الأخبار
أخبار إقليمية
اليسار في السودان إلى أين؟..الحلقة الثالثة..
اليسار في السودان إلى أين؟..الحلقة الثالثة..
اليسار في السودان إلى أين؟..الحلقة الثالثة..


02-10-2015 01:52 PM
الأحلام الشاردة

تولّى الحزب الشيوعي عملية تحديث السياسة السودانية علي عدة مستويات محقِّقا حضورا سياسيا فعالا بوّأه مركز قيادة القوى الحديثة

بلغت سطوة اليسار حداً أجبرت خصومه على التنقيب عن نقاط التماس مع أفكاره، فبدأ الصادق المهدي يتحدث عن(السندكالية) و(اشتراكية المؤمنين) والتركيز على تراث الصحابي أبي ذر الغفاري وتقديم مواقفه على أنها مواقف اشتراكية

من أكبر الاوقات التي شهدت ارتفاعا لمدّ الحزب الشيوعي لحظات ثورة إكتوبر التي أفرزت أفقا متوهجا بالتفاؤل والثقة الزائدة بإمكانية استعادة الأحلام الشاردة

الثورات تمر بمراحل ،أهمها مايمكن تسميته بعملية الفرز الضروري ، ويتمثل في تمايز الصفوف بين الثوار الحقيقيين وبين الانتهازية أو الفئات القديمة.

الإسلاميين رغم فوزهم بكل تلك المقاعد في الديمقراطية الثالثة لايزالون أقلية وأن عدد الذين يؤمنون بفكر الأخوان المسلمين أو من يسمونه (حماة بيضة الإسلام بالسودان) لا يتجاوزون (12) ألف شخص وأن التفوق العددي يأتي دائماً عبر الترغيب والترهيب

تحقيق: خالد فتحي: علاء الدين محمود
ثم تفجرت ثورة أكتوبر بالحق، وصاحت في وجه الطغاة هذا ماكنت عنه تحيد !!. ولعل الدماء التي انسكبت قانية من "القرشي وأخوانه" منحتها خلوداً على خلود، وصيَّرتها أسطورة في أقاصيص الشعوب المقهورة السائرة نحو طريقها للخلاص من حكم الطواغيت، الساعية نحو الحرية والانعتاق. وبرمزيتها تلك أجبرت ثورة أكتوبر كل الساسة والمبدعين في كل المجالات على التفاعل معها وبها وإليها وتفجرت قريحة الشعراء أجمل ما يكون وتدفقت الألحان وتموسقت الكلمات وتعبأت حناجر الفنانين ومن ورائهم الشعب بكل طوائفه وفئاته وأحزابه لثورتهم الفتية.
أفكار تزدهر
وفي مقالته الموسومة "ثورة أكتوبر والنقلة النوعية في الحركة العمالية السودانية" يقول صديق الزيلعي : هزت ثورة أكتوبر الشعبية ساكن الحياة في السودان، وخلقت وعياً ديمقراطياً طاغياً، جعل من الصعب على كافة القوى السياسية تجاهل الرغبات الأكيدة والمعلنة لجماهير الشعب السوداني في التغيير السياسي والاجتماعي. وأدت الثورة أيضاً لتحجيم نفوذ قوى اجتماعية كانت تتمتع بالسلطة المطلقة والطاعة العمياء من قبل قطاعات جماهيرية كبيرة ومؤثرة. كما أن الثورة أعطت قوى اجتماعية صاعدة مزيداً من النفوذ وأبرزت تأثيرها على الحياة السياسية وتزايد القبول الجماهيري لبرامجها البديلة وأفقها الجذري وإحدى أهم تلك القوى الاجتماعية التي تصاعد نفوذها بعد انتصار الثورة هي الحركة العمالية النقابية السودانية".
ونجح الحزب الشيوعي في رفد الساحة بأفكاره وأدبياته. ويقول المفكر البعثي عبد العزيز حسين الصاوي: إن الحزب الشيوعي قد تولى عملية تحديث السياسة السودانية على عدة مستويات محققاً حضوراً سياسياً فعالاً بوأه مركز قيادة القوى الحديثة بجدارة لفترة طويلة .
الرافعة الرئيسة لهذه العملية كان ممارسة العمل السياسي وفق تخطيط استراتيجي للمديين المتوسط والبعيد مستمد من تحليل للواقع الاقتصادي- الاجتماعي انطلاقاً من نظرية فلسفية معينة، وتراتبية حزبية تنظيمية محكمة. هكذا نشأت تحت تأثيره العام، وقيادته المباشرة في معظم الحالات، أول الهياكل النقابية للعمال والمزارعين وأول تنظيمات قومية للشباب والنساء أواخر الأربعينات وأوائل خمسينات القرن الماضي، فضلاً عن حضوره الطلابي القوي في المرحلتين الثانوية والجامعية وفي أوساط الأدباء والفنانين ورجال الأعمال وأيضاً وسط شباب العسكريين حتى إن قيادة إنقلاب مايو 69 كانت حريصة على كسب تأييده وعينت اثنان من أعضائه العسكريين في مجلس قيادتها. وهما بابكر النور وهاشم العطا.
المرأة والفن
انتخابياً، أمارات صعود الحزب الشيوعي وشى بها أن نائبه الوحيد في أول انتخابات خاضها الحزب عام 1953، حسن الطاهر زروق، جاء في المركز الرابع بين 22 مرشحاً، ومشتركاً مع ألمع نجوم السياسة السودانية وقتها (المحجوب ومبارك زروق وخضر حمد ) في شريحة الأصوات الأعلى المتجاوزة لحاجز الثلاثين ألف صوت ضمن المقاعد الخمسة المخصصة للخريجين. هذا الصعود كان ينبيء بسرعة تقدم الحزب الشيوعي في أوساط القوى الحديثة وبمحورية الدور الذي لعبته بقيادته في إسقاط نظام نوفمبر1958، كما أثبت صعوده السلم الانتخابي عام 1965 الذي بلغ درجة اكتساح كافة دوائرالخريجين تقريباً ( أحد عشر من 15 مقعداً )، بينما أوشك سكرتيره عبد الخالق محجوب على هزيمة زعيم حركة الاستقلال الوطني إسماعيل الأزهري في دائرة أمدردمان الجنوبية، حيث فاز الأخير بفارق ألف صوت فقط، وعاد للفوز فيها في انتخابات تكميلية ضد أحد أبرز قيادات الحزب الوطني الاتحادي، ورغم أن الحزب كان محلولاً قانونياً حينها. إلى جانب ذلك هناك ملاحظتان فيما يبدو مناقضاً لسياق هذا التحليل وهو الاختراق الأهم لقائمة الحزب الشيوعي في انتخابات دوائر الخريجين من قبل حسن الترابي محرزاً أعلى الأصوات.
فمرشحو الحزب الشيوعي اكتسحوا بقية القائمة كلها تقريباً ككتلة واحدة بأصوات متقاربة بما يعني أن الاختراق هو من قبيل الاستثناء الذي يثبت صحة قاعدة تصاعد نفوذ الشيوعيين، لأنه كان خاصاً بفرد وليس بالتيار السياسي النقيض لتيار اليسار الذي يمثله. بل يمكن القول إن صعود الترابي في الحركة الإسلامية وخارجها تم بفضل هذا النفوذ، لأن التجاوب مع تحسساته التجديدية ( الفن، المرأة ) التي مهدت طريقه كانت مستحيلة بدون مناخ التجديد العام الذي نتج عن الصعود الأكتوبري للشيوعيين واليسار عموماً.
سطوع فاطمة
وسطع نجم فاطمة أحمد إبراهيم رمزاً لنضال المرأة السودانية والتصدي لحكومات التسلط العسكري . وهي من القيادات النسائية الرائدة في ظروف اجتماعية صعبة، ولعب الاتحاد النسائي السوداني الذي قادته عام 1952م، وتحوَّل إلى حركة جماهيرية واسعة النطاق تطالب بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية.. دوراً مهماً في النضال ضد حكم الفريق عبود العسكري وساهمت مجلة الاتحاد النسائي "صوت المرأة"، التي ترأست تحريرها فاطمة إبراهيم في توعية النساء وقيادة الحركة النسائية، وفي عام 1954 انضمت فاطمة للحزب الشيوعي السوداني الذي يعد أول حزب يضم داخله تنظيماً نسوياً. إلى أن قامت ثورة أكتوبر عام 1964 التي تمكنت خلالها المرأة السودانية من حقها في التصويت والترشح لعضوية المجلس النيابي.
وفي عام 1965 انتخبت فاطمة أول نائبة في البرلمان السوداني، وهو موقع حققت من خلاله إضافات أدرجها الدستور السوداني سنة 1968م، ليكفل حق المرأة في كل المجالات العمل والمساواة مع الرجل في الأجر وفي فرص التأهيل والتدريب والترقية إلى جانب منع الزواج الإجباري وتحديد السن الأقصى للزواج وإلغاء قانون "بيت الطاعة". وانتبهت فاطمة بوعي شديد إلى أن قضايا الحريات والفقر مقدمة على القضايا الأخرى التي تتصدر اهتمامات منظمات المجتمع المدني بالوقت الراهن التي يعدها كثيرون ظواهر ثقافية واجتماعية يتغلب عليها المجتمع بالمزيد من الوعي وفي ذلك يتختلف الناس .
السندكالية واشتراكية أبو ذر
وازدهرت في تلك الفترة حركة التحديث في الشعر وسط الطلاب، والغريب أن حركة الشعر وسط الطلاب لم ترتبط كثيراً بشعبة اللغة العربية، بقدر ما ارتبطت بالأساتذة اليساريين في الشعب المختلفة. كما يؤكد النور حمد ولذلك فيمكن القول إن قوى اليسار وسط المعلمين هي التي كانت مرتبطة بحركة التجديد، في الفكر، والأدب والثقافة، وكانت بذلك حاملة شعلة التجديد، والتحديث، بلا منازع".
وبلغت سطوة اليسار حداً أجبرت حتى خصومه في التنقيب عن نقاط التماس مع أفكاره، فبدأ الصادق المهدي يتحدث عن (السندكالية) و(اشتراكية المؤمنين) وجرى التركيز على تراث الصحابي الجليل أبوذر الغفاري وإعادة إنتاج مواقفه على أنها مواقف اشتراكية بطريقة لافتة للانتباه. لكن مع ذلك ظل البعض متوجساً حتى من الاشتراكية نفسها، فالملك فيصل بن عبدالعزيز سأل نميري بضيق عن سبب إصرارهم على كلمة الاشتراكية، وقال له لماذا لا تقولون عدالة اجتماعية؟!
استعادة الأحلام الشاردة
بهذا الحجم الكمي والنوعي كان تميز دور الحزب الشيوعي في ثورة أكتوبر بمراحل عن دور الأطراف السياسية الأخرى متمثلاً في التوصل إلى صياغة استراتيجية الإضراب السياسي منذ 29 أغسطس 61 وتهيئة مستلزمات إنجاحه، أمراً منطقياً. بل إن صحة ما يقال عن ارتخاء معارضته للنظام وقبوله بدخول انتخابات المجلس المركزي عام 63 ، والانقسام الذي عانى معه في الصراع مع الجناح اليساري تضفي أهمية أكبر على هذا الدور لأنه تحقق رغم هذه المعوقات.
درجة الحضور الشيوعي المباشر وغير المباشر في القيادة الميدانية والسياسية لثورة أكتوبر (جبهة الهيئات) تجلى في حصوله على ثلاث مقاعد في مجلس الوزراء، إضافة لاثنين على الأقل من المحسوبين عليه ( عابدين إسماعيل) و(عبد الكريم ميرغني ) مقابل مقعد واحد للأحزاب الأخرى، إلى جانب ما ذكر سابقاً من مظاهر أخرى مثل نتائج دوائر الخريجين، وذلك حتى إسقاط حكومة أكتوبر الأولى بعد أقل من أربعة أشهر من تكوينها في نوفمبر 64 بالتهديد باستعمال العنف الشارعي الريفي. وهو ما شكَّل بداية الهجوم المضاد من قبل جبهة تكتل للوسط واليمين التقليديين والإسلاميين على الحزب الشيوعي في دلالة حاسمة على مدى تصاعد نفوذه انتهت إلى حله قانونياً في إجراءات برلمانية وقانونية بدأت في نوفمبر 1965 واكتملت في ديسمبر من نفس العام.
كان نجاح الحزب في ذلك نجاح لكل مكونات اليسار وأفكاره في تربة قالوا إنها لن تقبل تلك الأفكار، غير أنها الأفكار التي حملت حرباً شعواء من قبل الإسلاميين والقوى التقليدية، فلو أن التربة لا تقبلها فلماذا كل تلك الحرب التي واجهتها أفكار الحزب الشيوعي؟ وكان من أكبر الأوقات التي شهدت ارتفاعاً لمد الحزب الشيوعي هي لحظات ثورة أكتوبر التي أفرزت أفقاً متوهجاً بالتفاؤل والثقة الزائدة بإمكانية استعادة (الأحلام الشاردة)التي تبددت بفعل ماحدث في السنوات التي أعقبت الاستقلال التي بلغت ذروتها بحكومة (السيدين) التي انتهت برئيس وزرائها عبدالله خليل بتسليم السلطة إلى الجيش في نوفمبر 1958م.
نكسة أكتوبر
ويضيف النور حمد: لم تدم حكومة أكتوبر الانتقالية، سوى بضعة أشهر. كانت حكومة جانحة يساريًا، كما كانت تفكر بعقلية الشيوعية الدولية، وبعقلية الشرعية الثورية، بأكثر مما كانت تفكر وفق نهج ديمقراطي حقيقي، أو بعقلٍ سودانيٍّ مدركٍ إدراكًا عميقًا للمقيِّدات limitations، التي تحكم الواقع السوداني الموغل في التخلف. ولذلك فعلى الرغم من رفع الشعارات القائلة "لا حزبية بعد اليوم"، و"لا زعامة للقدامى"، ورغم نجاح سلاح العصيان المدني، الذي يعود الفضل فيه للقوى النقابية التي كان يحركها اليسار، في اقتلاع الحكم العسكري للفريق عبود، إلا أن الواقع الموضوعي القائم على الحزبية الطائفية، أعاد النظام الحزبي الطائفي القديم، بكل سوءاته مرة أخرى، بل وأعطاه مبررات لإعلان حربٍ لا هوادة فيها على قوى اليسار، وعلى قوى الحداثة عمومًا". ويقول محمد علي جادين: إن أكتوبر مثلت ذروة ظهور اليسار على المسرح السياسي بالسودان، لكنه أعطى القوة المعادية له فرصة سانحة لضربه أو لتعطيله بطرحه شعارات يسارية صارخة وغير قابلة للتطبيق على الواقع السوداني. وعلى ذات النسق رفع الوزراء الشيوعيين شعارات دون أن يطرحوا برامج.
اليسار يتراجع
ويتابع النور حمد : من الدلائل على أن أكتوبر لم تكن ثورة كاملة النضج، أن نظامين عسكريين وصلا إلى الحكم من بعدها. بل إن نظام جعفر نميري العسكري الذي جاء بعدها بخمس سنوات فقط، في مايو 1969، وجد ترحيبًا شعبيًا منقطع النظير. وبسبب رفع جعفر نميري والضباط الذين كانوا معه، شعاراتٍ يسارية، وشعاراتٍ قومية عربية، وبسبب أن بعض الضباط الذين نفذوا معه الانقلاب كانوا من الشيوعيين، فقد وجد الشيوعيون أنفسهم مندغمين، طوعًا أو كرهًا، في ذلك الانقلاب. بل إن قطاعًا معتبرًا منهم ردد ما ردده الضباط الذين قاموا بالانقلاب، وهو أن ما جرى في مايو 1969، بواسطة جعفر نميري والضباط الذين كانوا معه، كان ثورةً وليس انقلابًا، بل هو امتدادٌ طبيعي لثورة أكتوبر، وتجسيدًا حيًا في الواقع لشعاراتها المعادية للحزبية والطائفية.
تكررت ثورة أكتوبر في أبريل 1985، كما تقدم القول، وتكررت معها تجربة إجهاض الشعارات والرغبات والتطلعات الجماهيرية، وعادت الأمور الحزبية الطائفية إلى ما كانت عليه قبل مجيء جعفر نميري إلى الحكم.
الثورة المضادة
غير أن ثورات عظيمة في التأريخ الإنساني شهدت انتكاسات عظمى وعلى رأسها الثورة الفرنسية بفعل عناصر الثورة المضادة التي عادة مايكون أكثر تنظيماً وفاعلية وخبرة في نصب الفخاخ وتدبير المكائد وهذا ما ظهر جلياً في ثورات الربيع العربي التي كان اليسار على واجهاتها في مصر وتونس لكن الأخيرة سرعان ما استعادت وهج الثورة فيما ضاعت مكتسبات الثورة المصرية الوليدة بفعل سذاجة طرح الإسلاميين وعسف رجال المؤسسة العسكرية التي تدخلت بدافع بدأ ظاهرياً انحيازاً لمكتسبات الطبقة الوسطى التي أفرزته ثورة يوليو 1952م، لكن شكَّل في جوهره أن الجيش رافض تماماً لفكرة الخروج من دائرة الفعل السياسي.
الفرز الضروري
ويقول علماء السياسة: إن الثورات تمر بمراحل– مع اعترافنا أن كل ثورة لها طبائعها ومناخها وأحوالها- أهمها مايمكن تسميته بعملية الفرز الضروري ويتمثل في تمايز الصفوف بين الثوار الحقيقيين وبين الانتهازية أو الفئات القديمة، ويبدو أن هناك عوامل حالت دون أن تصل "أكتوبر" إلى تلك النقطة واتحدت في ذلك عوامل داخلية وخارجية كرهت أن يقود اليسار الساحة وتسود رؤاها السياسية والاجتماعية. ولايحسبن أحد أن عملية الفرز الضروري تستغرق يوماً أو بعض يوم فهي تحتاج إلى صبر وعمل دؤوب ونفوس كبار وعقول جبارة لتبلغ غاياتها لتخرج شعوبها من الظلمات إلى النور. مع الأخذ في الاعتبار أن هناك دائماً مساحة للخطأ لكن لابد أن تكون هناك دائماً آلية للتصحيح. وهذا ما لم يتوفر في أكتوبر، إذا لم يمض عام حتى تكالبت القوى الرجعية وتآمرت لحل الحزب الشيوعي.
تقدم الإسلام السياسي
ويمضي النور حمد ليقول : غير أن متغيرًا جديدًا دخل الساحة، وهو حصول الإسلاميين على واحدٍ وخمسين مقعدًا في الانتخابات التي جرت عقب الانتفاضة، ليحتلوا المركز الثالث في ترتيب الأحزاب السودانية من حيث الوزن الجماهيري. فقد اقترب الإسلاميون من حيث عدد المقاعد التي حصلوا عليها من الحزب الاتحادي الديمقراطي، وهو الحزب الثاني من حيث القاعدة الشعبية في البلاد، بعد حزب الأمة. كما تراجعت في نفس الوقت شعبية الشيوعيين تراجعًا ملحوظًا، إذ حصلوا على ثلاثة مقاعد فقط، مقعدين من دائرتين جغرافيتين في العاصمة الخرطوم، ومقعد آخر من دوائر الخريجين في إقليم بحر الغزال بجنوب السودان . ولا بد هنا من التذكير هنا أن الشيوعيين حصلوا في الانتخابات التي جرت في عام 1965، بعد عام واحد من ثورة أكتوبر، على أحد عشر مقعدًا، وحصل الإسلاميون على ثلاث مقاعد فقط.
لو تتبعنا تبدل الوزن الجماهيري عبر الواحد وعشرين عامًا التي فصلت بين انتخابات 1965، وانتخابات 1986، لوضح لنا تراجع اليسار، وتقدم الإسلاميين، ومع أن الإسلاميين السودانيين هم الإسلاميون الوحيدون في العالم العربي الذين وصلوا إلى السلطة، ووصلوا إليها حين وصلوا، عن طريق الإنقلاب العسكري، إلا أنهم عملوا منذ شراكتهم الحكم مع جعفر نميري في تهيئة الوضع الذي يسمح لهم بالوثوب إلى السلطة. وعمومًا فإن تراجع اليسار، واقتراب الإسلاميين من السلطة لم يمثل حالة سودانية خاصة، وإنما كان جزءًا من ظاهرة "شرق أوسطية"، بل وظاهرة كوكبية.
فقد تراجع اليسار العربي في تزامنٍ مع تراجع الخطاب اليساري في العالم، الذي صحب انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق. غير أن الإسلاميين في الشرق الأوسط كانوا هم القوة التي اندفعت بقوة لتملأ ذلك الفراغ الذي حدث. لكن السؤال هل استطاعت؟!
من سرق الثورة؟
يؤكد شمس الدين ضو البيت في حديثه إلينا: إن الإسلاميين رغم فوزهم بكل تلك المقاعد في الديمقراطية الثالثة لايزالون أقلية وأن عدد الذين يؤمنون بفكر الأخوان المسلمين أو من يسمونه (حماة بيضة الإسلام بالسودان) لا يتجاوزون (12) ألف شخص وفقاً لتقدير أحد القيادات العسكرية المرموقة، وأن التفوق العددي يأتي دائماً عبر الترغيب والترهيب سيما بعد وصولهم إلى الحكم عبر إنقلاب 30 يونيو 1989م الذي سمح لهم ببسط سيطرتهم على جهاز الدولة عبر سياسة التمكين.
ويضيف ضو البيت: إن حركة الأخوان المسلمين بدأت بالاتجاه الإسلامي ثم جبهة الميثاق الإسلامي في 1965م، ثم الجبهة الإسلامية في 1985م ثم المؤتمر الوطني في 1996م، ثم المؤتمر الوطني والشعبي والحركة الإسلامية في 2000م لكنها ظلت كلها مسميات لجماعة الأخوان بالسودان التي تحاول بشتى الطرق تجميع الآخرين تحت رايتها بطرح شعار الدستور الإسلامي والشريعة الإسلامية تارة وتوحيد أهل القبلة لمغازلة الطرق الصوفية والجماعات السلفية تارة أخرى. كما أن الإسلاميين استغلوا تعدد مرشحي الحزب الاتحادي الديمقراطي بالدوائر.
ويؤكد ضو البيت أن جماعة الأخوان اجتهدوا لسرقة ثورة اكتوبر بأن نفثوا في روع الآخرين أن ندوة الترابي مثلت الشرارة وتغافلوا عمداً عن الحالة الثورية التي انتظمت البلاد قبل تفجر أكتوبر ولم يكونوا جزءاً من التحضير لها بطبيعة الحال لأنهم كانوا بلا وجود فاعل في الساحة السياسية أو على مستوى النقابات التي كانت عاملاً قوياً لنجاح الثورة ، وهذا ما ردده من قبل ميرغني النصري الذي نفى أن يكون للترابي دور مباشر في اندلاع شرارة الثورة، وقال: إن الترابي عقب الصلاة على جثمان القرشي أراد تهدئة ثائرة الطلاب فخاطبهم قائلاً : أيها الطلاب انصرفوا إلى بيوتكم ونحن أساتذتكم سننتقم لكم. ويذكر النصري أن أحد الاتحاديين كان يقف في "تندة" عربة "لوري" هتف قائلاً : إلى القصر حتى النصر .. فكانت تلك شرارة الثورة.
في الحلقة القادمة.. خطيئة (ايار) واعصار (تموز)!!




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2110


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
3.38/10 (4 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة