الأخبار
أخبار إقليمية
اليسار في السودان إلى أين؟!.. الحلقة الثانية ..سنوات الغليان
اليسار في السودان إلى أين؟!.. الحلقة الثانية ..سنوات الغليان


02-08-2015 03:58 PM
الشاهد أن القوى المعادية لحركة اليسار كان لا هم لها آنذاك سوى نصب الفخاخ فحتى لو أفلتت حادثة "شوقي" كانت ستبحث عن أخرى.. ويروي النور حمد حادثة بالغة الدلالة .. كيف امسك رئيس شعبة التربية الاسلامية في مدرسة حنتوب بخناق طالب قدم بحث عن الوجودية؟!

كان هناك تقدير خاص من جانب عبدالناصر لمواقف الحزب الشيوعي السوداني وإعجاب بشخصية عبدالخالق محجوب ..ولا ننسى دور الشفيع أحمد الشيخ الذي اعتمر بندقيته وذهب للانخراط في حرب السويس في 1956م وأوامره بفتح باب التطوع أمام العمال السودانيين للمشاركة فيها.

بعد أن اثاقل سورج الى الارض وباع قوائم الكوادر السرية الى نميري وانتهى احمد سليمان اسلاميا انقلابياً.. هنا يكمن سؤال مهم وهو كيف تسللت مجموعة من تلك القوى الانقسامية إلى الحزب مرة أخرى معلنة عودتها إلى صفوفه وإلى ماذا تشير هذه النقطة وماذا تعني؟

ولعل النجاح الأكبر يتمثل في تقديم ساسة من نوع جديد كما ذكرالباحث الفرنسي جاك لوكير عن تجربة الحزب الشيوعي السوداني في تنظيم وحشد المزارعين البسطاء لخوض معارك كبيرة. وهذا ما يؤكد قوة الحزب حينها وأنه بالفعل كان من أكبر أحزاب القارة فهو لم يك حزباً صغيراً "قدرنا كده" كما كان يردد سكرتير الحزب الراحل محمد إبراهيم نقد!!

في سبتمبر 2013م كان شرط تدافع جماهيري إلى الطرقات حاضرًا بطريقة لم تحدث في سنوات طويلة لكن ثمة ترتيبات أخرى داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية والمهنية تقاصرت، ماجعل وصول الجماهير التي تدافعت إلى الشوارع والميادين لغاياتها صعباً جداً إن لم يك مستحيلاً

تحقيق: خالد فتحي :علاء الدين محمود
صرخة ماركس

منتصف القرن التاسع عشر أطلق كارل ماركس صرخة قوية بثت الأمل في نفوس المستضعفين والكادحين : إن الطبقات الحاكمة ترتجف تحت وطأة الثورة الشيوعية.. إن البروليتاريا ليس لديها ماتخسره سوى أغلالها وتربح من خلفها عالماً بأسره.. يا عمال العالم وشعوبه المتحدة اتحدوا" ووجدت صرخة ماركس استجابة في أبعد بقعة كان ينتظرها أن تستجيب له في روسيا القيصرية لأنه كان يتوقعها في بريطانيا أو المانيا لأن عملية الفرز الطبقي كانت أكثر سطوعاً ، وفي 1917م استلمت الشيوعية روسيا وهي تعتاش على المحراث الخشبي وحولتها في بضع سنين إلى قوة عظمى. وهذا التفوق زاد من بريق النظرية وعزز من قدرتها على المنافسة على تغيير مصائر البشر إلى الأفضل. وأضافت شخصيات كجيفارا الذي نذر نفسه للثورة المطلقة وهوشي منه الذي صد جحافل الأمريكان عن فيتنام بعدًا أسطورياً إلى النهج والمثال الشيوعي، المتمثل في نظرية البطل النبيل.

في السودان
كان الحزب الشيوعي أكبر قوى اليسار في السودان بالفعل نسيج وحده على مستوى الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث ربما حتى العام 1971م عندما علقت قياداته في أعواد المشانق فمسيرة الحزب كانت مسيرة تمرد على السائد والجاهز والمألوف وكذلك في تطبيقه للماركسية ويقول السر بابو عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي : إن الحزب في وقت باكر من أيام حركات التحرر الوطني ونتيجة لدراسة واقع السودان وخصائصه وقتها رفض الحزب الشيوعي صيغة (النقل الأعمى) لتجربة الكفاح المسلح على نمط التجربة الصينية، والتي طرحت عام 1952م، وقدر إيجابياً خصوصية نضال شعب السودان الديمقراطي الجماهيري الذي أفضى إلى الاستقلال، وتم تطوير تكتيك النضال السياسي الجماهيري والتحالفات الواسعة في مقاومة ديكتاتوريتي نظام عبود والنميري ، حتى تمت الإطاحة بهما عن طريق الإضراب السياسي العام والعصيان المدني، وأصبح ذلك من التجارب المستقرة والتي كانت يمكن أن تستلهم في سبيل تكوين أوسع جبهة لإسقاط نظام الإنقاذ الراهن.وفي سبتمبر 2013م كان شرط تدافع جماهيري إلى الطرقات حاضرًا بطريقة لم تحدث في سنوات طويلة لكن ثمة ترتيبات أخرى داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية والمهنية تقاصرت، ماجعل وصول الجماهير التي تدافعت إلى الشوارع والميادين لغاياتها صعباً جداً إن لم يك مستحيلاً.. فسكنت جذوة الثورة في الطرقات ثم انحسرت وما لبثت أن خمدت حتى في نفوس الثائرين لكن لكي نكون أكثر موضوعية فإن كثافة النيران التي قوبل بها المتظاهرون والعنف المفرط الذي ووجهوا به في الشوارع كان فوق طاقة أي أحد وأيضاً فوق احتماله.
وهنا يتبدى جلياً الأثر البالغ لغياب دور النقابات والاتحاد ات المهنية على النحو الذي كان في أكتوبر وإبريل. لكن كل ما تقدم لا يعفي القوى السياسية من مسؤولياتها الأساسية في الضغط لأجل أن تبقى الجذوة مستمرة عبر التكتيكات المعروفة والمجربة وكذلك المبتكرة!!

لاتحرير بلا تعمير
وبعد الاستقلال رفض الحزب الشيوعي شعار الاتحاديين " تحرير لا تعمير"، وطرح شعار " لا تحرير بلا تعمير"، وبرر الشيوعيون رفضهم ذاك أن الاستقلال السياسي وحده لايكفي، بل يجب استكماله بالاستقلال الاقتصادي والثقافي، بانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وطور الحزب هذا الخط في برامجه المجازة في المؤتمرات الثالث والرابع والخامس. كما انتقد الحزب الشيوعي موقفه الخاطئ من اتفاقية 1953م، وقدر دورها الإيجابي من زاوية أنها كانت نتاج لنضال الشعب السوداني. وكان الشيوعيون يرون أن الاستقلال وحده ليس كافيا إنما هناك ضرورة ملحة أيضاً لتوطين العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
قراءة الواقع

وكذا كان الحال في لحظة أخذ الحزب الشيوعي للماركسية وتطبيقه لها في سعيه نحو فكر "خلاق " وفي ذات المقال يقول بابو إن في تلك السنوات الباكرة من تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني(حستو)، كان حسن الطاهر زروق "النائب الشيوعي" في أول برلمان سوداني يقول: إن شعب السودان سوف يشق طريقه الخاص باستقلال للاشتراكية وأن التجربة السوفيتية ليست ملزمة له، وأن نظام الحزب الواحد ليس هو الطريق الأمثل، إضافة إلى ضرورة ارتباط الاشتراكية بحرية الضمير والمعتقد ، وكان ذروة ذلك العمل الخلاق هو وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية التي دفع بها الأستاذ عبد الخالق محجوب إلى المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي عام 1967م وكذلك وثيقتا قضايا ما بعد المؤتمر ، وإصلاح الخطأ بالعمل وسط الجماهير.

وتأتي أهمية المؤتمر الرابع ووثائقه أن الحزب حينها كان محلولا ًبقرار من الجمعية التأسيسية صدر عام 1965م أي بعد عام واحد من ثورة أكتوبر والتي شهدت ازدهار الفكر اليساري فكان أن قررت الأحزاب ذات البرنامج الإسلامي تصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي وقادوا حملة شعواء لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وهي العملية التي تولى كبرها الإخوان المسلمون ووجد فيها قادة الحزبين الكبيرين ضالتهما فخاطب إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة،الجماهير التي تم حشدها أمام منزله مؤكداً :"أن الحكومة والجمعية التأسيسية ستضعان حداً لهذا الفساد، وإن لم تفعلا فإنه سينزل معهم إلي الشارع لتطهير البلد" .

ويقول صاحب معالم في تاريخ الحزب الشيوعي المؤرخ محمد سعيد القدال إن ذلك كان منعطفاً حاسماً وخطيراً في تطور الأزمة. فدخول أزهري بثقله السياسي وبشعبيته الجارفة حمل المعركة خارج قدرة الإخوان المسلمين المحدودة. كما أن أزهري قرر ما ستتخذه الجمعية التأسيسية بالنسبة للقضية قبل طرح الأمر عليها. ودخل أيضاً الإمام الهادي المهدي إلى المعركة واستدعى مجموعات من الأنصار إلى العاصمة.

والشاهد أن القوى المعادية لحركة اليسار كان لا هم لها آنذاك سوى نصب الفخاخ فحتى لو أفلتت حادثة "شوقي" كانت ستبحث عن أخرى كما يروي النور حمد عن حادثة بالغة الدلالة تنبئ عن مدى غوغائية الإخوان المسلمين وقعت أثناء دراسته في مدرسة حنتوب :"من التجارب المؤلمة، التي لا تزال منطبعة في ذاكرتي، والتي تدل على مدى العداء بين شعبة التربية الإسلامية، من جهة، والأساتذة اليساريين، والطلاب اليساريين من جهة أخرى، حادثة جرت حين قام أحد الطلاب، ولم يكن يسارياً صارخاً بتقديم بحث عن الوجودية، في شكل محاضرة على الطلاب، جرت من على مسرح المدرسة، الذي كان وقتها مجرد مصطبة جنوب فصل أولى متنبي تقف عبر الميدان المنجل المقابل للجرس ومكتب الناظر. وما أن فرغ الطالب من مقدمته، وفتح باب النقاش حتى نهض رئيس شعبة التربية الإسلامية، بعجلة واعتلى المنبر، وكان ظاهر التوتر.

وأمسك بالميكرفون وقال: أول سؤال يمكن أن يسأل لشخص يقدم محاضرة مثل هذه، هو: هل أنت وجودي؟ وكان واضحاً أن رئيس شعبة التربية الإسلامية لم يقصد بذلك سوى إحراج ذلك الطالب أمام زملائه. وكان واضحاً أن الأستاذ قد قصد أن يضع ذلك الطالب بين خيارين: فإن قال إنه وجودي، فإنه يصبح كافرًا بالله ورسوله، وإن قال إنه ليس وجودياً، يصبح مواجهاً بتبرير ترويجه لفكر إلحادي. أراد رئيس شعبة التربية الإسلامية، أن يختزل المسألة ويحصرها قسرًا في ذلك الجحر الضيق. وأذكر أن الجو توتر، وتعالت صيحات من الحضور، وانتهى الأمر إلى ما يشبه الفوضى".

لكن الحزب الشيوعي لم يذهب إلى ميدان الصراع ضد القوى الرجعية وحده فلقد مدت له الأيدي الصديقة من آسيا وإفريقيا والاتحاد السوفيتي بطبيعة الحال، وتكفل جمال عبدالناصر بإمداده بالسلاح سراً لمواجهة أي عداون محتمل ضد دور الحزب التي باتت هدفاً مشروعاً للقوى المعادية ، لكن الحزب لم يحتاج إلى استخدام تلك الأسلحة حتى وضعت سلطة نميري يدها عليها في أعقاب حركة يوليو 1971م.

وشهدت تلك الحادثة تطور أشكال التحالف بين الشيوعيين والقوميين العرب ممثلاً في استقالة رئيس القضاء بابكر عوض الله ذو الميول القومية من منصبه احتجاجاً على رفض حكومة الصادق المهدي قرار المحكمة ببطلان حل الحزب معتبرة إياه قراراً "تقريريًا" غير ملزم لها. وبالرغم من أن العلائق بين الحزب الشيوعي والثورة المصرية كانت متأرجحة خاصة أو أن تضييق عبدالناصر على الشيوعيين لكن كان هناك تقدير خاص من جانب عبدالناصر لمواقف الحزب الشيوعي السوداني وإعجاب بشخصية عبدالخالق محجوب وعندما قبل عبدالناصر مبادرة روجرز في 1970م امتعض بعض الشيوعيين بالسودان، لكن عبدالخالق كان واعياً بحقيقة ماحدث وان الرفاق بمصر لهم تقديراتهم الخاصة، كما روى الدكتور صدقي كبلو في كتابه" ذكريات سجين سياسي". ولا ننسى دور الشفيع أحمد الشيخ الذي اعتمر بندقيته وذهب للانخراط في حرب السويس في 1956م وأوامره بفتح باب التطوع أمام العمال السودانيين للمشاركة فيها.

تلك الحادثات المتوالية ولدت شعورًا سالبًا غشي سدرة الشيوعيين بنحو خاص والتيارات اليسارية عامة، بأن القوى الرجعية لن تدعه يمر ولن تدعه يعمل بل حتى لن تدعه يحلم. كما أظهرت الحادثة تباين واضح في وجهات النظر بين قيادات الحزب واحتد صوت تيار(اليائسين والمغامرين) مرتفعا وخلصوا إلى أنه ليس لهم ثمة سبيل إلا بالاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري وهذا ما سماه عبدالخالق محجوب "صياح من أعلى البيوت".

وهذا ما سنأتي لتفصيله كاملاً عند حديثنا عن خطيئة (مايو) 1969م ونكسة (يوليو) 1971م. ولعل نهايات قادة تيار اليائسين والمغامرين تنبئ عن خطل أفكارهم وقصر نظرهم مقارنة برؤى عبدالخالق فقد انتهى المطاف بأحمد سليمان المحامي إسلامياً بل وشارك بفعالية في تدبير انقلاب يونيو 1989م بينما تثاقل معاوية سورج إلى الأرض تحت ظل مايو بعد أن فض لها مغاليق خزانات أسرار الحزب التنظيمية بينها قوائم لأعضاء الكوادر السرية التي تجاوزت الأربعين ألف كادر سري وقتها شكلت قاصمة ظهر في صراع الشيوعيين ضد مايو بعد أحداث يوليو 1971م. وربما هنا يكمن سؤال مهم وهو كيف تسللت مجموعة من تلك القوى الانقسامية إلى الحزب مرة أخرى معلنة عودتها إلى صفوفه وإلى ماذا تشير هذه النقطة وماذا تعني؟ !! وهذا ما سنأتي إليه لاحقاً.

تصفية حساب
وتؤكد كل الدلائل أن الأحزاب السياسية قررت استغلال الحادثة الطالب "الصفيق" لتصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي فدفعت بأعداد من مؤيديها لمهاجمة دور الحزب بالأسلحة وبأسلوب همجي أطلق عليه عبد الخالق "عنف البادية" وازداد تصاعد الموقف عندما قامت بعض جماهير الأحزاب بمحاصرة البرلمان مطالبة بحل الحزب الشيوعي.
واجتمعت الجمعية التأسيسية في 15 نوفمبر 1965 وبدأت سلسلة الإجراءات العجولة، حيث علقت اللوائح وخرق الدستور واستخف بالأعراف والتقاليد السياسية والبرلمانية وأهينت الثقافة وامتهن الفكر فما الذي حدث؟ تقدم محمد أحمد محجوب زعيم الجمعية ورئيس الوزراء يطلب إلى رئيس الجمعية برفع المادة (25) من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل. ثم قرأ الرئيس اقتراحاً تقدم به ستة أعضاء يقول " أنه من رأي الجمعية التأسيسية بالنسبة للأحداث التي جرت أخيراً في العاصمة والأقاليم وبالنسبة لتجربة الحكم الديمقراطي في البلاد وفقدانه الحماية اللازمة لنموه وتطوره أنه من رأي الجمعية التأسيسية أن تكلف الحكومة للتقدم بمشروع قانون يحل بموجبه الحزب الشيوعي السوداني ويحرم بموجبه قيام أحزاب شيوعية أو أحزاب أو منظمات أخرى تنطوي مبادئها على الإلحاد أو الاستهتار بمعتقدات الناس أو ممارسة الأساليب الدكتاتورية".

دعاية مضادة
غير أن الهجوم على هذا النحو على الحزب الشيوعي كان قديماً وبدأ كذلك مع الدعاية المضادة للأفكار الشيوعية التي حملتها جماعة الإخوان المسلمين ففي العام 1954م قام الإخوان المسلمين وفقاً لما روى صاحب مؤلف "الإخوان والعسكر" حيدر طه : قاموا بتوزيع منشورات في العاصمة وفي عدد من المساجد ممهورة باسم الشيوعيين تدعو فيها الناس إلى التخلي عن الدين الإسلامي وإسقاطه من حياة الفرد والمجتمع وتنادي فيها بحياة الشيوعية والشيوعيين وعلى إثر هذه المنشورات نظمت حملة في المساجد ضد الشيوعيين تطالب بإهدار دمهم فقد وقف "الغبشاوي" واعظًا بعد صلاة الجمعة في مسجد ود نوباوي معيدًا حديث الإفك محرضًا الناس على هذه الفئة الملحدة وأثار الخواطر وهيج العواطف الدينية لدى المصلين الذين كان معظمهم من كيان الأنصار وكان الإمام عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار حاجزًا بين المصلين فما أن رأى الفتنة تطل برأسها حتى نهض مخاطباً الناس قائلاً :" إنه حسب علمه فإن المصدر الحقيقي للمنشور المشار إليه تحيطه الشكوك والريب ولم يثبت أنه من عمل الشيوعيين وأنه قرأ في الصحف أن أحد الشيوعيين قد نفى أنهم يحاربون الدين وهذا يكفينا كمسلمين وأن الإسلام لا يأخذ الناس بالشبهات" وهذا الحدث يدل على أن العمل ضد الأفكار الشيوعية كان قديماً.

ويدل في ذات الوقت أن هذه الأفكار كانت مؤثرة جدًا وهذا ما بدا واضحاً في الأيام التي سبقت ثورة أكتوبر وما بعد ثورة أكتوبر في العام 1964م فقد علا صوت الحزب الشيوعي وراجت أفكاره وكان من أقوى صناع ثورة أكتوبر وفي أعقاب نجاحها أصدر عبد الخالق محجوب بياناً مبيناً وجهة الحزب في المرحلة القادمة وجاء في بعض من البيان"أيها العمال والمزارعون والمثقفون: إن ثورتكم، ثورة 21 أكتوبر، تقترب من أهدافها العظيمة التي دخلتم من أجلها الإضراب السياسي الناجح. وسالت دماء شهدائنا على تربة وطننا".
وفي بيان أصدره الحزب الشيوعي وضح خط الحزب لمرحلة ما بعد أكتوبر وهو البيان الذي جاء فيه : "قصدنا هو تبديل الحكم الرجعي بحكم وطني ديمقراطي، يفتح الطريق أمام الاشتراكية في بلادنا. وهكذا، بدأت تنمو حركة الطبقة العاملة، وحركة المزارعين، والطلاب، والمثقفين. وتتجه نحو طريق الحزب الشيوعي. وقد أشار حزبنا في بياناته المتعددة إلى أن العناصر اليمينية، وقوى الاستعمار، لن تقبل هذا الوضع. بل ستعمل لتزييف إرادة شعبنا، وإلى تنصيب حكم أكثر رجعية في البلاد، يخنق القوى الديمقراطية" وكان للشيوعيين قصب السبق في حكومة جبهة الهيئات التي وصفها بعض المراقبين أنها جاءت معبرة عن روح وشعارات ثورة أكتوبر.

سياسيون من نوع جديد
ولعل النجاح الأكبر يتمثل في تقديم ساسة من نوع جديد كما ذكر الباحث الفرنسي جاك لوكير عن تجربة الحزب الشيوعي السوداني في تنظيم وحشد المزارعين البسطاء لخوض معارك كبيرة . وقد ذكر بأن الحزب الشيوعي السوداني حقق إنجازاً تاريخياً بتأهيل مزارعين بسطاء وأميين إلى مصاف القادة الوطنيين، شيخ الأمين محمد الأمين ، ويوسف أحمد المصطفى وشيخ الخير مثالاً.. هذا الإنجاز ، كما ذكر لوكير، لم يسبقه عليه فى التاريخ إلا الحزب الشيوعى الصينى في أربعينات القرن الماضي . وفي كتاب "تلك الأيام" للأستاذ كامل محجوب ، سجل تجاربه وتجارب عشرات المتفرغين الشيوعيين الشباب ، في استنهاض حركة المزارعين .. لا عن طريق المنشور والندوات الموسمية ، بل بالعيش وسط المزارعين، وفي مجالسهم وأفراحهم وأتراحهم ، وعملوا بصبر مثل صبر الصحابة ، لإدخال الوعي إلى صفوفهم. ولعل هذا مادفع عبدالخالق محجوب أن يقول أمام نميري بثقة عندما حاول استفزازه أثناء محاكمته بعد هزيمة انقلاب هاشم العطا ماذا قدمت لشعبك ؟ فقال : الوعي ثم الوعي ما استطعت. وربما ما ذهبنا إليه هنا يؤكد قوة الحزب حينها وأنه بالفعل كان من أكبر أحزاب القارة فهو لم يك حزباً صغيراً "قدرنا كده" كما كان يردد سكرتير الحزب الراحل محمد إبراهيم نقد ! وهذا أيضًا سنأتي إلى تفصيله لاحقاً.
في الحلقة الثالثة .. الأحلام الشاردة

التيار



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1961

التعليقات
#1204538 [ابو مروان]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 11:19 AM
لا نفقه كثيرا في موضوع هذا يميني وهذا يساري أكثر من مقولة (Two extrms) . لكن المعروف أن الديمقراطية تعرف حزب أو أحزاب (إئتلاف) تشكل حكومة والأعضاء في البرلمان يجلسون الى اليمين من المنصة.
وأحزاب المعارضة تجلس الى اليسار . وفي السودان اليسار معناه شخص أو حزب لا علاقة له بالدين واليمين هم ناس الراية(لا اله إلا الله محمد رسول الله )بينما اليساريون يصلون ويصومون . أفتونا!


#1204418 [ود السودان]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 09:19 AM
الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الحزب الشيوعي هو أنه بعد ثورة أكتوبر 1964م وصلت العضوية الجماهيرية بعد فتح دور للحزب في كافة مناطق السودان إلى أكثر من مليون وتقاطر الشباب نحو الحزب وظهرت دعوة تغيير مسمى الحزب إلى حزب العمال أو إلى الحزب الثوري أو التجمع الوطني الديمقراطي أو الإشتراكي ولكن المتعصبين رفضوا الفكرة وحرموا الجماهير اليسارية من الدخول وبقوا على الكادر والإجتماعات السرية داخل الغرف وضاع اليساريون السودانيين وبعضهم دخل الحركة الشعبية بقيادة قرنق ولا زتال ذلك مشكلة عدم وجود حزب شعبي لليسار أما على المواطن الموافقة على الدخول في الكادر وإلا أن يتفرج وهذه مشكلة الجماهير السودانية وحتى اليوم .


#1204129 [abozikra]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2015 06:04 PM
شكرا خالد فتحي.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة