الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الحفر في الذاكرة… حكاية الهربة والقمندان
الحفر في الذاكرة… حكاية الهربة والقمندان
الحفر في الذاكرة… حكاية الهربة والقمندان


01-16-2015 08:38 AM

شهاب غانم




عام يعرف عند الجيل السابق في مدينة عدن بـ «سَنَة الهَربَة». فقد تناهى إلى سمع سكان عدن في تلك الفترة أن الطائرات الحربية لإيطاليا، التي كان يحكمها موسوليني المتحالف مع هتلر، كانت تنوي قصف ميناء عدن والقاعدة العسكرية البريطانية فيها، فقد كانت عدن مستعمرة بريطانية مهمة في ذلك الوقت. فقرر كثير من سكان عدن مغادرتها إلى المناطق الريفية خارج عدن.
جدي السيد عبده غانم الهاشمي رحمه الله (1883- 1956)، وكان تاجرا بارزاً، لجأ مع زوجته وأطفاله الصغار إلى قرية الحمراء (أو الحمرة كما يلفظها أهلها) في سلطنة لحج، أكثر محميات عدن الغربية تطورا، التي تبعد عن عدن أقل من 50 كيلومتراً، وكانت عدن قد انكمشت مكانتها التاريخية المهمة وصارت قرية صيد سمك تابعة لسلطان لحج عند الاحتلال البريطاني لها عام 1839. وكانت زوجة جدي في الأصل من قرية الحمراء التي معظم سكانها من آل شهاب الهاشمين (أو السادة كما يُدْعَون) وإليهم تنتمي الزوجة، وآل الحرسي. أما والدي الشاعر محمد عبده غانم رحمه الله (1912-1994)، وكانت وظيفته يومئذ مفتشا (أو ضابطا) في إدارة المعارف، فقد أخذ زوجته وطفله قيس، شقيقي الأكبر، ذا العام الواحد وبعض الأهل إلى الحوطة عاصمة لحج وسكن في منزل صغير في مدخل الحوطة، كان يمتلكه صديقه الأمير أحمد فضل العبدلي (1884-1943) شقيق السلطان ونائبه، وهو المعروف بلقب «القمندان»، وهي كلمة معربة للكوماندنت، أي القائد العسكري.
والقمندان هو الذي بني بستان الحسيني واستجلب له بذور بعض الفواكه من الهند، وهو مؤلف كتاب «هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن»، وهو مؤلف وملحن عدد كبير من الأغنيات اللحجية، التي تعد اليوم من كلاسيكيات الفن اللحجي مثل الأغنية التي مطلعها: «يا ورد ياكاذي/ ياموز يا مشمش ويا عنبرود/ يا بلبل الوادي/ لك خد شامية وعين الهنود». ويمكن القول إن القمندان هو الذي أسس فن الأغنية اللحجية الحديثة. وكان الرابط بين والدي والقمندان حب الشعر والموسيقى، وقليلون يعرفون أن القمندان لحن كلمات أغنية من تأليف والدي وعزفها في حضوره في مجلسه الخاص، فالقمندان كان لا يعزف إلا في حضور خاصة خاصته، بسبب النظرة الدينية والمجتمعية الدونية نحو من يمارسون العزف والغناء في تلك المرحلة الزمنية، وقد أشار شقيقي الأصغر الأستاذ الجامعي الطبيب الفنان نزار غانم إلى هذه الواقعة في كتابه «أغنيات الشاعر اليمني محمد عبده غانم» المنشور عام 2010.
وعندما توفي القمندان عام 1943 رثاه عدد من المثقفين في عدن ولحج وأصدروا كتابا يحوي تلك المراثي بعنوان «دموع الأربعين»، ومن ضمن من رثوه جدي رجل النهضة و التنوير في عدن المحامي الصحافي محمد علي لقمان رحمه الله (1898-1965) الذي رثاه نثرا، ومنهم والدي الذي رثاه شعرا. ومما قاله:

الشاعر الغريد يغدو صامتا
من بعدما ملأ الفضاء هديلا
لهفي على الألحان بعدك ضيعت
وغدا صداها في النفوس هزيلا

ويبدو لي أن أهل الفكر والأدب والإبداع غالبا ما يسارعون إلى رثاء أهل الفكر والأدب والإبداع عند رحيلهم شعرا ونثرا، وهو أمر لا يحصل كثيرا عند رحيل أهل الثروة والنفوذ والجاه، فهؤلاء قد لا يرثيهم لا أهل الثروة ولا أهل الأدب.
ولا شك عندي أن والدي قد استفاد من تجربة القمندان في تأسيس أو تطوير الفن اللحجي، فبعد عودته من الدراسة في جامعة لندن، حيث حصل على دبلوم المعلمين في عام 1949 قام بتأسيس ندوة الموسيقى العدنية بالتعاون مع الفنان خليل محمد خليل (1917-2009) الذي كان عازف العود والمغني، وكان يعمل مديرا للسجن المركزي لعدن في مدينة كريتر. وكان معهما مجموعة صغيرة من الزملاء المثقفين والمتعلمين العدنيين أمثال عبده ميسري (عازف الكمان) وحامد خليفة (وكان واحدا من الذين درسوني في المدرسة الابتدائية، بل كان أستاذ الفصل في أول سنة التحقت فيها بالمدرسة عام 1948 وكانت مدرسة السيلة بكريتر) وياسين شوالة (وكان يمتلك ويعمل في مختبر طبي) ووديع حميدان ومحمد معتوق مكاوي كما أتذكر. وقدم والدي لخليل محمد خليل كلمات أول أربع أغنيات عدنية، والأولى كانت بكلمات فصحى ولم تجد تجاوبا جماهيريا، ولكن أغنية «حرام عليك تقفل الشباك» باللهجة العدنية نجحت نجاحا منقطع النظير، ويمكن اعتبارها أول اغنية عدنية مشهورة، وقد أعاد غناءها كثيرون باللحن نفسه ومازالت تسمع من إذاعات وتلفزيونات اليمن المختلفة. وكانت كلماتها كما يلي:

حرام عليك تقفل الشباك
والقلب يا صاحبي يهواك
والعين تنظر وتتمناك
حرام عليك تقفل الشباك
إن قلت باصبر عليك يا زين
ما اقدر على فرقتك يومين
الصبر دا سيف ابو حدين
حرام عليك تقفل الشباك
نسيت أيام ما كنا
نشرب ونلعب ونتهنى
والعود يعزف على المغنى
حرام عليك تقفل الشباك
نسيت يا خل ما قد كان
بيني وبينك من الإحسان
ما هكذا تفعل الخلان
حرام عليك تقفل الشباك
يا ورد يا فل نيساني
متى يعود حبنا ثاني
حاشاك يا خل تنساني
حرام عليك تقفل الشباك

وكانت ندوة الموسيقى العدنية كثيرا ما تجتمع في منزلنا في بداية عهدها، إذ لم يكن لها مقر، وكنت أنا وشقيقي قيس عندئذ من نقدم لأعضائها المرطبات، ثم نجلس أحيانا في حلقتهم نستمع. وقد سجلت الندوة تلك الأغنيات الأربع في اسطوانات باسم شركة سمتها كايافون.
وللحديث صلة..

كاتب من الإمارات
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 745


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة