أطياف المعارضة والحياد في مختلف المهن والتخصصات! يرتفع صوتها وتعلو نبرتها في الدفاع الشكلاني الظاهري، عن الحرية والديمقراطية والتغيير! ولكن في سياقات السلطة المستبدة وتحت إمرتها وفي حدود مصالحها! وذلك بالطبع من أجل الإستقرار المفتري عليه!(أي أقصي وعيها بالإستقرار يتمثل في صمت الجماهير وعدم ثورتها! أي الإستقرار المعادل للإرهاب والخوف والبطش!! ولتذهب الي الجحيم مطالب الجماهير في الحرية والكرامة والتنمية العادلة وتلبية مطالبها الأساسية التي ترد لها إنسانيتها وبشريتها وإعتبارها!!) أي التغيير لديها يطال بعض الأفراد والمؤسسات، ولكنه يبتعد بقصد او بدونه، عن المس بالبنية المشكلة للإستبداد والوظائف المتشابكة التي يخدمها! والتي بالطبع يستفيد منها أولئك المطالبون بالتغيير او مطبلاتية التغيير؟!

كما أن الإشادة بالإستعمار وما وضعه من أسس للخدمة المدنية ومشروع الجزيرة والسكك الحديدية والتعليم الحديث...الخ، او البكاء علي السلوك الخيِّر لبعض المُستعْمِرين وكيل المديح لهم ولأخلاقهم النبيلة ولإنجازاتهم الفردية والوظيفية. لا يعدو أن يكون جزء من رواسب الإستعمار! أي العجز عن الفطام من الإستعمار وروحه، بسبب الخوف من الحرية وتبعاتها! وكنوع من الرغبات الطفولية في إعادة عجلات الزمان الي الوراء! والسبب في كل ذلك يرجع لتبرير العجز في تغيير الأوضاع الماثلة او دفع ثمن التغيير المكلف! وأسهل طريق الي ذلك، هو الهروب الي متخيلٍ زاهٍ، يحاكي بكاء التيارات الإسلاموية علي مجدها الغابر(الذي يُعاد تجميِّله وتنزيِّهه وتبرئته أولا ومن ثم محاولة إستعادته المستحيلة!!) وبمعني آخر، إن الذهنيات والنفسيات التي تتحكم في هذه التيارات واحدة، حتي ولو كان البون شاسعا بين دعواتها الليبرالية او الديمقراطية او الإسلاموية او القومية العربية والأممية!! وبقول أكثر وضوح، أنها تستعيض عن بذل الجهد في تفسير الواقع وتحليله وتاليا بنائه وتعميره، وفق قوانين الواقع ومعطياته وممكناته! باللجوء الي الحلول السحرية والأبنية الجاهزة، سوي عبر إستعادتها تخيليا من الماضي أو عبر تبني إيديولوجيات مكتملة بذاتها ومتعالية علي التجربة والأخذ والعطاء! أي سيطرة العقل السحري او التخيلي الرغبوي علي العقل التجريبي العملي الواقعي المتدرج الي أعلي بثبات!(للمفكر السوري يس الحاج صالح توسع مهم في هذه النواحي). ولكن هل هذا القول يجرد الإستعمار من تأثيراته الإيجابية او الأفراد المستعمِرين من قيمهم الخيرة!! بالطبع هذا ما لا يجوز وبغض النظر عن الموقف من المستعمر! ولكن المقصود، أن إنجازات المستعمر وأفراده، كانت أبعد من أن تتقصد تطوير البيئة المحلية والإنسان المحلي! ولكنها تصب تحديدا في تعظيم فوائده وإختصار زمنه! بمعني أنها نتائج عرضية لأهداف الإستعمار الأصلية او ثمن بخس للحصول علي الجائزة الكبري!! أما ما يخص السلوك الخير لبعض المستعمِرين، فنجده يأتي في سياق الإستعمار وعبء الرجل الأبيض! أي سلوك مجرد مد رد قيمة الحرية والكرامة للمستعمَرين! أي كجزء من آليات تشويه الوعي بحقائق الإستعمار! ومعلوم سلفا أن الدول الإستعمارية، تستبق عمليات إستعمارها الفعلية، بمعرفة مسبقة عن المجتمعات المراد إستعمارها(حملات التبشير نموذجا)، وعلي ضوءها يتم تلقين او توجيه ممثلي الإستعمار بطبيعة تلك المجتمعات، وكيفية التعامل معها!! ولكن كل ذلك لا ينفي وجود جوانب إنسانية وخيرة لدي كل المجتمعات والأفراد والطبقات، وبما فيها المجتمع اليهودي غصبا عن عمليات شيطنته التي يتعرض لها، ورغما عن الممارسات العنصرية الطاغية علي مدي التاريخ اليهودي وصولا لإحتلاله البغيض للدولة الفلسطنية! وبتعبير محدد، منح الحرية والكرامة كحق إنساني أصيل، مقدم علي التعامل الفردي الخير وغيرها من الإيجابيات الإستعمارية! ونفس الشئ ينطبق علي بعض الحكاوي والمواقف النبيلة التي تنسب لكثير من الدكتاتوريين وزبانيتهم، علي سبيل أوهام التوثيق والصدق مع النفس لبعض المستفيدين! فهي كذلك تندرج في سياقات إستبدادية، مُجرِّدة سلفا للآخر من حقه في الإختيار والمحاسبة والمنافسة علي المنصب الذي يشغله المستبد، أي كند كامل الأهلية! أي يتم وضعه في خانة الأدني وغير المؤهل والقاصر، الذي يحتاج لرعاية وخبرة وعبقرية وإنجازات المستبد! وما يوهمنا الموثقون بأنها أفضال يمُن بها عليه!! لذلك ينطبق عليها نفس الحديث السابق، أي منح الآخر حقه في المنافسة والإختيار والمحاسبة، مقدم علي أخلاقيات وتهذيب المستبد العادل!! كما أنه ليس هنالك ضامن لهذه الخيرية المزاجية، أي يمكن أن تنقلب الي الضد! بمجرد مس الآخر، بقداسة سيادته او شكك في سلطته وشرعيته وإطلاقيته!! أي خيرية غير مؤسسة فوق أنها ليست مبدئية!! والقصد هو، توفير الحرية والكرامة كحقوق طبيعة مقدسة، وفي سياقات من الحرية العامة والحقوق العامة، في دولة العموم او الكافة. وليس التعويل علي سلوك ومنح وعطايا الأفراد المكرسين للإستبداد، من باب الشهامة والكرم الفياض! كنوع من خداع الذات والتكفير عن الذنب، او خداع الآخر للتعايش مع الإستبداد وتبريره!! لأن الإستبداد/الإستعمار نفسه يشكك في أي قيمة خيرة تصدر عنه لمخالفة ذلك لطبعه!!
وبالعودة لخرافة مشروع الجزيرة والتعليم...الخ(كلمة خرافة قد تكون صادمة للكثيرين، ولكنها نابعة من غياب ربط الأهداف بالوسائل بالحاجات المحلية، أي غياب الأهداف الوطنية التي تتوسل الوسائل الممكنة مع مراعاة درجة التطور او الإبتعاد عن القفزات في الظلام!! ولا يعني ذلك فرض العزلة الداخلية ورفض المنجزات الحضارية! ولكن المعني، إستيعاب المستحدثات في معناها الشامل سياسية إدارية تنموية معرفية ...الخ، ومن ثم توظيفها لمعالجة المشاكل المحلية والتقدم بثبات نحو التطور التدريجي! بمعني الإستفادة من منجزات الحداثة لمقاربة الواقع وتعديله او تنشيطة وليس نفيه او إنكاره او التعالي عليه! وهذا ما فقد في هذه المشاريع او الخدمات او الأسس الحداثية المشوهة او الحداثة الفوقية لوجاز التعبير أي حداثة الأفندية الجدد!) ويصبح نصيبنا من آثار حداثتها، البكاء الحار علي ما أصابها من تدهور! وتحميل المسؤولية الكاملة للدكتاتوريات، وبالأخص نظام الإنقاذ الإجرامي! بوصفه من أجهز عليها نهائيا! كنظام يمثل الوجه الآخر، لعيوبنا وسلبياتنا وتجردنا من الإنسانية وتحررنا من الإلتزامات الوطنية وميلنا للفساد، او الجانب المظلم من قابليتنا للإنحراف!! وأعتقد أن السبب فيما آلت إليه تلك المشاريع والمؤسسات, وكما موضح أعلاه، يعود الي أنها تهدف الي خدمة أغراض إستعمارية بإمتياز، أو صممت من أجل تلبية حاجات إستعمارية في صمميم مركزيتها العالمية، أي لإشباع آليات الراسمالية النهمة، والساعية للربحية والمنافسات الإمبراطورية! وليس لتطوير وترقية البيئة المحلية! بتعبير آخر، إن التدهور بدأ ليس بسبب سطو العسكر وهذا مؤكد، ولكن بسبب غياب الأهداف الوطنية والرؤية الإستراتيجية التي تخدمها تلك الوسائل(مشاريع مؤسسات خدمات، بعد تعديلها او تكيِّفها لتناسب وظيفتها الجديدة!)، والنتيجة تحويلها من وسائل لخدمة أهداف غائبة أصلا! الي وظائف مدرة للدخل والمكانة الإجتماعية، وكمدخل لتملك الدولة بصورة فردية او حزبية او قبلية!! أي أصبحت الدولة السودانية جسد من غير رأس! او قطار يسير من دون وجهة او محطة نهائية!! وهذا بدوره يقودنا لجذور الأزمة الوطنية الشاملة منذ فجر الإستقلال، وهي أزمة سببتها او تسببت فيها الطبقة السياسية السودانية، وهي أزمة ذات شقين!
أولا، أنها حاولت التخلص من الإستعمار وآثاره، بنفس آلياته وذهنيته ونفسيته، أي حلت محله في رؤيتها لبقية الجماهير، كطبقة مميزة عليها واجبات ثقيلة تجاه الجماهير! ما يمكن تسميته بعبء الطبقة السياسية!! وتاليا فهي متعالية علي الجماهير وأدري بمصالح الجماهير من الجماهير نفسها! أي مسفهة لخبرات وتقاليد وممكنات الجماهير، وقدرتها علي معالجة إشكالاتها في ظروف محيطها وتطلعاتها. ومما فاقم هذا الإحساس المتضخم للذات والمضلل لوعيها وحدود إمكاناتها تبعا لذلك! تلقيها تعليما حديثا شكليا وفارغ مضمونيا، أي تعليم مجرد من الفعل النقدي البنائي المستنير في بعده الإنساني القيمي! وفي نفس الوقت كثير الإهتمام بالمكاسب الشكلية والإنتفاع المادي الإجتماعي العاجل! كالحصول علي لقب متعلم مثقف مفكر مبدع دكتور غني...الخ، بغض النظر عن المردود الإنجازي الخدمي او الفائدة التنويرية الوطنية! وأيضا التدريب علي إدارة الدولة، الذي تلقته علي يد المستعمِر، (أوهمها) أن تعتقد أنها شاركته الخبرة والمعرفة الإدارية الكافية (إن لم نقل المتجاوزة له كنوع من غرور النخبة!) وتاليا الإحتكار لإدارة الدولة، بعيدا عن الرقابة والخيارات الحقيقية للجماهير، وذلك عن طريق عزل الجماهير عن السياسة وشغلها بتدبير لقمة العيش! والأسوأ إختزال السياسة في لعبة أوراق إنتخابية كمية، عمادها الشعارات الجوفاء والحشود المطيعة! إضافة الي ضرب حاجز من العزلة الطبقية والترفع الإمتيازي بينها وبين الجماهير، يتأسس علي إستدامة نقص الوعي والمعرفة والأهلية لدي الجماهير!! بتعبير آخر، تكريس قلة الوعي بحق او دونه، يصب تلقائيا في مصلحة النخبة السياسية، وتاليا يمنحها صك مجاني للحكم والقيادة والتميز الي الأبد!! أي كسلالة الملوك والنبلاء والأمراء والخلفاء وتخفيفا العمد والمشايخ، الراكزة تاريخيا في وعي كل من يتطلع للقيادة في هذه المنطقة من العالم!! لذلك يندر أن نجد كلمة إستقالة او إعتذار عن السلطة او المناصب العليا لدي افراد هذه الطبقة! أي يعرفوا بالمنصب ويزدان المنصب بهم!! او لا يكتمل إحترامهم لذاتهم إلا وهم ينظروا للآخر من أعلي!!

كل هذه الممارسات قادت بدورها للشق الثاني من الأزمة، وهو تضخيم السياسوي علي حساب التنموي! بمعني آخر، عدم ربط السياسة والهم السياسي بمشاريع تنموية حقيقية، تخدم الجماهير المتطلعة للإنعتاق من دائرة الفقر والحرمان والجهل والمرض! وهذا بدوره أسس للفهم السيئ للسياسة، من آلية فعالة لإدارة الخلافات وتلطيف الصراعات وإفساح المجال للتنافس السلمي والعادل بين المجهودات والرؤي الخدمية، والتطلع المفتوح والمشروع لأصحاب المواهب القيادية والتنظيمات السياسية، في الوصول الي السلطة عن طريق الشرعية والرضاء العام! لتؤول الي مجرد وسيلة رخيصة، للتكسب السهل والصعود المجاني بإمتلاك السلطة والنفوذ، عبر فصاحة اللسان والتلاعب بمشاعر الجماهير والتحليق بها في سماء الوعود الخلابة، المنافية للواقع وحجم القدرات المتاحة!! وبكلام واحد، أصبحت السياسة ذات معني واحد وضيق، وهي التطلع الي السلطة والوصول الي الحكم والتمتع بالإمتيازات كغاية! ومن غير إلتزامات خدمية او حتي أدبية تجاه الجماهير!! أي تم تجريد السياسة من أي أبعاد تنموية او توعوية، او ذات إتصال بالواقع وإشكالاته، لتستمد منه طاقتها الإبداعية ووظيفتها الحضارية! وتاليا تردت عدتها ومقوماتها الي أساليب الفهلوة والحداقة واللعب علي المبادئ والمثل او الإستثمار العاطل/ العاطفي في الموروث الديني، او الإرتماء في أحضان الإرث العائلي!! وأضحت مدخل للتعالي علي الجماهير وفرض الأستاذية والفهم الوصاية عليهم! وحتي الإستثناءات البسيطة التي حاولت الوصول الي الجماهير والإتصال بهم وتلمس مشاكلهم، أصابها داء إحتكار صوت الجماهير او إحتلالها خانة الوعي والنضال او الممثل الشرعي والوحيد للجماهير الكادحة! أي خلطت بين نشر الوعي من أجل التغيير الفردي والعام وبين توظيف الوعي في خدمة مشاريعها السلطوية! أي سعت لتأبيد الوعي المفضي لتأبيد السلطة! بمعني، المطلوب نوع من الوعي الجماهيري، الذي يمكن تلك المجموعة من الوصول الي السلطة والسيطرة عليها والتحكم بها وبالجماهير نفسها! والحال كذلك، هل السلطة في خدمة الجماهير أم الجماهير وهمومها في خدمة السلطة؟!

وزيادة هاجس السياسي علي التنموي، أفرز بدوره واحد من أكبر عيوب الممارسة السياسية السودانية، وهو تحول السياسة الي وسيلة ملتوية والسلطة الي غنيمة معارك سياسية، بعيدا عن الإنجازات الخدمية وتلبية تطلعات الجماهير او إحداث نقلات نوعية في حياتها وأساليب عيشها او دفعها للتقدم الي الأمام ولو بأي درجة! وتاليا إنحسرت المصداقية في العملية السياسية والإحترام للسياسيين من قبل الجماهير! ومعلوم أن الثقة الشعبية تمثل الأرضية الأساسية لتكامل الأدوار السياسية والوصول بها للنتائج المرجوة منها. أي أصبحت اللعبة السياسية من غير جماهير او معايير تحكمها، وآلت الي لعبة صبينة او حلبة ملاكمة، يتطلع كل فصيل للوصول الي السلطة عبر الضربة القاضية التي يسددها لخصومه، وكلمة فصيل نفسها تحيل مباشرة الي الرئيس او القائد الذي يحتكر الفصيل ويمثل ويعبر عن كل شركاء فصيله!! أي لا يحتمل أي فصيل وجوده او دوره خارج دائرة السلطة والنفوذ والرئاسة! أي عانت الدولة السودانية طوال تاريخها، من متلازمة غياب السلطة المسؤولة والمعارضة الوطنية التي يشغلها الإصلاح!! وهذا قاد الي غياب التوافقات السياسية، او تقديم التنازلات من قبل الفرقاء، لأجل تشكيل عقد سياسي إجتماعي يستوعب كافة الشركاء الوطنيين، لمصلحة بناء نظام ديمقراطي حقيقي السلطة فيه للشعب! ومعني بالتنمية الحقيقية وبناء المواطن الحر في الداخل. وظهر ذلك التنافر المشين بصورة سافرة، عقب إنتهاء فرحة الإستقلال، وبصورة أكثر شراسة وسفور عقب إنتفاضتي أكتوبر وأبريل! إستدراكا، النظم الشمولية والديكتاتورية خارج المشروع الوطني الديمقراطي أساسا، والإشارة إليها فقط كعائق لبناء المشروع الوطني الديمقراطي وإستحالة تحققه في ظلها! وأيضا كإختبار لشريحة كبيرة من النخبة السياسية ومدي إلتزامها بشعارتها الديمقراطية ومطالب الحرية وخدمة الشعوب المتحدثة بإسمها ليل نهار!! وإنتماءها لهذه الشموليات، يعني خيانتها لدورها وشعاراتها إبتداءً! وتاليا لا مجال للتبرير او إضاعة زمن في هذه الجزئية!! إلا كواحدة من المآخذ الكثيرة علي هذه النخبة المتردية! وإحباطات الطبقة السياسية السودانية! وعموما هي فرصة ذهبية لإعادة النظر في فشل التجارب السابقة، والتهاون في شأن بناء التوافقات وقبول الآخر، ورد الإعتبار للسياسة والتنمية علي حساب هم السلطة وإمتياز الحكم!! الشئ الذي مكن العسكر(الفاشل بطبعه وتكوينه في التعامل مع الشأن السياسي إلا بعد فك الإرتباط بالمؤسسة العسكرية وتحرر الفرد من ضغوط تراتبيتها وأوامرها ونواهيها وخصوصا ما يسمي بالطاعة العمياء وعدم الإعتراض أو إستهجان الحوار والجدل كأهم آليات السياسة وميلها للإندفاع والتهور!!) من الإنفراد بالشأن السياسي طوال تاريخنا الوطني! وتاليا مصادرة السياسة وتعطيل مراكمة الخبرات الديمقراطية، وتنمية الخراب والخوف والجوع والإرهاب الداخلي، وتحويل البلاد الي معسكر للحرب علي الأطراف، ونهب الدولة وقهر البسطاء وإستنزافهم بالقانون!! المهم غياب التوافق السياسي وتقديم تنازلات جدية، من أجل بناء أرضية تستوعب الجميع، والنزوع للخلافات والإستئثار بالسلطة كغاية! بعد تجريدها من بعدها التنموي الخدمي! كان دائما الرهان الأكثر خطأً! ولكن من الظلم بمكان، لصق هذا العامل(غياب التوافقات السياسية وتغليب المغالبة الفئوية او الفردية او الطبقية علي المشاركة الجماعية!) بالطبقة السياسية السودانية. فأحداث الربيعي العربي بدورها، أثبتت أن الطبقة السياسية في كل المنطقة العربية، تعاني من نفس العلل والإشكالات، وإن بدرجات متفاوتة، تتناسب وطبيعة كل بلد وظروف كل مجتمع!

ونخلص من ذلك، الي أخذ العبرة والإعتبار من ذكري الإستقلال في كل عام، وذلك عبر تحويلها من طقس إحتفائي/بكائي، الي ربطها بوضع أهداف محددة وتقييمها عند نهاية كل عام، من أجل معرفة تاثيراتها او تعديلها او التخلص من الأخطاء والقصور المصاحب او إستبدالها بأهداف أكثر واقعية وإرتباط بهموم ومصالح الجماهير. أي علي التنظيمات السياسية والمعارضة بالتحديد، التعامل مع ذكري الإستقلال بصورة أكثر جدية وعبرة من هذا التاريخ المؤسف! وذلك أولا، عن طريق رد الإعتبار للتنموي علي حساب السياسي، او إحداث توازن بينهما. أي المطلوب رد الإعتبار للسياسي صاحب الرؤية الإستراتيجية والخطط التنموية الإقتصادية والأهداف الواضحة والعملية. علي حساب السياسي الحركي او المحترف للسياسة كمهنة أصلية! او علي الأقل، الإهتمام بمراكز البحوث او دور العصف الذهني بصورة مركزية، وتقدير إسهاماتها ووضع مساهماتها موضع التنفيذ او الإهتمام الجاد. بعد صبغها بالصبغة السياسية(وظيفة السياسي، أي إيصالها للجمهور العريض بطريقة مقنعة، كشركاء لهم حق التغذية الراجعة). وذلك بالطبع لن يتم، إلا بعد حلولها محل العقل المدبر للشأن السياسي والسلطوي، ومنحها ما تستحق من حرية وتمويل وتزويدها بكفاءات مقتدرة.

وثانيا، تبني أهداف ذات محورين، أولا بعد إستراتيجي/سياسي لا يتعلق بالجهاد الأصغر أي إسقاط النظام او إجباره علي الرضوخ لمتطلبات الإرادة الوطنية فقط! ولكن عبر بناء برنامج سياسي تنموي طموح، يهتدي بمنجزات الحداثة، ويستوعب الحد الأدني من تطلعات كل الشركاء الوطنيين، وفي نفس الوقت لا يتصادم مع الموروثات المحلية الثقافية والحياتية! بمعني الغرض من التغيير، هو الإرتقاء والتطور، وليس الإستعلاء والنفي والإقصاء المعنوي والمادي! والمحور الثاني، ينحو نحو عدم إنتظار التغيير، للربط ما بين السياسي والتنموي/الخدمي! أي بإعتبارهما أحد مداخل التغيير المنشود! وهو يتعلق مبدئيا بتحسين الخدمات وإزالة الأوضاع غير الإنسانية وغير المحتملة المحاصرة للجماهير! عن طريق العمل التطوعي المدني، في الداخل(عمليا) والخارج(ماديا). بواسطة كوادر الأحزاب السياسية المهنية في كل التخصصات، بتوجيه من أحزابها او بمبادرات ذاتية منها تستوعب غير المنظمين.
لمواجهة إشكالات آنية، تواجه الطبقات الأشد فقرا وهي الغالبية، وليس في مقدورها إنتظار التغيير(وهي وسيلة فعالة لتذكيرها بأهمية التغيير وربطه بقضايا أكثر إتساع وشمول أي توسيع الإهتمام من النطاق الخاص الي النطاق العام الذي يستوعب الخاص بصورة جذرية!)، ويُفضل أن تستهدف هذه المبادرات المسائل العلاجية والبيئية والتعليمية، مثلا عبر إنشاء مخيمات علاجية وأدوية مجانية والإتصال ببعض الإختصاصيين لمعالجة بعض الحالات المستعصية ...الخ وفي جانب البيئة القيام بحملات النظافة والتشجير ورفع الوعي البيئي للمواطنين، وتأثير ذلك علي صحتهم ومزاجهم. ونفس الشئ ينطبق علي التعليم وإستعادة الكورسات الصيفية المجانية...الخ. لأن في هذا المسلك ليس وأجب وطني وإنسان فقط! ولكن فيه ربط بين السياسي والتنموي/الخدمي، هذا من ناحية. ومن ناحية أخري، رد الإعتبار للسياسة، كوسيلة للتغيير والتجديد والتحسين، في وعي العامة. أي آلية للإفادة العامة، وتاليا تشجع علي إنخراط أكبر قدر من المواطنين في أنشطتها، او التعامل معها من موقع وعي ومسؤولية، أي تجريب وقياس عيني وعملي. مما يسهل الإختيار الواعي بين البرامج المطروحة لأكبر قدر من المواطنين! وإنعكاس ذلك علي ترقية الخدمة السياسية المقدمة من قبل السياسيين. بمعني آخر، تطور وإرتقاء البيئة السياسية العامة والشعبية ينعكس علي قوة المنافسة السياسية ونضوج البرامج المطروحة، والعكس صحيح! وهكذا كل عام يتم التقييم لهذه النشاطات، وتاليا يصبح الإحتفاء بالإستقلال مسؤولة عامة وفردية، وفرصة لمزيد من التجديد والتجويد وزيادة إرادة النهوض والتقدم في نفوس الكافة عاما إثر عام. وهذا غير أنه يعمق من معاني الإستقلال وطلب الحرية والمحافظة عليها ليس في الداخل فقط! ولكن في أفق إنساني أكثر رحابة ومشاركة وجدانية للآخرين! إضافة إلي أنه يضع حائط صد سميك ومنيع ضد الإرتدادات الإستبدية بجميع تلوناتها، او مصادرة الحريات وتكميم الأفواه، او تبرير الإستغلال والإستفراد بموارد الدولة والتلاعب بمشاعر وحاجات المواطنين!!

وهنالك جانب أكثر أهمية لإنخراط الكوادر السياسية في هذه النشاطات مبكرا او آنيا(وعند حدوث التحول الديمقراطي قريبا بإذن الله، الذي يجب أن تستمر خطواته بالتوازي مع الجهود الآنية، لتكون جاهزة لحمل الراية) أولا، لأنها الحوامل التي يقع عليها حمل أعباء التغيير. وثانيا، إرتباطها بالواقع الحقيقي المراد تغييره، مما يمكنها من تغيير كثير من مفاهيمها المسبقة او الطوباوية، وإستبدالها بأخري أكثر واقعية وفاعلية! أي الإبتعاد عن التنظيرات السياسية من علي البعد، بوصفها احد مقاتل العملية السياسية، وسبب هام لنفور الجماهير منها! مسهلا تمكن أهل القصور السياسي(العسكر والشموليات) من العملية السياسية، في مخالفة صريحة للواجب وخيانة للمنطق والوطن!

وثالثا، ربط السياسي بالتنموي سيكون فرصة، للفرز بين السياسي الحقيقي المؤمن بالتغيير وتحديث الحياة وتحسين أحوال الجماهير، وبين السياسي المحترف الذي يعتاش من الكلام المنظم وتوظيف التناقضات المجتمعية، لأجل تعظيم مصالحه الشخصية! وبتعبير آخر، تحويل السلطة الي وأجب ومهنية ومسؤولية، بدلا من أيلولتها الي إمتياز ومكانة سطحية وعطالة مقنعة ومكاسب مجانية!!

رأبعا، القابلية لبناء التوافقات السياسية وقبول الآخر والمشاركة في السلطة والإيمان بتداولها سلميا. أي النضوج السياسي والإجتماعي، الذي يتمظهر في هذا القبول والتلاقي وبناء التوافقات، بالنقيض من النفور السياسي والرهبة من الآخر ومحاولة إقصائه والتمتع بالإمتيازات بشكل حصري! أي رد الإعتبار للعمل المؤسسي الجماعي وللتميز الجماعي، ونبذ التميز الحصري والفردي المتعالي علي الآخر! والتوافق فيما يعني، الفصل بين الأهداف الوطنية المتمثلة في المحافظة علي الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية، والتنمية الشاملة والمستدامة. وبين الآليات والوسائل المؤدية الي هذه الأهداف. وبتعير ثانٍ، إذا كانت الرغبة من العملية السياسية هي تحسين أحوال الجماهير ووضع البلاد في طريق التقدم والرخاء، فالمسألة(بناء التوافقات) من السهولة بمكان! أما إذا كانت الغاية من العملية السياسية هي السلطة حصريا، كما هو حادث تاريخيا! فعندها لا مكان لا للتوافقات او الشراكات او إحترام الآخر! وأن ما ينجز منها يظل هشا وغير مبدئي! وينتظر فرصة للإنقضاض عليه من قبل أحد الفصائل! في شكل إنقلاب عسكري وبيان رقم واحد! وتاليا السيطرة المتخلفة علي الفضاء العام وإعادة الدوران في الحلقة المفرغة إياها!! أي سيطرة قلة علي السلطة والثروة والسياسة والإجتماع، او القصور الباذخة، في مواجهة صحاري وكهوف تسكنها الأشباح او أشباه المواطنين!!

وكل ذلك لا ينفي ضرورة رد الإعتبار، لأولئك الذين بذلوا الغالي والنفيس، في سبيل الوصول الي الإستقلال وما تلته من مراحل في سبيل هذه القيمة التحررية الغالية. بل لكل من ناضل من أجل تبصير الجماهير وتمكينها من مصالحها، عبر الدفاع عن الديمقراطية والحرية في معناها الشامل. وذلك من أجل زرع قيم النضال والتصالح مع الصالح العام، وإدراجه في صميم الثقافة التلقائية او العفوية لدي النشء او لإعادة تربية الضالين! آمين!
كلمة أخيرة: مواجهة نظام كارثي كالإنقاذ، لأ تحتاج للإلتفاف والتوحد وأخذ العبر من الإستقلال فقط! ولكن لإستنفار كل الطاقات والدخول في حالة طوارئ وإنتباه مستمرة حتي يتحقق المراد!! وكل عام وأنتم أكثر إستقلال!
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 962

التعليقات
#1181527 [ابومحمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2015 11:16 AM
ياخي لاداعي لهذا الكلام الكبير والذي قد يستعصى على المواطن العادي فهمه واستيعابه والذي يمكن ان يكون مدخلا لخطب واقوال يتناقلها ويتنافس فيها السياسيون واصحاب الفكر والنظريات التي حقيقة لاتغني ولاتسمن من جوع وانما ابراز للعضلات الثقافية ان جاز التعبير وفهم الاستقلال ومايترتب عليه ويحتمه من التزام ومسؤليات على الحاكم والمحكوم تحكمها وتعززها الوطنية لترجمتهالمشروعات واعمال تحقق العزة والكرامة للوطن والمواطن وان التركيز على احدهما دون الاخر يفرغ تلك المشروعات من اهدافها ومراميها غالعزة والكرامة تعني الاستقلالية للوطن والمواطن والحياة الحرة الكريمة وان اللوج في السياسة بمفهومها العصري والذي يقوم على الصفوة والتميز امر يفقد العمل الوطني مراميه واهدافه ويزكي روح الانا فيقسم المجتمع الي صفوة تحكم ومحكومين ملزمين بتقديم فروض الطاعة والولاء لهذه الصفوة خيارا ام قوةوهذا مايعيشه الوطن والمواطن الان بعد 59 عاما من الاستقلال فروح الاستقلال واستشراق تلك الروح تحتم على الجميع حاكم ومحكوم ان يكون صاحب الوجعة وعندها سيتحقق الاستقلال ويجني الشعب ثماره و تتحقق العزة والكرامة والاستقلالية وهي الهدف والمحصلة لمعنى الاستقلال الحقيقي والذي لانستشعره الان بل نعيش في اوضاع اقسى من حالة الاستعمار وما اقساه ان يجد المواطن نفسه مستبعد من بني جنسه والوطن يهوى في مهاوي الزل والهوان والشعوب من حولنا تتقدم وتزدهر وتعيش اسمى وانقى معاني الحرية بالرغم من حداثة استقلالها وذلك لان الحاكم والمحكوم فهموا واستعوبوا الدروس وتشربوا بروح الاستقلال واصبحوا اصحاب وجعة



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة