الأخبار
أخبار إقليمية
فقر "سيتوبلازمات" الفكر السياسي السوداني
 فقر
عماد البليك


02-09-2015 11:59 AM
عماد البليك

في فترة، ربما في نهاية الستينات من القرن الماضي، إلى نهاية الثمانينات كان ثمة نوع من الهروب أو الهجرة من اليسار إلى اليمين، من الشيوعية إلى المحافظة في التفكير، وكان ذلك الفعل في السودان يتخذ موقفا ملحوظا من خلال بعض النماذج وأبرزها المحامي أحمد سليمان الذي كتب "مشيناها خطى" في سيرة التحول والتغيير وقدرة الذات على الانفلات من المحطة الواحدة، وهناك أيضا عمر ياسين الإمام وعبدالباسط سبدرات وآخرين. وبغض النظر عن مناقشة العمق المعرفي الذي كان وراء حدوث هذا النوع من التحول، وهل كان مرتبطا لدرجة ما بسياق السياسة والمتغيرات في هذا الجانب جراء انكسار الشيوعية في سنوات النميري الأولى وتعرضها للجفاف الذي بدأ يضربها فعليا منذ تلك الأيام، فقد بدا من الجلي أن هجرة اليسار إلى اليمين تبتعد يوميا باتجاه ليس المحافظة بل الدوران على فعل الإسلام التقليدي إلى أشواق المتصوفة والبحث عن جذور للشيوعية وقيمها الاقتصادية والاجتماعية داخل الفكر الإسلامي.

لقد تكثف هذا الفعل في رغبة الانتقال وتغذية الأشواق اتجاه جهة ما قد لا تكون محددة أو مرئية، وأصبح التصوف في أحيان غالبة هو الملجأ الأخير للشيوعي "التائب" بحيث نصل إلى تلك اللحظة الغامضة التي كان قد أشار إليها القدماء عندما يكون اليقين والشك وجهان لعملة واحدة.
وقد كنت في سن مبكرة كثير الاستغراب لسر غرام اليسار السوداني بالأستاذ محمود محمد طه وفكره، وهل السبب يتعلق بأنهم يرون فيه صورة للإسلام الجديد المنشود المتحرر من الغلواء والتعصب والتشدد؟ أم أمر آخر، بخلاف التباين في القواعد التي يقوم عليها كل من الطرفين. لكن سؤالي لم يقف هنا فالبحث عن أسباب الشيء ومسبباته يجب ألا يقف عند حدود الشكل والظاهر، بل يجب أن ينفذ إلى الخواص اللامرئية أو الطبقات التحتية التي تشكل ما يتحرك أو يتمثل في المرئي.

وبمثلما يفكر الفيلسوف والمحلل النفساني الفرنسي الأكثر حداثة ميغال بنسياغ، فالتاريخ "ليس تاريخ التمثلات إنما ينجم عن عدد هائل من الأحداث الصغري..".. ".. ففي الغالب فإن الأحداث الصغرى هي التي تؤسس لتلك الكبرى". وبهذا الافتراض النظري الفلسفي فإن البحث عن جذور العلاقة بين اليسار والتصوف والمحمودية، يعني أن نعيد التفكير في تلك الأحداث الصغرى التي لم يقف عندها المفكر أو الباحث السوداني بدقة، فالغالب في تحليل الأوضاع والتغيرات في متشكل الظرف الاجتماعي والسياسي عندنا قائم على الشكليات والقيم الكبرى والدوال النهائية، في حين نهمل بدرجة كبيرة ما وراء ذلك، ما يعرف بذراري المتمثل، تلك الحبكات الصغيرة التي ليس لأحد يراها سوى بميكروسكوب معقد من الوعي والجدل والاستنارة.

لكن السؤال الذي يقف هنا. هل كان لدينا ذات يوم نوع من التفكير الفلسفي والجدلي البعيد.. أي العميق في سبر أغوار المنتجات والتمثلات والأخيلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها في المجتمع السوداني. هل وقفنا ذات يوم لنحلل مثلا ظاهرة معينة اجتماعية على سبيل المثال، مثلا.. علاقة السودانيين بطقس الموت ولماذا يحمل تنازلات معينة لصالح زمن يتوقف رهانا للتمجيد والاحتفاء الذي سرعان ما ينزوي ويُنسى، وهل لذلك علاقة بالتاريخ الاجتماعي المتراكم.. وربما قضايا كثيرة لا حصر لها، فكل ظاهرة أو تقليد أو متجسد معين يتطلب البحث عن ما وراءه من دوافع سواء كانت مقصودة أم تلقائية تشكلت عبر حلقة من الأزمنة المتداخلة بحيث يصعب الفرز أو إيجاد البداية.

دائما يمكن العثور أو الوصول إلى إجابات جاهزة.. وهذا هو الشيء الأسهل، عندما ينتهي السؤال إلى إجابة معلبة. لكن هذا النوع من الإجابات سريع العطب وفاسد، كما أن حضور الإجابة لا يعني أننا أذكياء، والسائد في فكرنا السوداني هو تلك الفيزيقية بإسباغ الدلائل والأحكام وفيضانها الكبير على الأسئلة بحيث تغطي على رغبة الكائن على توليد المزيد من الاستفهامات. ومعروف أن العقل البشري يطور المحيط والبيئة والحياة عموما من خلال الشك العارف لا اليقين المستسلم.. من خلال التحريك لا الجمود، لهذا نرى كل يوم مخترعا جديدا أو قيمة وليدة تضاف للعالم المرئي أو الجمالي أو المكتسب المعرفي عموما.

يظن غالبيةٌ أن الشيوعية وجدت في اليمين.. المحمودي أو الصوفي ملاذا بديلا.. أو اختراعا لمثال لم يتحقق في المادي والملموس في محاولات أنسنة الجدليات الماركسية في فعل الحياة والممارسات.. أو يحاول أن يربط بين جذور التشكيل للعقل المحلي وكونه متعلق بالغيبيات والجذر العقائدي الديني وغيرها ليصل إلى الإجابة. لكن ليست المتحصلات تأتي بهذا الشكل. حتى لو كانت التمثلات أن هناك من هجر الفكرة إلى تضرع واضح انعكس في صلاة ليلية عميقة أو تبتل.. بحيث يكون للمنقطع من فكر المادة أن يتهامس ويتعايش مع المنفتح من فكر الروح والهيوليات.

لقد لفت انتباهي أحد ممارسي السياسة في السودان وهو أحد القادة الحزبيين إلى ما اسماه "سطحية اليمين واليسار" وهو يتكلم عن الفكر السياسي وفقره في السودان، وكيف أن كلاهما سواء اليمين واليسار قائمين على مناظير مسطحة في وعي الذات والتماهي مع الآخر.. وهذا يعني ليس عدم القدرة على الإنتاج وتوليد الجديد وبالتالي المساهمة في إبداع حياة أكثر نعمة للمجتمع، بل يعني قبل ذلك أننا أمام ظواهر هي نتاج ظرفيات التاريخ وعدم قدرتنا على الاستجابة المعقلنة لما يحدث، إذ يهيمن الوقتي واللحظي.. والتفكير الفقاعي، فالمبادئ والمفاهيم عندنا غائبة، أي تحديد نوعية وحجم وافتراضات الأشكال التي تصنع المجسدات والملموسات، فنحن نهتم بإنتاج تصنيمات متواترة من الخلاصات التي لم تستند لوعي عميق في الاستنارة المطلوبة.. تلك التي تقوم على إدراك للذات يقوم على استنطاق السيتوبلازمات المركزية التي تشكل الأبعاد البنائية للتجليات والمرئيات.

إن ظاهرة البحث عن اليسار في وسط اليمين عبر أشكال التصوف والإسلام الذي يميل للطقوس الشعبية والتقاليد المتوارثة في المجتمع لاسيما في التماهي مع البعد الأفريقي، يعني ذلك رغبة في إنتاج سياق جديد للذات لكن هذا لا يكتمل إلا عبر مجموعة من المراجعات التي تحدد كيف كان ذلك وإلى أين يسير، والملاحظة نفسها تنطبق على مسار الممارسة في الحركات التي تتبنى اليمين والعقيدة الدينية، فهي الأخرى قد استفادت من آليات اليسار في فعل التنظيم السياسي وهرمية البناء، وبالتالي فيمكن القول إن هناك تداخل يتم وخبرات تتناسخ بطريقة غير محسوبة بدقة أو مبرمجة.

وهذا هو – ربما - ما يصفه ذلك الممارس السياسي، بـ" التسطيح" لأن افتقاد الرؤية والبصيرة في القيام بالشيء يحول الممارس أو الفاعل إلى باحث لم يستقر بعد على النتيجة، وإذا كان البحث نفسه شكلا إيجابيا في الوعي. إلا أن البحث المجرد عن الانتباه لقيمة الذات وموقعها في الإطار التاريخي والموضع الظرفي للوقائع والمتغيرات، لا يفضي لغير الدوران العشوائي الذي يقود في النهاية للنقطة نفسها التي كانت البداية عندها.
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1691

التعليقات
#1204935 [النصيحة حارة]
1.00/5 (1 صوت)

02-09-2015 09:45 PM
كنت داير اقرأ روايتك علا بعد مقالك دا قنعت تب


#1204906 [عدو النجارين]
1.00/5 (1 صوت)

02-09-2015 08:39 PM
TAHER OMER .... YOU NAILED IT
THANK YOU


#1204714 [مجودي]
5.00/5 (1 صوت)

02-09-2015 02:54 PM
ياخي مد رجلك قدر لحافك ...

اللغة دايرالا استيعاب مكرب للشيئ العاوز تقولو علشان تنضبط والناس تفهمها.

المشكلة لمن انت زاتك تكون ما فاهم بتكتب في شنو ، تقوم تلخبط الناس معاك.

كمثال :

يظن غالبيةٌ أن الشيوعية وجدت في اليمين....المحمودي أو الصوفي ملاذا بديلا

دي لغة بالله ؟؟ كمان زول عامل فيها قاص ومتمكن ...

شيوعية شنو العلي اطلاقها دي القاعده تفتش في محمود والصوفية ؟

خليك راجل محدد . اكتب " الحزب الشيوعي السوداني وجد في ..... "

وشوف جنس كلام الطير التحت دا :

"الا أن البحث المجرد عن الانتباه لقيمة الذات وموقعها في الإطار التاريخي والموضع الظرفي للوقائع والمتغيرات، لا يفضي لغير الدوران العشوائي .."

هو في دوران عشوائي اكثر من خرمجتك دي ؟


#1204642 [ملتوف يزيل الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 01:11 PM
بلا رتوش ، الحركة الشيوعية عقلانية ، و محمود محمد طه عقلاني ، و العقل هو الذي سيسود البشرية و كلما عدى ذلك سفسطه و استعراض معارف ونظريات تخللت مسيرة الانتقال من الغيبيات الي العقلانيات.


ردود على ملتوف يزيل الكيزان
European Union [TAHER OMER] 02-09-2015 03:49 PM
الشيوعية تقوم على مطلق كمطلق الخطاب الديني المنغلق ولا يتأتى من مطلق الشيوعية والخطاب الديني غير النظم الشمولية التي لا تختلف في ممارستها البشعة عن الفاشية والنازية.أما الطهرانية الدينية دونك نظام ولاية الفقيه وغيرها من إستهبال رجال الدين. العالم اليوم في سبيل ترسيخ الحرية الفردية ينتظر يوم سوف تحاكم فيه الشيوعية كما تمت محاكمة الفاشية والنازية. وفظائع الشيوعية قد وضحتها رواية أرخبيل الغولاغ وقبلها قد تحدث الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي ريموند ارون عن فكرة أفيون المثقفين وبشاعة الشيوعية.النزعة الإنسانية التى تحارب الطهرانية الدينية و المركزية العرقية وأمراض النخبة المثقفة هي التي سوف تقود البشرية الى حيث يصبح الدين خارج عن ميدان السياسة ولا يتجاوز وظائفه وهي تحديد ملامح مجموعة بشرية يوضح لها خارطة عبادتها تحترم الآخر المختلف ومعتقداته وتؤمن إيمان كامل وشامل بميثاق حقوق الإنسان.


#1204638 [ابوبكرالرازي]
4.50/5 (2 صوت)

02-09-2015 01:06 PM
اكون مجنون لو فاهم حاجة , خليك في روياتك ياابني عماد البليك فما كتبت تناول إنشائي فقط لا عظم فكري له ,وهذه "مخادة " أكبر من قدراتك, حاول الحد من تضخم الأنا عندك لعلك تكون من المفلحين


ردود على ابوبكرالرازي
European Union [سمير الحسين / كســــــــــــلا] 02-09-2015 03:24 PM
يعني يا الرازي إنت لاتكتب ولا تخليهو يكتب , الأستاذ كتب و لعه سباق في فكرته وتناوله للموضوع ,,,,,,,, ياخي حرام عليك .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة