الأخبار
أخبار السودان
الغاز السياسة الحكومية في المسألة الانتخابية
الغاز السياسة الحكومية في المسألة الانتخابية


02-02-2015 07:58 AM
نبيل اديب

أن تكون مراقباً للشأن السوداني هو من أكثر الأمور مشقة، لأن معرفة السياسات الحكومية مؤخراً أصبحت تحتاج إلى قدر من القدرة على حل الألغاز، لا تتوفر عادة إلا للسحرة والحواة. ولا يبدو سبب مشقة استخلاص سياسة الحكومة من تضارب تصريحات المسؤولين مع بعضها البعض فقط ، بل أيضاً من تضارب تلك التصريحات مع ما تتخذه الحكومة من إجراءات. أهم حدث يبدو لأي مراقب للمسرح السياسي السوداني الآن هو الانتخابات، وما إذا كانت ستُجرى أم لا. وسياسة الحكومة هنا تنطوي على لغز متعدد الطوابق، فرغم اتساق تصريحات المسؤولين على إصرار الحكومة على إجرائها في موعدها، فما زالت المسألة ملتبسة في نظر المراقب الذي لا يدري سبباً لذلك الإصرار على إجراء الانتخابات، رغم أن جميع القوى السياسية غير المشاركة في الحكم تعارض ذلك. فما الذي يدعو الحكومة لطرح سلطتها للمنافسة عليها مع الآخرين في الصندوق الانتخابي إذا كان أولئك الآخرون لا يرغبون في ذلك؟ قد يكون ذلك مفهوماً، في مجتمع ديمقراطي ثابت الأركان، إذا كانت الحكومة قد طرحت سياسة أتت أكلها مما أكسبها حظوة لدى الناخبين تود اغتنامها، ولكن القول بذلك هنا يتعدى مرحلة اشتطاط الخيال إلى مرحلة التوهم.

واللغز الثاني هنا هو أن الحكومة تطرح دعوة لحوار وطني عميق، تدعو فيه المكونات السياسية والثقافية للتوصل للمبادئ الرئيسية التي يجب أن تُحكم اللعبة السياسية بموجبها، وهي المبادئ التي ستحدد بالضرورة طبيعة وحدود السلطات التي ستطرح في صندوق الانتخابات، فما هو جدوى إجراء الانتخابات قبل التوصل لكل ذلك؟ الرد الذي سيسمعه المراقب هو أن الانتخابات هي استحقاق دستوري لا تملك الحكومة أن تحرم الشعب منه. حسناً وماذا بشأن الاستحقاقات الدستورية الأخرى، التي بدون توفرها لا يكون للانتخابات معنى؟ ماذا عن الاستحقاق الدستوري المتمثل في حرية التنظيم والتجمع السلمي؟ وهل يوجد في الذاكرة الحية أي إذن صدر لصالح مسيرة معارضة لسياسات الحكومة؟ ولماذا يتطلب الأمر إذناً؟ ألا يكفي الإخطار لأغراض حماية المسيرة وتنظيم حركة المرور؟ وماذا عن الاستحقاق الدستوري المتمثل في حرية الصحافة، على ضوء مصادرة أعداد هذه الصحيفة أو تلك بشكل يومي؟ وماذا عن الاستحقاق الدستوري المتمثل في الحق في الحرية الشخصية والأمان، ومازال فاروق وأمين وفرح عقار معتقلين بسبب توقيعهم على إعلان سياسي؟ هل تلبي أي انتخابات تجرى في غيبة كل تلك الحريات أي استحقاق دستوري؟

ذِكْر المعتقلين يقودنا للغز ثالث فكيف يمكن للمتنافسين في الانتخابات أن يعرفوا سياسة الحكومة بالنسبة لنداء السودان، وهو مشروع سياسي يتجمع حوله عدد من الكيانات السياسية، هل سيسمح بخوض الانتخابات للقوى التي تتبناه؟ بتعبير آخر هل تعتبره الحكومة عملاً سياسياً مشروعاً؟ أم مشروعاً إجرامياً يستدعي العقاب؟ بعد أن صرح السيد رئيس الجمهورية بأن الإمام الصادق المهدي سيُواجّه بإجراءات قانونية حال عودته للسودان بسبب توقيعه على نداء السودان، صرح السيد نائب رئيس الجمهورية بأن السيد الصادق غير مطلوب أمنياً، وأن عودته للسودان مرحب بها. وبين التصريحين تقدم جهاز الأمن، لمجلس شؤون الأحزاب، بطلب لحل حزب الأمة بسبب توقيع رئيسه على وثيقة نداء السودان. هذه المواقف المتضاربة عصية على الفهم، وبالأخص على ضوء صدور قرار من رئيس الجمهورية بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، استجابة لطلب أعضاء 7+7 من الجانب غير المشارك للحكومة بإطلاق سراح المعتقلين، وعلى رأسهم فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني. النظرة المتعجلة لتلك القرارات والإجراءات، قد يبدو لها أن تصريح السيد نائب رئيس الجمهورية قد صدر استناداً على قرار السيد الرئيس بإطلاق سراح فاروق وأمين وعقار، باعتبار أن المأخوذ عليهم جميعاً هو أنهم من الموقعين على وثيقة نداء السودان. حسناً إذا كان ذلك كذلك، فلماذا يا ترى ظل الثلاثي فاروق ومدني وعقار قابعون في السجن، في وقت يُرحب فيه بعودة شريكهم في التوقيع على الوثيقة التي هي السبب في اعتقالهم في المقام الأول؟ لا يقف التساؤل عند هذا الحد، فإذا كانت الدولة قد غيرت موقفها من تلك الوثيقة، أو حتى رأت أن هنالك، مع احتفاظها برأيها الأول، مصلحة في تجاوز المسألة كلها، والعمل على تجميع الصف الوطني، ورأت لسبب تعلمه هي، أن تبدأ بحزب الأمة ثم تلحق به الآخرين، فلماذا لم يسحب جهاز الأمن شكواه التي تطالب بحل حزب الأمة؟ إن ما جرى منذ إعلان السيد رئيس الجمهورية قراره بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لا يحل اللغز بل يزيده غموضاً.

ففي اليوم التالي لصدور قرار رئيس الجمهورية وجهت النيابة تهماً لأمين وفاروق بمخالفة مواد عقوباتها التي تتضمن الإعدام والسجن الطويل لا تسمح بالإفراج عنهما بالضمان. إلا أن المتهمين بحسب عمريهما لا يجوز توقيع عقوبتي الإعدام عليهما مطلقاً بسبب الإدانة في التهم الموجهة إليهما ولا السجن والذي يستبدل عند الإدانة بعقوبة التغريب، والتغريب هو تحديد إقامة الجاني بعيداً عن منطقة ارتكاب الجريمة، والتي ارتكبت في أديس أبابا. ومع ذلك فإن النيابة طلبت وحصلت على أمر بتجديد الحبس بالنسبة لهما، في غيبتهما وغيبة ممثليهما القانونيين، ثم رفضت السماح للدكتور أمين مكي بحضور عقد زواج ابنه. وهذا يجعل تصريح السيد نائب رئيس الجمهورية حول الترحيب بالإمام الصادق غير مفهوم على الإطلاق. فرغم اعتقادنا الجازم بأن ما قام به فاروق وأمين لا يوقعهما تحت طائلة القانون، فإن ذلك لا يبدو أنه اعتقاد تشاركنا فيه الأجهزة المنوط بها اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة السيد الإمام فيما لو عاد.

رغم كل هذا فهل ستجري الانتخابات؟ الشك في ذلك سببه هو تصرفات الحكومة. فرغم نفي الحكومة المغلظ لما رشح من حديث عن وجود اتجاه لتعطيل الانتخابات، فإن الاستمرار النشط للدورة البرلمانية، يشكك في نفي الحكومة. كان السيد رئيس البرلمان قد صرح في أوائل نوفمبر من العام الماضي أن البرلمان سينتهي أجله في نهاية العام الماضي، وأنه لا يملك أحد، ولا حتى رئيس الجمهورية سلطة أن يمد من أجَل البرلمان بعد انقضاء العام ولا لساعة واحدة. ولا يهمنا تصريح السيد رئيس البرلمان من حيث الساعات التي تلت نهاية العام، فقد كنا نعلم أن البرلمان لن ينتهي أجله بالشكل الذي وعدنا رئيسه به، لأن مناقشة التعديلات الدستورية تقتضي إجراءات إسعافية تبقيه على قيد الحياة حتى 3 يناير، لتكتمل المدة التي يتطلبها الدستور بين وضع التعديلات الدستورية على منضدة البرلمان والمداولة حولها. وبالفعل تمت مناقشة التعديلات في جلسة واحدة بمجرد انقضاء المدة، وتمت إجازتها بشكل متعجل ومخالف للدستور، وبهذا فقد انتهت الحاجة للبرلمان والتي من أجلها تم مد أجله.

ولكن ما أن انتهى البرلمان من مهمته التي عاد بسببها إلى الحياة بعد موته السريري الذي أعلن عنه السيد رئيس البرلمان، حتى بدء في عملية إنتاج مكثف فأصدرعدداً من القوانين يفوق كل ما أصدره طوال الدورة التي تم مد أجلها لغرض واحد. لا يملك المرء إلا أن يتساءل متى وُضِع ذلك الكم من القوانين على منضدة برلمان يفترض أن أجله قد انتهي؟ وما العجلة في ذلك؟ صحيح أن بعض تلك القوانين، مثل قانون رفاه الحيوان، هو في حد ذاته رفاهية تشريعية، الحاجة له قد تظهر بعد عقدين أو ثلاثة من الزمان، مما يجعل تقديمه في الساعة الأخيرة الغرض منه تحويل الأنظار عن قوانين أخرى على درجة عالية من الأهمية، مثل قانون حرية المعلومات، والذي ظلت الحكومة مترددة بشأنه رغم الحاجة الملحة له باعتباره "استحقاق دستوري" منذ صدور الدستور، مما يجعل الزج به، ليصدره برلمان انفض سامره بالفعل، دون إتاحة زمن كافٍ لنقاشه، ودون عرضه على الخبراء المختصين، مسألة مثيرة للريب. والسؤال هنا هو إذا كان هنالك برلمان جديد سيتم انتخابه في أقل من شهرين، ولن يكون مختلفاً في ولائه السياسي عن البرلمان الحالي، فما هي العجلة التي تحتم إصدار كل هذه القوانين قبل ذهاب البرلمان الحالي إلى مثواه الأخير؟ هل تخشى الحكومة من البرلمان القادم؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فإنه بالقطع لن يكون البرلمان الذي سيأتينا عبر الانتخابات المعروفة نتيجتها سلفاً، والتي يعدنا بها، أو يهددنا بها لوشئت، الحزب الحاكم.
نبيل أديب عبدالله
المحامي

التيار






تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3495

التعليقات
#1200137 [الناهة]
0.00/5 (0 صوت)

02-02-2015 11:23 AM
الاستاذ نبيل اديب لك التحية
الامر ليس فيه غموض ابدا
الامام الصادق المهدي لم يتبرأ ويتوب ويغتسل من جريمة اعلان باريس ونداء السودان بالتالي ينتظره مصير ابوعيسى ومدني الذين احيلت ملفاتهما للمحكمة ليواجهوا خروجهم على الطاعة
ولكن الاغرب من ذلك فانه ليس لدى المعارضة حتى الان الا توقيع الاعلانات والنداءات وليس اكثر من ذلك ولكن تضمين هذه الاعلانات بند ينادي بالحساب والعقاب فتلك العقبة الكؤود لاناس قد رفع عنهم القلم ولا يجب ان يسالوا عما يفعلون وليس من حق اي جهة على وجه البسيطة ان تحاسبهم او تعاقبهم لان سلطتهم مطلقة والشعب السوداني باكمله ( جميعه) فوضهم على ذلك !!!!!!!
ان التحام المعارضة بشقيها المدني والمسلح لامر مزعج جدا للنظام الحاكم وقد كان اعلان باريس ثم التاكيد عليه بنداء السودان يعني عزم المعارضه على توحيد صفوفها والعمل معا لتحقيق هدفها اما اذا كانت تعمل كل منهما اعني المعارضة المدنية الناعمة والمسلحة الخشنة فهذا امر في مقدور النظام الحاكم التعامل معها وهي البيئة التي اعتاد النظام على مواجهتها طيلة 25 عام اما ان يتحدا معا فالامر مختلف تماما ومقلق


#1200127 [murtada eltom]
0.00/5 (0 صوت)

02-02-2015 11:09 AM
Thanks Mawalana Adeeb for your valuable Article,,and would like to comment that we are living in a country of LAWLESS regime, same as, life of the COWBOYS in middle of 17 and 18 century at deserts and mountains of Mixico and Arizona state,,where as servival of the fittest and powerful is the rule.


#1200098 [فتوح]
3.00/5 (3 صوت)

02-02-2015 10:30 AM
ألغزك كلها فشوش ....الأنتخابات حق دستورى كما يقول المؤتمر الوطنى .... معارضتنا التعيسة أنتخابات رافضة حوار رافضة أذن ما ذا تريدون ... أنا أقولها لكم تريدون الفوضى وعلى ظهرها تريدون الحكم لأنكم تعلمون جيدا أنكم كما المؤتمر الوطنى مرفوضون من الشعب لأنكم بكل أسف معارضة غير وطنية بالضبط كما هو حال حكومة المؤتمر الوطنى .... ركزواعلى آليات أنتخابات شفافة ونزيهة مراقبة دوليا الشعب هو الوحيد الذى يختار حاكميه لكى نخرج من دوامة شطرنج الحكم الطائفى والعسكرى البغيضان



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة