الأخبار
أخبار السودان
الذكري ال 130 لتحرير الخرطوم.
 الذكري ال 130 لتحرير الخرطوم.


01-25-2015 12:06 PM
تاج السر عثمان بابو
أسباب وعوامل نجاح الثورة المهدية (1881- 1885م)
بقلم:تاج السر عثمان
في 26 /يناير /1885م تم تتويج انتصار الثورة المهدية وانتزاع استقلال السودان من قبضة الاستعمار التركي الذي جثم علي صدر شعبنا 64 عاما سام فيها شعب السودان سوء العذاب، ونتابع في هذه المناسبة وبعد مرور 130 عاما علي تجربة انتصار الثورة المهدية الأسباب والعوامل التي أدت لي نجاح الثورة المهدية، فماهي تلك الأسباب والعوامل؟.
أولا : أسباب الثورة المهدية:-
أشار المؤرخون مثل: نعوم شقير إلى أسبابها التي تتلخص في : الظلم والعنف ، والضرائب الباهظة ، ومنع تجارة الرقيق ، والمحاباة وانتشار عقيدة المهدي المنتظر، .
كما حدد عوامل نجاحها في استخفاف الحكومة في بادئ الأمر بحركة المهدي ، والانشغال بثورة عرابي في مصر ، وضعف الحاميات العسكرية لحظة وقوع الثورة ، وضعف التسليح والتحصين وتعود الجنود على الترف والراحة وتردد الحكومة إذ أنها لم تتخذ سياسة نافذة لإخماد الثورة ( شقير 1981). ) .
ويقول د . مكي شبيكة: "وهنا يجدر بي أن ألاحظ ما كتبه المؤرخون في الأسباب التي أدت إلى الثورة المهدية ويجمعون على أن الأسباب الرئيسية هي فداحة الضرائب وتفشي الرشوة والعنت والظلم والمناداة بإبطال الرق .. وقد تكون هذه الأسباب أو كلها مجتمعة السبب في انضمام البعض إلى راية المهدي ، وقد يكون المهدي استعان بالبارزين ممن كانوا فريسة لواحد أو اكثر من تلك الأسباب لكن الناحية التي يهملونها والتي في نظري المحرك الأول للثورة هي المعتقد الديني وشخصية الأمام المهدي ".( شبيكة : السودان والثورة المهدية :1978 ،63).
إذن المحرك الأول للثورة المهدية في نظر شبيكة كان المعتقد الديني وشخصية المهدي .
ويضيف إبراهيم فوزي إلى ما سبق التدهور الخلقي ويورد مثالا لذلك القصة التي تذهب إلى أن رجلا قد زف إلى رجل في مدينة الأبيض ، وكيف أن المهدي قد ثار عندما وقف على هذا الحادث ( إبراهيم فوزي : 1319ه ،ص73 – 74 ). ) .
ويذكر ثيوبولد ( إن أسبابها تعود إلي اتساع الفتوحات بحيث صارت أكثر من الطاقة الإدارية المتيسرة وإلى طاقة اختيار الموظفين ونظرة هؤلاء إلى الخدمة في السودان وتكالب الدولة على استغلال موارد البلاد). ( Theobold: P . 29)
ويذكر محمد فؤاد شكري: أن أسباب الثورة تعود إلى إلغاء تجارة الرقيق بالقوة ومكافحة الرق والنخاسة ثم ضعف الحكومة المركزية ( محمد فؤاد شكري:1958 ،ص 271).
ويرجع الشاطر بصيلي بها إلى الضغط الأجنبي في مصر والسودان لإلغاء الرق ومباشرة الأجانب للحكم في السودان وتنكيلهم بالاهلين ( الشاطر بصيلي : 1955 ، ص 164 وما بعدها).
ويرى د . أبو سليم: ( والقضية كما نراها هي أن النقاط التي أثارها الباحثون تصف في جملتها الظروف التي تستدعي قيام ثورة أو خلق احتجاج عام ولكنها تقف دون إبراز الظروف الذاتية والملابسات التي جعلت محمد أحمد دون غيره من الناس ممثلا لهذا الاحتجاج وقائدا للثورة على الأوضاع ، وبمعني أخر فإننا محتاجون إلى مزيد من الحقائق والبيانات عن حياة محمد أحمد الأولى ومدى ارتباطه بالحياة العامة وإلى إبراز العوامل التي دفعت به من الحياة السلبية التي يمارسها المريد الصوفي إلى الحياة الإيجابية الهادفة إلى بناء مجتمع جديد ( د . أبو سليم:1970 ،ص 12)
ويتابع د . أبو سليم متابعة دقيقة وجيدة للحقائق والبيانات عن حياة محمد احمد المهدي وتطور شخصيته والتكتيكات السليمة التي اتبعها حتى أعلن الثورة وقادها بنجاح إلى الانتصار . إذن د . أبو سليم يركز على إبراز الظروف الذاتية التي تمثلت في قيادة شخصية محمد احمد للثورة إلى جانب الظروف الموضوعية التي تستدعى قيام ثورة أو خلق احتجاج عام. .
وينتقد هولت تناول شقير ومن بعده للأسباب التي تتلخص في الظلم والقهر وسوء الإدارة ظل لصيقا بالإدارة المصرية واحتمله السودانيون لمدة الستين عاما فلماذا اندلعت الثورة في عام 1881 م ؟ . ولماذا لم تندلع في وقت أسبق ؟ لماذا ضاق السودانيون ذرعا بذلك النظام في ذلك الوقت بالذات ؟ ) Holt ; 1963 , P . 67)
ويصف هولت الأسباب التي ساقها المؤرخون منذ عهد نعوم شقير بأنها عوامل للسخط والتبرم لا تكفي لقيام الثورة في الوقت الذي قامت فيه ( ( Holt : 1958 , P . 25) ، كما يحدد عناصر للنجاح الثورة تتلخص في:
1 – يواكب الشعور بالسخط العام ضعف مادي أو معنوي في النظام القائم يجعل من العسير قمع الثورة إبان نشوبها.
2 –. وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه
3 – .وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل للنظام القائم
ويقدم عبد الله على إبراهيم أمثلة لانتفاضات قامت نتيجة السخط مثل انتفاضة المك نمر التى أودت بحياة إسماعيل باشا وتمرد الشيخ البدوي في سنة 1895 وتمرد سليمان الزبير باشا في سنة 1878 ، وعصيان الفقيه إدريس وجماعة من أنصاره في سنة 1878 على النيل الأزرق ومقتله في قرية القراصة.
ومن هذا السرد يبرهن عبد الله على ابراهيم نظرية هولت ويقول ( هذه الانتفاضات المتباينة تشير إلى أن السخط وحده ليس هو الشرط الوحيد للثورة الشاملة ، ولكن بتوفر هذا السخط مع ضعف الكيان الإداري للنظام القائم مع القيادة الملهمة يبدا اندلاع الثورة . ( عبد الله على إبراهيم:1968،ص16- 17).)
كما يسرد تحلل وضعف إدارة الحكم التركي وتطور شخصية المهدي وتفاعلها مع الواقع القائم على الظلم والفساد ليصل إلى دور العامل الذاتي بجانب العامل الموضوعي ويقول ( إذا فالمهدي حين نضج السخط وساد التفكك والضعف في الجهاز الإداري – كان يهب القيادة الثورية التي ذكرها هولت ( نفسه ::ص21). )
. فعبد الله على إبراهيم هنا يوافق ويقدم الحجج التي تبرهن على نظرية هولت ..
ويصف د . محمد سعيد القدال منهج هولت في تناول أسباب الثورة المهدية بأنه منهج شمولي ويقول ( ولكن يبقي هذا المنهج الشمولي الذي يسعى هولت لإضفائه على تناوله لاسباب الثورة المهدية عاملا مساعدا في الوقوف على أسباب تلك الثورة ومراميها ( د . قدال ::1986 ، ص44-45).
ويستند قدال على منهج هولت الشمولي ويعمل على تطويره وتعميقه في مناقشة أسباب الثورة المهدية ويقدم ثلاثة ملاحظات منهجية ويحدد مصادره المنهجية في نصوص لماركس وانجلز ( الأيديولوجية الألمانية ) وبليخانوف ( تطور النظرة ألواحدية للتاريخ ) ، يوغوسلافسكي وآخرين ( في المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية ) ولينين وابن خلدون وحسين مروه .. وتتلخص ملاحظاته المنهجية والذي يرى من المهم حضورها لتصور يفسر لنا اندلاع الثورة المهدية في:
1 – مع وجود نظرية علمية محددة لحركة المجتمع ، فإن عملية التغيير الاجتماعي لاتتم بصورة ميكانيكية مبسطة وسيكولوجية المجتمع تكيف نفسها وذاتها مع أوضاعها الاقتصادية ، ولكن ذلك التكيف عملية معقدة يجعل من الضروري التمييز بين الظروف الاجتماعية لعصر معين وبين ظروف أفكاره.
2 – أفكار كل عصر لها ارتباط سواء كان سلبا أو إيجابا بأيديولوجية العصر السابق عليه ، ولهذا فإننا نحتاج عند تحليل الظواهر الاجتماعية كالثورات ، أن نراعي التناسب بين الموضوعي والذاتي ، بين الظروف والإنسان ، بين المقدمات والارادة البشرية ، بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي في أخر المطاف.
3 – الثورات تفرز أفكارا ذات طابع شمولي ، وكل طبقة جديدة تسعي لاحتلال مكان طبقة سائدة قبلها مضطرة ولو بمجرد تحقيق أهدافها إلى تمثيل مصالحها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أفراد المجتمع ، وبالتالي فهي تتصور أن انتصارها سيعود بالمنفعة أيضا على أفراد كثيرين من الطبقات التي لم تتوصل بعد للسيطرة ( نفسه:45-47).
استنادا إلى النقاط المنهجية أعلاه يواصل قدال المناقشة، ويمكن تلخيص مناقشته في الأتي : - أ – الظلم وحده لا يكفي لاندلاع ثورة ، والا أضحت عملية التغيير في المجتمع آلية بحتة .. ب – الوعي بالظلم تبلور في إطار مجتمع سوداني له خصوصيته التي تمثلت في تراثه الإسلامي الصوفي وفي شخصية المهدي وفي تقاليده القبلية ، فعندما نتناول الأفكار التي عبر عنها المهدي أو دوره القيادي ، فلأنهما يعبران عن مرحلة متقدمة من تبلور الوعي الاجتماعي بالظلم ، وليس لأنهما سبب الثورة . كما أننا لا ننظر لهذا السبب أو المظهر كل على حدة ، لأن ذلك التناول الأحادي لا يساعد علي الرؤية المتكاملة للتغيير الاجتماعي.
ج – لايرى قدال أن البرنامج السياسي الذي طرحه المهدي كان رفضا مطلقا للحكم التركي بدليل أنه أبقي على الحكم المركزي وأضاف إليه ثقلا مركزيا جديدا هو شخصية المهدي الدينية والخليفة من بعده ، كما لم يكن ضد البنية الاقتصادية الجديدة المتمثلة في نمو السوق والتبادل النقدي بدليل أن المهدية سعت إلى تطويرها ، والعجز عن تطويرها راجع لسوء التطبيق ومواجهة الضغط الاستعماري ، ولأن القوي الاجتماعية التي حملت على عاتقها مسئولية التغيير وبناء الدولة بعد نجاح الثورة كانت ضعيفة التكوين الاجتماعي.
لذا عندما كانت المهدية تعبر عن رفض للحكم التركي – المصري ، كانت أفكارها وبرنامجها وممارستها واضحة ومحددة ، أما عندما تصدت لمهمة البناء الاجتماعي أضحت تعبر عن مصالح محددة . كما كانت تلك المرحلة محفوفة بمخاطر العدوان الخارجي ، فاندفعت الدولة المهدية نحو سياسة حربية مدمرة ، هي في جوهرها تعبر عن الواقع الموضوعي المحدود للفئات الاجتماعية التي أضحت سيدة الموقف في النظام وهم : أولاد العرب الذين تمركزوا في جهاز الدولة وفي نقاطها الحساسة ( يستعمل تعبير أولاد العرب ليعني قبائل غرب السودان تمييزا لهم عن أولاد البلد وهم القبائل التي تسكن أواسط السودان : راجع محمد سيد داؤد : الصراع بين أولاد البلد وأولاد العرب :( قدال:48).
د – الصورة التي عبر بها الوعي الاجتماعي عن نفسه كانت فكرة المهدي المنتظر ، ويشير إلى ذكر ابن خلدون لدور الدين في انتفاضات العالم الإسلامي عندما ذكر أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ( ابن خلدون : ص 151 – 153 ) . كما يشير د . قدال إلى تصور انجلز المتكامل لاسباب انتفاضات العالم الإسلامي وأساسها الإسلامي ويري انه تطوير لرأى ابن خلدون.
كما يناقش د . قدال فكرة المهدي المنتظر : أصلها وتطورها كما هو معروف . وحاصل قول د . قدال ( إن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها . إذ أن الواقع الاقتصادي يتحكم لحد كبير في مجري الأحداث ، فالبعد الاجتماعي للثورة المهدية لا يستبين مداه خارج إطار التشكيلة الاقتصادية السائدة ) ( د . قدال : ص 51 ) . ويواصل د قدال ويقول : والحركة المهدية كما لاحظ أحد الباحثين اهتمت في بداية أمرها بالجانب الديني وأهملت الجانب الدنيوي ، ولكن بعد استقرارها في أم درمان وتحولها إلى دولة ، لم يعد للعامل الديني نفسه الحماسة والتأثير).
إذن قدال يرى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها. .
: ويمكن تلخيص ما أورده المؤرخون أعلاه حول أسباب الثورة المهدية في شقين
الشق الأول : محرك أو دافع اجتماعي ويتلخص في : شخصية الإمام المهدي ، والمعتقد الديني ، والتدهور الخلقي ، وعجز إداري وفشل الموظفين وتكالبهم على استغلال موارد البلاد . الضغط الأوربي على العالم الإسلامي واحتلال الأوربيين لبعض البلاد الإسلامية وقصدهم لاحتلال الباقي وإلى ضعف الإيمان بالقرآن والتشبه بالأوربيين ووضع القوانين الوضعية بدل القوانين المنزلة ، تقلص سلطة الخديوية وتضعضع مركزها بعد طرد الخديوي اسما عيل وتمرد الجيش على ابنه توفيق واتفاق ذلك مع الفراغ الهائل الذي خلقته استقالة غردون في السودان ، الظلم وسؤ الإدارة ، مكافحة تجارة الرقيق، وضعف الحكومة المركزية، ومباشرة الأجانب للحكم في السودان وتنكيلهم بالآهلين.
: الشق الثاني : محرك أو دافع اقتصادي
وهذا الاتجاه يرى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها ، إذ أن الواقع الاقتصادي يتحكم إلى حد كبير في مجرى الأحداث ، فالبعد الاجتماعي للثورة المهدية لا يستبين مداه خارج التشكيلة الاجتماعية السائدة ، كما يشير د . قدال .
من المهم ، أن نلاحظ هنا المحاذير الآتية في تقسيمنا هذا .. إننا نتحدث عن محرك أول أو محرك حقيقي أو إبراز الدافع الرئيسي .. فمثلا عندما يتحدث د أبو سليم عن شخصية الإمام المهدي ، لا يعني أنه يهمل الأسباب الأخرى ولكنه يقصد إبرازها .. وعندما يتحدث د . شبيكة عن المعتقد الديني وشخصية المهدي كمحرك أول لايعني أنه يغفل العوامل التي أشار إليها شقير .
وعندما يتحدث د . قدال عن الدافع الاقتصادي ، فإن ذلك لايعني أن قدال يقع في الفهم الميكانيكي لدور العامل الاقتصادي ، ولكنه يشير بوضوح إلى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي وهذا يختلف عن مفهوم العامل الاقتصادي كمحرك وحيد للتاريخ.
هذه المحاذير هامة يجب أن نضعها في الاعتبار ونحن نقدم هذا التلخيص ..
ثانيا: عوامل نجاح الثورة المهدية:
وحول عوامل نجاح الثورة المهدية نشير أيضا إلى اتجاهين:
الأول : اتجاه شقير الذي يعزى عوامل نجاح الثورة إلى أ - استخفاف الحكومة في بادئ الأمر بحركة المهدي ب – الانشغال بثورة عرابي وضعف الحاميات العسكرية لحظة وقوع الثورة ج – تردد الحكومة التي لم تتخذ سياسة نافذة لإخماد الثورة .
ولكن د . أبو سليم في تقويمه وتصويبه لتاريخ شقير في ص 635 يورد التالي ( يقول نعوم أن الحكومة استخفت بشأن محمد احمد ، ولكن الحق أنها لم تستخف وإنما أخفقت فيما اتخذت من إجراءات . ( أبو سليم 1987:1987 ،ص 220 ).
الثاني : اتجاه هولت المنهجي والنظري الذي يحدد عناصر نجاح الثورة في التي : أ – يواكب الشعور بالسخط العام ضعف مادي أو معنوي في النظام القائم يجعل من العسير قمع الثورة إبان نشوبها . ب – وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه .
ج – وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل للنظام القائم .
أي أن العنصر ( أ ) يدخل في الشرط الموضوعي والعنصران ( ب ) ، ( ج ) يدخلان في الشرط الذاتي . ويرجع هولت عوامل نجاح الثورة المهدية إلى توفر الشرطين الموضوعي والذاتي أعلاه .
. ويتفق عبد الله على إبراهيم ومحمد سعيد القدال مع طرح هولت المنهجي والنظري .
ويشير د .قدال إلى أن ماركس أول فيلسوف يضع تصورا شاملا لعملية التغيير الاجتماعي، ولكن ما ذكره هولت يلتقي كثيرا مع الشروط التي وضعها لينين لنجاح الانتفاضة إذ اشترط لنجاحها : عجز السلطة القائمة في الدفاع عن نفسها ورفض الناس تماما للاستمرار تحتها ووجود قيادة ثورية ( قدال:ص44). ) .
وقبل مناقشة هذه الآراء وصياغة مفهومنا ورؤيتنا حول أسباب الثورة المهدية ، نطرح القضايا المنهجية التالية :
1 – الثورة المهدية هي حاصل تطور تاريخي ، وهي عملية وحاصل تراكم كمي لانتفاضات وثورات جزئية ظلت مستمرة ضد الحكم التركي – المصري حتى تم تتويجها بالثورة المهدية ، كثورة أو انتفاضة شاملة ضد النظام ، ويمكن تتبع الخط البياني الصاعد لتلك الانتفاضات على النحو التالي:
- .مقاومة الشايقية عند بداية الغزو التركي
- ثورة أهل سنار بقيادة رجب ود عدلان
- ثورة المك نمر – مقاومة أهل العليفون
- مقاومة أهالي مدني – تمرد المواطنين وهجرتهم لأوطانهم نتيجة الضرائب الباهظة على الأراضي والماشية ونتيجة الظلم والفساد.
- عصيان الشيخ خليفة بن الحاج العبادي . – ثورة أهالي التاكا ( الشرق ) عام 1844 . – تمرد زعماء الشكرية على أراكيل بك الحاكم العام . – ثورة الجنود السودانيين في مدني سنة 1844 . – ثورة الجهادية السود في كسلا سنة 1865 والتي أوشكت أن تقضي على الحكم في مديرية التاكا ، وبالتالي على النفوذ الحكومي في شرق السودان. -.
- ثورة هارون الرشيد في دار فور – ثورة صباحي في كردفان – ثورة سليمان ورابح الزبير باشا رحمة في مديرية بحر الغزال في سنة 1879 ( تاج السر عثمان : التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي ، مركز محمد عمر بشير 2006م). ) .
ورغم نجاح الحكومة في قمع تلك الانتفاضات والثورات الجزئية وانفرادها بكل منها وسحق المعارضين والتنكيل بهم بالشنق والإعدام رميا بالرصاص وبحملات الإبادة الشاملة ، إلا أن الملاحظ استمرار تلك الانتفاضات ، وما أن يتم إخماد ثورة أو انتفاضة حتى تندلع أخري ، وإذا كانت هذه الثورات قد أخمدت في أوقاتها ، إلا أنها شكلت المقدمة للثورة الشاملة في الثورة المهدية والتي نجحت بفضل شمولها وعجز النظام القائم عن قمعها ووجود القيادة الثورية والجيش الثوري ، أي بعد استكمال الشروط التي تحدث عنها هولت ولينين. .
وبالتالي ، فإنني اتفق مع توفر الشروط الموضوعية والذاتية لنجاح الثورة ، وإن الثورة هى حصيلة وجماع وتراكم انتفاضات وثورات جزئية سابقة. ..
2 – لا يكفي أخذ عنصر واحد من عناصر المحرك أو الدافع الاجتماعي ، واعتباره المحرك الأول للثورة المهدية مثل شخصية الإمام المهدي أو المعتقد الديني أو الظلم وسوء الإدارة أو التدهور الخلقي .. الخ . بل في تقديري أنه لا يكفي حتى لو أخذنا كل العناصر في الشق الأول مجتمعة واعتبارها المحرك الأول أو الرئيسي للثورة المهدية .. وبالمستوي نفسه في تقديري لا يكفي أن نأخذ المحرك أو الدافع الاقتصادي لفهم المحرك الحقيقي للثورة المهدية .
3 – في تحديد أسباب انتفاضات العالم الإسلامي ومنها الثورة المهدية.
كثيرا ما يرد ( كما أورد د . قدال ) تصور فرديرك انجلز لأسباب تلك الانتفاضات وأساسها الإسلامي.
وقد صاغ انجلز ذلك التصور في مقال له بعنوان : (إسهام في تاريخ المسيحية الأولية) والذي جاء فيه : ( أن انتفاضات العالم المحمدي - الإسلامي - بخاصة في إفريقيا تشكل حالة مناقضة فريدة مع هذا ، فالإسلام هو دين صيغ على قدر الشرقيين وعلى العرب بشكل أخص ، أي من جهة سكان مدن يمارسون التجارة والصناعة ، ومن جهة أخرى بدو رحل ، وهنا توجد بذور تصادم دوري : سكان المدن الذين أصبحوا موسرين وباذخين أهملوا مراعاة الشريعة .. والبدو الفقراء وبسبب ذوو العادات الصارمة نظروا بحسد وطمع إلى هذه الثروات وهذه المتع ، اتحدوا تحت قيادة نبي مهدى لمعاقبة الكفار وإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح ، وللاستيلاء كثواب على كنوز الكفار ..
وبعد مضي مائة عام وجدوا أنفسهم بالطبع في نفس الوضع الذي كان فيه هؤلاء حركة تطهير جديد تصبح أمرا ضروريا ، مهدى جديد يظهر ، وهكذا دواليك ..
جرت الأمور على هذا النحو منذ حروب الفتح التي خاضها المرابطون والموحدون ( المرابطون عائلة مالكة مغربية في أفريقيا الشمالية وجنوب اسبانيا : 1056 – 1146 ه ، والموحدون : عائلة مالكة مغربية أطاحت بالمرابطين عام 1146 ومارست السلطة حتى العام 1269 ه ) الإفريقيون في اسبانيا حتى المهدي الأخير في الخرطوم ظافرا .. كان الأمر كذلك تقريبا بالنسبة لثورات في فارس وغيرها من المقاطعات الإسلامية.
هذه حركات ولدت من أسباب اقتصادية ، رغم أنها ارتدت قناعا دينيا لكنها عند نجاحها تترك الشروط الاقتصادية كماهى لاتغيير البتة إذن والصدام يغدوا دوريا .. وبالمقابل في الانتفاضات الشعبية في الغرب المسيحي ، القناع الديني لا يخدم إلا كراية وقناع ضد نظام اقتصادي اصبح فائتا في النهاية يطاح بهذا النظام ، ينهض نظام جديد ، ثمة تقدم ، العالم يسير .. ) ( انجلز : إسهام في تاريخ المسيحية الأولية ، مجلة العصور الحديثة ، السنة 13 ، 1894 – 1895 ، المجلد 1 ، العدد:22). ) .
ومعلوم أن انجلز أسهم مع كارل ماركس في صياغة النظرية الماركسية ، ذائعة الصيت في القرن التاسع عشر ، وكان معاصرا للثورة المهدية عند وقوعها .. ونلاحظ أن انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أن ( المهدي في الخرطوم الذي جابه الإنجليز ظافرا ) .. وربما كان ذلك يعزى إلى أن إنجلترا بعد هزيمة الثورة العرابية احتلت مصر ، وبالتالي أصبح صراع المهدى عمليا ضد الإنجليز .. ومهما يكن من شئ ، فإنه كان موفقا في تحديد الاستعمار الذي هزمه المهدي الذي هو الإنجليزي.
ومهم هنا ، أن نتناول بالنقد والتحليل مقولة سكان المدن وسكان البدو التي طرحها انجلز كسبب من أسباب الثورة المهدية .. بمعنى إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية رغم أنها ارتدت قناعا دينيا ، لتحديد عما إذا كان هذا الطرح ينطبق على الثورة المهدية في السودان ، ولتحديد خصوصية الثورة المهدية وما هي تلك الخصوصيات التي تميزها عن طرح انجلز أعلاه ؟. .
ما ورد في تفسير انجلز لاسباب الثورة المهدية في السودان مثل التصادم بين سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة وبين البدو الرحل ، أي ثورة البدو الفقراء الذين اتحدوا تحت قيادة المهدى لمعاقبة سكان المدن الكفار واقامة حكم الشريعة والاستيلاء على كنوز الكفار. ..
هذا التفسير لا ينطبق بشكل دقيق على الثورة المهدية في السودان ، يمكن أن يتفق فيما يختص بإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح وغير ذلك من أيديولوجية المهدي.
ولكن ربما نخطئ خطأً فادحا إذا تصورنا الثورة المهدية فقط من زاوية أنها ثورة سكان البدو الرحل الفقراء ضد سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة والذين أصبحوا باذخين وموسرين وغير ذلك. ..
فبنظرة عامة إلى طبيعة القوى التي اشتركت في أو ساندت الثورة المهدية نجدها تتكون من فئات جماهير المدن والبدو مثل بعض مشايخ الصوفية وفئات من التجار والجلابة وخاصة الذين ضربت الحكومة التركية مصالحهم في تجارة الرقيق .. ومن الطبقات الكادحة والفقيرة من سكان المدن والبدو والذين عانوا من الضرائب واستيلاء الحكومة وكبار الملاك على أراضيهم وبعض فئات الكتبة والموظفين والقضاء والعلماء الذين كانوا عاملين في جهاز الدولة .. وهذه القوى هي أخلاط أو أمشاج من سكان المدن والبدو .. وبالتالي ، فإن وصف هذه القوى الثورية بأنها ثورة البدو الفقراء لا يعبر بشكل دقيق عن طبيعة قوى الثورة المهدية في السودان.
وإذا أخذنا بالمثل القوى التي عارضت الثورة المهدية نجدها أيضا تتكون من سكان بدو ومدن مثل: العلماء والفقهاء الذين ارتبطت مصالحهم بالحكومة التركية ، والتجار ومشايخ القبائل أو أعيان القبائل الذين ارتبطت مصالحهم بالدولة التركية ، ومشايخ طرق دينية ، وكبار الملاك من المزارعين والرعاة.
كما أنه من غير الدقيق إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية ، فإلى جانب الأسباب الاقتصادية كانت هناك أسباب اجتماعية مكملة ، وسوف نعالج ذلك بتفصيل في موضع لاحق . ولكن ما أورده انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أنه بنجاح تلك الحركات ( ومنها الثورة المهدية في السودان عندما تصل للسلطة تترك الشروط الاقتصادية كما هي لاتغيير البتة .. فهذا انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية والتي أبقى نظامها الاقتصادي – الاجتماعي على التفاوت الطبقي ، وأبقي على الملكية الفردية ... الخ. وقد عالجت ذلك بتفصيل في مؤلفي بعنوان:" دراسات في التاريخ الإجتماعي للمهدية"، مركز عبد لكريم ميرغني2010م). .
شهد نظام المهدية التفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء الذي كان سائدا أيام الحكم التركي – المصري ، وبالتالي شهدت التشكيلة الاجتماعية للمهدية صراعات قبلية وصراعات دينية وصراعات طبقية ، وصراعات من أجل السلطة ، اشترك فيها سكان المدن والبدو ، أي أن التصادم غدا دوريا كما أشار انجلز.
القناع الديني عند بداية الثورة الذي أورده أنجلز ربما انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية ، فكما ذكر هولت ( بعد تقلد السلطة كان لوم المهدي لأقربائه نتيجة لنظرتهم الدنيوية وتقلبهم في الترف وتمتعهم بالنفوذ ) ( هولت : ص 9 ) . كما أشار يوسف ميخائيل في مذكراته مرارا إلى مادية الأغنياء من الأشراف والدناقلة. .
أشار هولت أيضا إلى الطبقات الكادحة ( الفقيرة ) من جماهير القبائل وأشهرهم عرب البقارة في الغرب وامتلاك الغنائم ، ولم يهتم هؤلاء ( خلاف عبد الله نفسه والاتباع المخلصين للمهدي ) بالجانب الديني في الثورة ، وكانوا يتركون الجهاد عندما يحصلون على حوائجهم المادية ( نفسه).
وفي تقديري ، أنه بهذا المستوى النقدي أو بشكل أفضل منه .. يمكن أن نعالج تحليل أنجلز لأسباب الثورة المهدية والذي كثيرا ما يورده الماركسيون السودانيون بدون نقد أو تحفظ، ويحشرون الثورة المهدية فيه حشرا ، فانجلز كان يتناول الثورة المهدية من بعيد وبدون معرفة عميقة لخصوصية السودان شأنه في ذلك شأن المستشرقين الذين تناولوا قضايا بلدان الشرق بدون المعرفة العميقة بخصائص وسمات تلك البلدان وتطورها الباطني ، وقد اسهم إدوارد سعيد في مؤلفه (الاستشراق) في تناول بعض تلك الكتابات بطريقة ناقدة. .
وبالتالي أن انجلز لم يتناول واقع السودان والثورة المهدية عن كثب ولم يكن يمتلك المعلومات الكافية و التفصيلية عنها. .
: في أسباب الثورة المهدية
في ضوء ما سبق نقدم هذه المساهمة حول أسباب الثورة المهدية :
وفي تقديري أن المحرك الرئيسي للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا ، ويمكن تحليل هذا المحرك إلى مكونين: اقتصادي واجتماعي.
المكون الاقتصادي:
والمقصود به أن الحكم التركي – المصري أحدث هزة عنيفة في البنية الاقتصادية والطبقية في المجتمع التي كانت سائدة أيام سلطنتي الفونج ودارفور. .
صحيح أن النظام الاقتصادي في الأيام الأخيرة لسلطنة الفونج كان في طريقه للتحلل والتفكك، ببروز واتساع الطبقة التجارية وصراعها مع سلاطين الفونج الذين كانوا يحتكرون تجارة الذهب والرقيق ، وفي الأيام الأخيرة للفونج غدا النظام الإقطاعي اكثر قمعا للقبائل ، وبدأ يفرض عليها ضرائب باهظة وخاصة بعد فقدان موارد المكوس .. والعائد من التجارة الخارجية نتيجة لانعدام الأمن ، وكان من الممكن أن يتطور هذا الصراع بشكل طبيعي وباطني بحيث ينتج عنه بنية اقتصادية اكثر تقدما من السابقة والتي كانت في طريقها للتحلل والزوال . ولكن الاحتلال التركي قطع التطور الطبيعي للسودان ، وتم فرض بنية اقتصادية كان من أهدافها الرئيسية استنزاف موارد السودان الاقتصادية والبشرية لمصلحة الطبقة الحاكمة في مصر ، وكان من أهم سمات هذه البنية الاقتصادية:
أ – ضرائب باهظة لم يعرفها السودانيون من قبل وعلى نمط ضرائب الإمبراطورية العثمانية الفردية والتي لا تستند إلى أسس عقلانية أو مبررة اقتصاديا واجتماعيا ، فمثلا كانت الضرائب أيام الفونج تقدر على أساس الشريعة والأعراف المحلية .. أي أنها كانت مبررة دينيا وعرفيا ( تاج السر عثمان : لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الإجتماعي ،مركز محمد عمر بشير 2004 ) . هذا إضافة إلى أن ضرائب الأتراك كان يتحملها صغار الملاك وفقراء المزارعين والرعاة ، وكان من نتائج تلك الضرائب الباهظة على الأراضي والماشية ومصادرة أراضي صغار الملاك والفقراء وبيعها لكبار الملاك المحليين والأجانب لتسديد قيمة الضرائب منها ، هذا إضافة للنتائج التي ترتبت من انخفاض القوى المنتجة والإنتاج الزراعي نتيجة لترك السواقي وما ينتج عن ذلك من مجاعات وغلاء.
ب – نتيجة لارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي فرضت الحكومة على المزارعين وبطريقة قسرية زراعة المحاصيل النقدية ( القطن ، النيلة ، قصب السكر الصمغ ، ... الخ ) مما قلل من إنتاج المحاصيل الغذائية وأدى إلى تدهور الأحوال المعيشية للمزارعين.
ج – أطلقت الحكومة التركية العنان لتجارة الرقيق في السودان واتسع حجمها بشكل لم يسبق له مثيل ، وبالتالي زاد حجم ووزن التجار والجلابة العاملين في تجارة الرقيق من السودانيين ، وخاصة بعد اتساع السوق الداخلي وضم المديريات الجنوبية ودار فور ، وعندما حاولت الحكومة التركية أن تقلص أو تقضي على تجارة الرقيق نتيجة للضغوط الأوربية ، دخلت الحكومة في تناقض مع مصالح تلك الفئة .
د – وباختصار ، نقول أن الفئة أو الطبقة التي حكمت السودان خلال فترة الحكم التركي كان هدفها الرئيسي نهب قدرات السودان الاقتصادية والبشرية ، وفي ذلك نجحت نجاحا باهرا ، واعتصرت شعوب وقبائل السودان ، وكان حجم القوى البشرية التي أبادتها أو التي تم استرقاقها كبيرا ( تاج السر عثمان : التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي، مرجع سابق ) ، هذا إضافة للأرباح الهائلة التي كانت تحققها الطبقة الحاكمة والتجار الأجانب من احتكار تجارة السودان الخارجية ، أي حدث تدمير وحشي لقدرات السودان الاقتصادية والبشرية ، أي تدمير القوى المنتجة وفرض علائق إنتاج جديدة لمصلحة الملاك والحكام الأجانب والمتحالفين معهم من تجار ومشايخ القبائل والطرق الصوفية.
وفي ثنايا تلك التحولات الاقتصادية لعب المكون الاقتصادي دورا حاسما ولكنه ليس الوحيد ، وهذا المكون كان يفعل فعله ، وكان يعبر عن نفسه في الانتفاضات والثورات المتواترة ضد النظام حتى نجحت الثورة المهدية بفضل شمولها وعجز النظام الحاكم عن قمعها. .
2 – المكون الاجتماعي:
أدخل نظام الحكم التركي بنية ثقافية – فكرية جديدة بدون أخذ ظروف وتقاليد السودان في الاعتبار والتي رسخت لقرون في فترة الفونج ، سواء كانت دينية أو مدنية .. تم تصديرها للسودان من الخارج ، وما جاءت نتيجة لتطور باطني ، وفي هذه البنية ظهرت فئة العلماء والفقهاء المرتبطة بجهاز الدولة وعلى النمط الذي كان سائدا في مصر والإمبراطورية العثمانية ، وأصبحت لها مرتبات ، هذا إضافة لإدخال نظام القضاء الشرعي والأوقاف ، كما ظهرت طرق صوفية جديدة وجدت الدعم والتشجيع من الحكم التركي مثل الختمية والبرهانية وغيرهما .. كما تراجعت الطرق الصوفية القديمة التي كانت سائدة أيام الفونج ، ودخول الطرق الصوفية الجديدة في تناقض وصراع مع الطرق القديمة ومشايخها.
كما تم فرض أنماط حياة أوربية كنمط الحياة الذي كان يعيشه التجار والحكام الأجانب في المدن التجارية مثل الخرطوم والأبيض وبربر .. والذي كان غريبا على مجتمع تقليدي كمثل الذي كان سائدا في سودان القرن التاسع عشر.
هذا إضافة لسوء الإدارة والتخبط في نظام الحكم والتغييرات الكثيرة فيه من حكم مركزي إلى لامركزي ، ثم العودة إلى الحكم المركزي من جديد ، إضافة لفساد الحكام الأتراك والمصريين وعدم رغبتهم في العمل بالسودان والتكالب على جمع أكبر قدر من الثروات ، هذا إضافة لوجود أعداد كبيرة من الحكام الأوربيين في أواخر أيام الحكم التركي ، كما أن هؤلاء الحكام لم يكن لهم من الذكاء والمسئولية لدراسة واقع وظروف السودان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك قبل تطبيق سياساتهم ، كما أن هؤلاء الحكام لم يأخذوا واقع السودان في الاعتبار عندما فرضوا نظام القضاء والعلماء والأوقاف ، أي فرض نمط الدولة العثمانية الذي كان سائدا في مصر ، ولم يجتهدوا في استنباط نظام دولة عصري مستمد من واقع وظروف السودان.
وفي ثنايا تلك البنية الثقافية – الفكرية التي فرضها الاحتلال التركي ، نبحث عن المعارضة الدينية للنظام ، ونبحث عن ظهور شخصية مثل : محمد احمد المهدي يستفزها تحلل وفساد الحكم التركي ، ورفض الوجود الأجنبي ، كما نبحث عن الأسباب الدينية للثورة المهدية ، ونبحث عن الأسباب القومية وتلك الأسباب التي تتعلق بالظلم وسوء الإدارة .
. أي باختصار نقول الأسباب الاجتماعية أو المكون الاجتماعي
وبالتالي وبهذا الفهم الواسع نقول أن المحرك للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا ، وبكلمات أخرى أسباب تتعلق بإحلال تشكيلة اقتصادية - اجتماعية جديدة محل التشكيلة السابقة التي كانت سائدة في السلطنة الزرقاء بالعنف ، وتدمير تلك التشكيلة ، وبدون إحلال تشكيلة جديدة محلها مبررة اقتصاديا واجتماعيا .. بل كانت تشكيلة جديدة ذاق فيها السودانيون عذاب وسياط والام الحكام الأتراك وشهد فيها السودانيون اكبر عملية نهب لقدراتهم الاقتصادية والبشرية في تلك الفترة الحالكة السواد في تاريخ السودان ، ورغم ثمرات الحضارة والمدنية التي ادخلها الأتراك في السودان .
وبالتالي وبهذا المعنى نقول أن المحرك للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا.
: عناصر هولت لنجاح الثورة
المفهوم الواسع الذي صاغه هولت لعناصر نجاح الثورة سليم في جوهره ، ولكنه يصلح لحالة الثورة المهدية المحددة والتي تم فيها استخدام العنف الشعبي المسلح للاستيلاء على السلطة ..
وتتلخص عناصر هولت في الأتي :
1 – وجود استياء وسخط عام لا يكون قاصرا على طبقة أو جماعة معينة ، وانما يمتد إلى كل فئات المجتمع ويكون مصدره إحساسا محددا بالظلم ويتطابق ذلك الإحساس أو الوعي بالظلم بضعف النظام القائم وعجزه عن سحق الثورة في مهدها.
2 – وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه
3 – وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل لنظام القائم
وإذا أردنا أن نعمم مفهوم هولت أعلاه ، يمكن أن نعدل في الفقرة ( 2 ) لتكون ( وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف أو الوسائل السلمية في سبيل هدفه ).
وبعد هذا التعديل ، يمكن أن يأخذ مفهوم هولت أعلاه الطابع الشمولي العام ، والذي تم استنباطه من تجربة الثورة المهدية والتي تميزت بحالة خاصة ، وهي استخدام العنف الثوري المسلح للإطاحة بالنظام. .
وهذا المفهوم الشمولي العام لعناصر نجاح الثورة هو نظرية الثورة السودانية والتي تم استخلاصها من التجربة والخبرة العملية.
أما عن تجربة الدولة المهدية والظروف التي أدت الي انتكاستها فقد تم تناولها بتفصيل في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية في مؤلفي بعنوان : دراسات في التاريخ الإجتماعي للمهدية ، مركز عبد الكريم ميرغني 2010م، ويمكن الرجوع اليه.



[email protected]






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1066

التعليقات
#1196044 [النصيحة]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2015 04:23 PM
انتو بتستهبلوا وعايشين فى أوهام!! الخرطوم بل كل السودان حتى هذه اللحظة لم يتحرر.



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة