الأخبار
أخبار إقليمية
الجمهوريون وانقلاب مايو 1969م (2)
الجمهوريون وانقلاب مايو 1969م (2)


02-12-2015 05:25 PM
تاج السر عثمان

أشرنا في الحلقة السابقة الي أن مؤلف عبد الله الفكي البشير " صاحب الفهم الجديد للاسلام : محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ" ، يثير الاهتمام ويفتح شهية الباحثين للدراسة الناقدة للفكر الجمهوري ، وأن مؤلف عبد الله الفكي ليس بديلا لدراسة الفكر الجمهوري، كما ورد في أعمال الأستاذ طه، ومنشورات وكتيبات الحزب الجمهوري، والأخوان الجمهوريين، حتي يتم استخلاص دراسة موضوعية توضح حسنات وسيئات الفكر الجمهوري ، أي دراسة لا تنظر لفكر الجمهوريين بعين الرضا التي عن كل عيب كليلة ،أو بعين السخط التي تبدي المساويا، كما يقول الشاعر عبد الله بن ابي طالب :
فعين الرضا عن كل عيب كليلة
وعين السخط تبدي المساويا
والدراسة لاتناقش فقط الفكر الجمهوري في مستواه النظري ، بل تنطلق من ممارسات الجمهوريين ونشاطهم العملي ، ذلك أن التجربة والخبرة العملية تغني وتطور النظرية ، حسب ديالكتيك الفكر والواقع ، فالنظرية ترشد الممارسة ، والممارسة تطور وتخصَب النظرية ، كما يقول الشاعر الألماني جوته : "النظرية رمادية ، وشجرة الحياة مخضرة ومتجددة دوما".
كما أنه من المهم ممارسة فضيلة النقد والنقد الذاتي بهدف تطوير النظرية انطلاقا من التجربة العملية. وبالتأمل في ابواب وفصول كتاب عبد الله الفكي البشير ، لانجد دراسة أو تقويما نقديا لموقف الجمهوريين من انقلاب 25 مايو 1969م، وسوف نركز في هذه الدراسة علي هذه القضية باعتبارها من ضمن القضايا التي تحتاج الي مناقشة عميقة وتحليل وتقويم نقدي
، فماهو موقف الجمهوريين من إنقلاب مايو 1969م؟؟:
عندما وقع إنقلاب مايو 1969م كان من رأي الجمهوريين " أن ثورة مايو جاءت في الوقت المناسب في لحظة كانت فيها مسودة الدستور الإسلامي المزيف علي وشك الإجازة ، بعد إجازة الجمهورية الرئاسية والدستور الإسلامي وترشيح الهادي المهدي لرئاسة الجمهورية" ( الأخوان الجمهوريون : المصالحة الوطنية ، سبتمبر 1977م).
وكان من رأيهم "أن النظام القائم ( إنقلاب مايو) قد استطاع حتي اليوم ( مايو 1976م) أن يقف حائلا بين السلطة و عودة الطائفية اليها " ( الأخوان الجمهوريين: لجنة تعديل القوانين ، ط3، مايو 1978م).
نلاحظ أن الجمهوريين استخدموا مصطلحا غير دقيق وهو " ثورة مايو" ، في حين الصحيح، أنه كان انقلابا عسكريا.
وعن الأزمة الإقتصادية التي تفاقمت خلال حكم الفرد لنميري نتيجة لفساد النظام حتي نخاع العظم ونهب الرأسماليين الطفيليين المايويين للقطاع العام ، والصرف البذخي علي مؤسسات النظام ..الخ . كان من رأي الجمهوريين أن " مشاكلنا اليومية في نقص الإنتاج ، وفي إحتقار العمل اليدوي ، وفي العزوف عن العمل في الريف ، وفي اختناقات التموين ، وفي الإهمال والتفريط في المال العام ، كل هذه المشاكل سببها نقص الأخلاق"!!!، وكأن الجمهوريين يبرأون النظام الأجتماعي( نظام النميري) الحاكم الذي قمع وأفقر الجماهير مما أدي الي تدهور الأخلاق والقيم السودانية الأصيلة!!!، أو كأن الجمهوريين يبررون جرائم النظام الاقتصادية والنهب والفساد بحجة غياب الأخلاق!!!.
وطالما كان الجمهوريون يطالبون بكمال الأخلاق ، والحرية لنا ولسوانا ، كان من المنطقي الا يؤيدوا انقلاب 25 مايو الذي في جوهره كان ديكتاتورية عسكرية صادرت كل الحقوق والحريات الديمقراطية " حريات التعبير والنشر والتجمع والتظاهر ، والحريات النقابية، ومصادرة حق الإضراب..."، وحلت الأحزاب والجمعية التأسيسية. ذلك أن الطائفية لايمكن محاربتها بإنقلاب عسكري أو بوسائل غير أخلاقية ، ولا حتي الإنقلاب العسكري عاصم من الدستور الإسلامي المزيف ، فنظام النميري نفسه عام 1983م أعلن قوانين سبتمبر ، بهدف قمع الحركة الجماهيرية التي كانت متصاعدة ضده، والتي كانت أسوأ من الدستور الإسلامي المزيف إن لم تكن مكافئة له، وعندما عارض الجمهوريون تلك القوانين ، ووقف محمود محمد طه وقفته الشجاعة قائلا : " هذه القوانين قد أذلت الشعب السوداني .." ( راجع كلمة الأستاذ محمود أمام المحكمة يوم 17/1/1985م)، أنجز النميري مهمة محكمة الردة ونفذ الحكم الجائر بالردة. ذلك الحكم الذي عجزت عن تنفيذه محكمة الردة 1968م ، مثلما أنجز النميري قرار الجمعية التأسيسية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ، واضاف لها اعدام قادة الحزب الشيوعي وتشريد الالاف من من الشيوعيين بعد انقلاب 22 يوليو 1971م..
والواقع أن الأستاذ طه ’أكل يومأن ’أكل الثور الأبيض ، أي عندما تهاون في مقاومة الديكتاتورية منذ يومها الأول والتي فتكت بالمعارضة السياسية في الجزيرة أبا 1970م، ويوليو 1971م، و في 5سبتمبر 1975م، و2 يوليو 1976م، وأعدمت أ وتسببت في موت رموز الحركة السياسية والنقابية والفكرية في البلاد مثل : اسماعيل الأزهري ، ومحمد أحمد المحجوب وعبد الخالق محجوب والشريف حسين الهندي والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق ..الخ، ثم اختتم نميري باعدام الأستاذ محمود محمد طه، وكان ذلك علي عادة النميري الذي يستفيد من التأييد لحكمه ثم يضرب ويشرد ويعتقل أويعدم في حالة المعارضة . وهذا الخطأ وقع فيه المنقسمون من الحزب الشيوعي ، والصادق المهدي وحسن الترابي بعد المصالحة الوطنية 1977م ، وتم اعتقال ومحاكمة الصادق بعد خروجه من المصالحة والمشاركة في الحكم ،كما تم اعتقال مجموعة الترابي بعد محاولتها للاستحواذ علي السلطة. فنظام النميري كان يهدف من المصالحة والمناورات لاطالة عمره وتوسيع قاعدة حكمه مع الابقاء علي جوهر الديكتاتورية والنظام الشمولي ، ثم بعد ذلك يضرب ضربته.
فالطريق لمواجهة الديكتاتورية وحكم الارهاب واستغلال الدين لتبرير الديكتاتورية وحكم الفرد كان ولازال هو الطريق الديمقراطي الجماهيري الواسع . وبرغم تزييف الديمقراطية خلال الفترة: 1965- 1969م وحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وقيام محكمة الردة للاستاذ طه 1968م ، الا أن النضال الجماهيري الديمقراطي وتأييد الحزب الشيوعي والقوي الديمقراطية والمستنيرة لحرية الفكر والتعبير والتنظيم استطاع أن يوقف تنفيذ حكم محكمة الردة ، وكان من الممكن وعن طريق النضال الجماهيري الديمقراطي الواسع أن يتمكن الشعب السوداني من مقاومة الدستور الإسلامي المزيف بدون إنقلاب مايو 1969م، كما قاوم قوانين سبتمبر 1983م والتي تحالفت في اصدارها وتأييدها جماعة الترابي التي هللت لاعدام الاستاذ طه ، واستطاع شعب السودان أن يلقي بنميري في مزبلة التاريخ في انتفاضة مارس- ابريل 1985م.وبعد انتفاضة ابريل 1985م ، قاومت كل القوي الديمقراطية والمستنيرة قانون الترابي الذي يفضي الي الدولة الدينية، وتم اسقاطه عن طريق النضال الجماهيري، وتمت محاصرة الجبهة الإسلامية القومية سياسيا وفكريا، حتي شعرت بعزلتها ، ودبرت الانقلاب العسكري علي الديمقراطية الثالثة في البلاد في 30 يونيو 1989م، الذي صادر الحقوق والحريات والديمقراطية وفرض نظاما قمعيا شموليا، اعتقل وشرد وعذب الالاف من المعارضين السياسيين والنقابيين، وتم توسيع الحرب في جنوب السودان بعد التوصل لحل المشكلة بعد إتفاق الميرغني – قرنق، مما ادي لانفصال الجنوب ، ونهب ثروات شعب السودان باسم الدين ، وتوسيع رقعة الحرب لتشمل دارفور وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان، واطلاق الرصاص علي المظاهرات السلمية للمواطنين والطلاب ، وضد أبناء البجا في شرق السودان، وأبناء كجبار ودال ..الخ، مما أدي الي مقتل العشرات من المواطنين .
علي أنه كان للجمهوريين مساهمات فكرية جيدة خلال فترة ديكتاتورية مايو مثل: كشف زيف لجنة تعديل القوانين بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية، كما كشفوا تناقضات بعض القوانين مثل: قانون حظر الخمر ( أنظر علي سبيل المثال: الأخوان الجمهوريون: لجنة تعديل القوانين لن تفلح الا في خلق بلبلة ، ط3، مايو 1978م). كما أسهم الجمهوريون في خلق حركة فكرية ودينية واسعة ضد الاخوان المسلمين والتيارات السلفية الظلامية في الجامعات والمعاهد العليا ، وكانت أساليبهم في العمل: الكتابة في الصحف ، المحاضرات ، عرض الكتب والمناقشة في الساحات والميادين العامة ، أركان النقاش في الجامعات والمعاهد العليا، الطواف علي قري الريف ، كما دعي الأخوان الجمهوريون الي المنابر الحرة ( انظر الأخوان الجمهوريون يدعون الي المنابر الحرة ، ط1، مايو 1976م)، واقترحوا فيها المشاركة بالصفة الفردية لا كممثل لتنظيم ( المنابر الحرة، ص 3)، وحددوا مكانها : الشوارع ، الأماكن العامة ، المعاهد ، المدارس ، الجامعات ، كل المنتديات وكل المجالات. كما أشاروا الي أن القانون وحده هو المسؤول عن تنظيم حرية الرأي وعن حماية حرية الرأي. كما طالبوا النظام القائم بدعم المنابر الحرة ، وطالبوا مجلس الأمن القومي باعادة النظر في قراره بمنع الاستاذ طه وتلاميذه من اقامة المحاضرات والندوات العامة ، لأن هذا القرار ضد المصلحة العامة تماما وهو لايخدم الا الطائفية والسلفية وعناصر التخلف( المنابر الحرة، ص 3-4).
ونلاحظ ضيق مطالبة الجمهوريين هنا ، فكان الأشمل والأوسع المطالبة بالحريات الديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم والسماح لنشاط كل الأحزاب والمدارس الفكرية ونشاط قادتها ، وضمان حقها في اقامة الندوات، وليس حصر ذلك في الاستاذ طه فقط ، فلماذا ضَيق الجمهوريون واسعا؟؟!!.
كما نلاحظ ضعف مطلب المشاركة في المنابر العامة بالصفة الفردية لا كممثل لتنظيم. واذا افترضنا أن مجلس الأمن القومي سمح للاستاذ طه باقامة المحاضرات العامة ، هل كان سيمثل نفسه أم يمثل المدرسة الفكرية للجمهوريين أو الأخوان الجمهوريين؟؟!!.
وعند قيام المصالحة الوطنية كان من رأي الجمهوريين " أن الصلح خير بشرط الا تعود الطائفية مرة أخري حتي لاتجهض منجزات ثورة مايو !!" ( أنظر الأخوان الجمهوريون: المصالحة الوطنية – الصلح خير- ط1، 1977م) ، أي أن الجمهوريين لم يصدروا وثيقة شاملة تدافع عن الديمقراطية ، كما فعل الشيوعيون عندما اصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في اغسطس 1977م وثيقة بعنوان" الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية: جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن"، رفضوا الانقلابات العسكرية كوسيلة للتغيير استنادا الي تجارب انقلاب مايو 1969، وانقلاب يوليو 1971م، وطوروا فيها موقفهم من الديمقراطية ، واكدوا ضرورة الوصول للنظام الوطني الديمقراطي عبر التعددية السياسية والفكرية والديمقراطية ورفضوا الشمولية ونظام الحزب الواحد، وتم تأكيد ذلك في وثائق المؤتمر الخامس للحزب . كما رأي الجمهوريون استمرار الاتحاد الإشتراكي كتنظيم واحد ، وأن المصالحة الوطنية يجب أن تشمل جميع القوي بما فيها الشيوعيين، وهذا موقف غريب اراد فيها الجمهوريون حشر كل القوي السياسية تحت مظلة الحزب الواحد والنظام الشمولي ، وذلك موقف رفضه الشيوعيون.
وخلال فترة ديكتاتورية مايو كان للجمهوريين معارك في ساحات القضاء لخصوها في كتبهم ومنشوراتهم مثل : كتيب النائب العام وقضية بورتسودان ومفترق الطرق ، ط1، 1975م.
وصدرت لهم خمسة كتب حول قضية بورتسودان اضافة لقضية كوستي ، وملخص قضية بورتسودان علي سبيل المثال: أن النائب العام تدخل لمناصرة القضاء الشرعي برفع المادة (105) في وجه الجمهوريين. والقضية هي أن قاضي دوائر الأحوال الشخصية ببورتسودان ابراهيم جاد الله رفع قضية ضد الجمهوريين تحت المادة (105) إثارة الكراهية ضد الحكومة، والمادة( 106) اثارة الكراهية ضد طائفة من الناس ، وذلك بعد أن كان الاتهام في القضية موجها تحت المادة 437 ( القذف)، والمادة (105) كماهو معلوم بعد تعديل القوانين 1974م جاءت علي النحو التالي " كل من يقوم أو يشرع في القيام بأي فعل يؤدي أو يحتمل أن يؤدي الي اثارة معارضة غير مشروعة للحكومة أو إثارة شعور الكراهية أو الاحتقار ضد الدولة أو ضد أي من مؤسساتها الدستورية أو هيئاتها الإدارية أو الأجهزة السياسية في الدولة ، يعاقب بالسجن مدة لاتجاوز ثلاث سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معا". وقضية بورتسودان هي القضية التي رفعها الشيخ ابراهيم جاد الله قاضي مديرية البحر الأحمر " دائرة الأحوال الشخصية" ضد الأخوان الجمهوريين المسؤولين عن معرض الفكر الجمهوري الذي اقيم بنادي الخريجين ببورتسودان في ابريل 1974م، ثم اضيف الاستاذ طه الي البلاغ موضوع الاتهام والتهمة الموجهه للجمهوريين هي : اساءة القضاء الشرعي واساءة محكمة الردة.
وانعقدت المحكمة بمدينة بورتسودان في يوم 2/6/ 1975م ، واستمرت حتي 12/6/ 1975م استمعت فيها المحكمة إلي المتحري والشاكي واثنين من شهود الإتهام.
استطاع فيها الجمهوريون تقديم دفاع جيًد ، وكانت المحكمة نفسها أداة للتوعية الدينية والفكرية وحقق فيها الجمهوريون إنتصارا علي الفكر السلفي.
والمحكمة هي استمرار في ظروف الديكتاتورية المايوية لصراع الجمهوريين ضد القضاء الشرعي والفكر الديني السلفي التقليدي ، والذي افضي الي محكمة الردة في فترة الديمقراطية الثانية عام 1968م، ومعلوم أن قرارات محكمة الردة 1968م كانت تتلخص في الآتي:
أ‌- إعلان ردة محمود محمد طه عن الإسلام بما ثبت عليه من الأدلة.
ب‌- حل حزبه لخطورته علي المجتمع الإسلامي.
ت‌- مصادرة كتبه وإغلاق دار حزبه.
ث‌- إصدار بيان للجمهور يوضح رأي العلماء في معتقدات المدعي عليه بعد تطليق زوجته المسلمة منه.
ج‌- عدم السماح لأي من أتباعه التحدث باسم الدين أو تفسير آيات القرآن.
ح‌- مؤاخذة من يعتنق مذهبه بعد ذلك.
خ‌- فصل من كان موظفا ومطاردته.
وأوردت صحيفة " السودان الجديد" بتاريخ: 19/11/1968م، بالعنوان الكبير " المحكمة الشرعية تصدر اول حكم من نوعه في السودان ، ردة محمود محمد طه ، وأمرت بالتوبة عن جميع أقواله"!!.
وجاء في رد الاستاذ طه بعنوان : مهزلة القضاء الشرعي " مايلي:
" أما أمركم بالتوبة عن جميع أقوالي ، فانكم اذل وأخس من أ ن تطمعوا في َ، وما إعلانكم ردتي عن الإسلام ، فما أعلنتم غير جهلكم الشنيع بالاسلام ، وسيري الشعب ذلك مفصلا في حينه ، هل تريدون الحق ايها القضاء الشرعيون؟؟ ، اذن فاسمعوا ؟؟ إنكم آخر من يتحدث عن الإسلام ، فقد افنيتم شبابكم في التمسح باعتاب السلطة والحكام العسكريين ، فاريحوا الإسلام ، وأريحوا الناس من هذه الغثاثة" ( راجع منشور محمود محمد طه : 19/11/1968م).
وربما يري البعض أن محمود محمد طه اشتط في بيانه حين قال: " كان القضاة الشرعيون يلعقون جزم الانجليز " ( المصدر السابق)، ذلك أن فيه تعميم ، فمن القضاة الشرعيين، كان هناك الشرفاء والوطنيون الذين وقفوا ضد الإستعمار ، ولم يأخذوا كسوات شرف، والمقصود في حديث طه هم أقلية من بعض القضاة الشرعيين الذين ربطوا أنفسهم بالدفاع عن الحكم الإستعماري وتبريره دينيا، مثل الذين وقفوا ضد ثوار 1924م باسم الدين ،الذين وصفهم شاعر الثورة بقوله :
الا ياهند قولي وأجيزي رجال الشرع اضحوا كالمعيز
الا ليت اللحي كانت حشيشا فتعلفها خيول الإنجليز.
وايضا المقصود بدقة هم القضاة الشرعيين ورجال الدين الذين دافعوا عن مصالح الحكام الأتراك ، الذين وصفهم الإمام المهدي ب"علماء السوء" ( راجع عبد الله علي ابراهيم: الصراع بين المهدي والعلماء ، 1968م)، وفي الوقت نفسه كان هناك بعض القضاء الشرعيين الذين ساندوا الثورة ضد الحكم التركي، وفي تاريخ السودان الحديث كان هناك بعض القضاة الشرعيين الذين دافعوا عن مصالح الشعب .
علي أن للجمهوريين حجة دامغة توضح أنه ليس من إختصاص المحاكم الشرعية في السودان أن تحكم بكفر أحد أو زندقته أو ردته ، ويستندون في ذلك علي رأي الأستاذ محمد إبراهيم خليل في المحاكم الشرعية علي النحو التالي:
" لعله من المعلوم لدي الناس جميعا أن المحاكم الشرعية في السودان أسست علي قانون المحاكم الشرعية لعام 1902م، وأن إختصاص هذه المحاكم قد حددته المادة السادسة التي تنص علي أن للمحاكم الشرعية الصلاحية في الفصل في :
1- أي مسألة تتعلق بالطلاق والزواج والولاية والعلاقات العائلية بشرط أن يكون الزوج قد عقد علي الشريعة الإسلامية ، أو أن يكون الخصوم من المسلمين.
2- أي مسألة تتعلق بالوقف أو الهبة أو الميراث أو الوصية..الخ.
3- أي مسألة سوي ماذكر في الفقرتين السابقتين ، علي شرط أن تتقدم الأطراف المتنازعة بطلب كتابي ممهور بتوقيعاتهم يلتمسون فيه من المحكمة أن تقضي بينهم مؤكدين أنهم عازمون علي الإلتزام بحكم الشريعة في الأمر المتنازع عليه".(راجع كتاب الجمهوريين الخامس حول قضية بورتسودان ، ص ، 9-10).
وهكذا نصل إلي أنه ليس من إختصاص المحاكم الشرعية في السودان أن تحكم بكفر أحد أو زندقته أو ردته ، وهي حجة دامغة وقوية لصالح الجمهوريين، هذا ناهيك عن الشروط الدقيقة والحذر الشديد في تكفير الآخرين والحكم بردتهم ، ولايجوز تكفير أحد طالما كان يقول " لاله الا الله" ، فمحمود محمد طه مسلم ، وكان يدعو لطريق محمد ، وإلي إجتهاد ومستوي جديد من الإسلام، فالاسلام في جوهره دين الحرية والتسامح ، ويورد العديد من الفقهاء الآيات الكريمة من القرآن التي تدعو إلي الحرية والتسامح مثل:
قال تعالي: " ولو شاء ربك لآ من في الأرض كلهم جميعا ، افانت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين "( يونس: 99).
والآية : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولايزالون مختلفين الا من رحم ربُك، ولذلك خلقهم " ( هود: 118).
الآية : " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء " ( البقرة: 272).
الآية : " لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256).
الآية: " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ( الكهف : 29).
الآية: " فذكر إنما انت مذكر لست عليهم بمسيطر" ( الغاشية: 21،22).
الآية: " يايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة علي المؤمنين ، اعزة علي الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" ( المائدة 54).
من كل الآيات السابقة كما يوضح الفقهاء أنها تشير الي التسامح والحرية الدينية اللامحدودة في الإسلام.
أما الحديث " من بدلَ دينه فاقتلوه" ، فهو يتناقض مع الآيات القرآنية المشار اليها اعلاه، ذلك أن القرآن هو الأصل ، فضلا عن أنه حديث آحادي ، ولايؤخذ بالحديث الآحادي في الدماء كما يقول المحققون من المحدثين والفقهاء ( راجع د. صبحي الصالح: الإسلام والمجتمع العصري، دار الآداب بيروت 1977م ، ص 262).
يقول الإمام أحمد بن حنبل: " كنا اذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا ، واذا روينا في الحلال والحرام تشددنا" ، وأي حرام في الإسلام اشد حرمة من قتل الانسان بحديث آحادي؟؟؟!!!.
فتكفير الاستاذ طه أو الحكم عليه بالردة كان كيدا سياسيا ، وبنفس هذا الحكم الخاطئ أ’ عدم الاستاذ طه في يناير 1985م علي يد الطاغية نميري ( راجع بيان الجمهوريين حول قوانين سبتمبر 1983م).،وهو كما ذكرنا كيد سياسي كما حدث للحلاج والسهرودي المقتول ، فالكيد جاء من معارضتهما الحكام ، وليس لآرائهما المعروفة في التصوف الإسلامي. وهناك قول معاوية بن سفيان الشهير " إنني لااحول بين الناس والسنتهم مالم يحولوا بيننا وبين ملكنا".
أي أن الحكام ولأحزاب والطبقات الحاكمة تهمها مصالحها والطبقية والدنيوية ، وعدم اهتزاز حكمها، اكثر مايهمها صحة أو خطأ أقوال الفلاسفة والمفكرين.
خاتمة :
اذا كان طرح الجمهوريين الأساسي والمبدئي هو ضرورة تطوير التشريع الإسلامي من آيات الفروع إلي الأصول ، بحيث يتم تبني الديمقراطية والإشتراكية والحرية السياسية من أصول القرآن، نلاحظ مفارقة الجمهوريين لذلك المبدأ في الممارسة العملية ، عندما أيدوا انقلاب 25مايو 1969م الذي صادر الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية، وشوه مفهوم الإشتراكية عندما تمت مصادرة ممتلكات الناس ونهبها في التأميمات والمصادرة عام 1970م باسم الإشتراكية، ولكن الجمهوريين صمتوا علي جرائم انقلاب مايو في بدايته الذي صادر
الحقوق والحريات الديمقراطية تحت شعارات مختلفة مثل: الاشتراكية والقومية العربية ، كان الانقلاب وبالا علي البلاد فقد فقدت خيرة قادتها استشهادا ودفاعا عن مبادئهم مثل: عبد الخالق محجوب، محمود محمد طه، واسماعيل الأزهري ومحمد احمد المحجوب وغيرهم من العشرات الذين استشهدوا في مقاومة ذلك النظام من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، كما تم تشريد الالاف من اعمالهم، وتصفية الجيش من خيرة ضباطه بالتشريد والاعتقال والاعدامات، حتي فقد الجيش السوداني تقاليده الراسخة وانضباطه العسكري في تلك الفترة.
كما دمر نظام مايو كل التقاليد السودانية الفاضلة في التسامح واحترام الرأي الآخر، ونشأت في احشاء النظام شريحة رأسمالية طفيلية من المدنيين والعسكريين، وتمكنت تلك الفئة من المحافظة علي وجودها في السلطة وتنمي ثرواتها وأموالها في القطاعات غير الانتاجية، أي النشاط الطفيلي، بالديكتاتورية والقهر والتسبيح بحكم الفرد، ولم تتمكن تلك الفئة الطفيلية أن تبني لها جذور وقواعد سياسية وفكرية في اوساط الجماهير السودانية ، مما يؤكد الطابع الطفيلي والفاسد لتلك الفئة..
كما فرط نظام مايو في استقلال البلاد وفتحها علي مصراعيها أمام اكبر هجمة للمؤسسات الرأسمالية الدولية مثل : صندوق النقد الدولي وتوابعه من الصناديق البترولية، كما فتحها امام السماسرة وشذاذ الآفاق في أكبر عملية نهب شهدتها البلاد، وكانت حصيلتها تدمير الاقتصاد السوداني، ومن خلال التخفيضات المتوالية للجنية السوداني، كما تم تدمير البيئة من خلال السياسات غير المدروسة للتوسع في الزراعة الالية مما أدي للجفاف والتصحر، والمجاعات اضافة لديون بلغت 9 مليار دولار عندما اندلعت انتفاضة مارس – ابريل1985م..
كما شهدت البلاد اكبر عملية تهريب للفائض الاقتصادي(تهريب روؤس الأموال للخارج، بلغت في المتوسط 15 مليار دولار( حوالي 39 مليار جنية سوداني) عام 1985م، والتي هربتها البنوك المحلية والأجنبية. كما فقدت البلاد سيادتها الوطنية واشترك رموز النظام في عملية ترحيل الفلاشا ودفن النفايات النووية..
اكدت تجربة نظام مايو ان الانظمة الديكتاتورية والشمولية مهما بنت من اجهزة قمع وامن وقهر وترسانة من القوانين المقيدة للحريات كما هو الحال في : الأوامر الجمهورية وقانون أمن الدولة وقانون ممارسة الحقوق السياسية 1974م، وتعديلات الدستور في 1975م، قوانين سبتمبر 1983م، لقد كانت أكبر ترسانة من القوانين المقيدة للحريات عرفتها البلاد في تاريخها الحديث منذ بداية الحكم البريطاني – المصري في عام 1898م ، ولكن تلك القوانين لم تحمي النظام، وكان مصيره لزوال في انتفاضة 1985م.
ولم يشعر الجمهوريون بخطورة انقلاب مايو 1969 الابعد إعلان قوانين سبتمبر 1983م ، التي اعلنها النظام بعد هلعه من المد الجماهيري ضده، وبهدف استغلال الدين لتثبيت أركان حكمه، وبعد تحالف النميري مع الجبهة الإسلامية بقيادة الترابي ، التي مكنت لنفسها داخل النظام اقتصاديا عن طريق البنوك الإسلامية مما ادي الي نشؤ الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية داخل احشاء النظام ، والمشاركة في مؤسسات النظام وسعيها الدؤوب لاستلام كل السلطة، في صراعهم داخل السلطة حتي كشفهم نظام نميري في ايامه الأخيرة، وتم اعتقال قادتهم، وتنفيذ قرار محكمة الردة باعدام الاستاذ طه.
أخطأ الجمهوريون عندما صمتوا صمت القبور علي كل جرائم النظام التي أشرنا لها سابقا بحجة أن هذا النظام حائل بين الشعب والطائفية، وبالتالي فان هناك ضرورة للتقويم الناقد لتلك التجربة التي تتناقض مع أصول الفكر الجمهوري ومنها الديمقراطية والاشتراكية والحرية السياسية التي تم استخلاصها من أصول القرآن، مما يعني مفارقة لمبدآ أساسي من مبادئهم.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1937

التعليقات
#1207274 [Saeed]
5.00/5 (1 صوت)

02-12-2015 11:06 PM
ومن الذين حشدوا الناس في موكب 2 يونيو. تاييدا لانقلاب مايو ؟ الم يكن الشيوعيين أعضاء في مجلس الثورة الذي نفذ انقلاب مايو ؟ غل. . . وشايله موسه تطهر ! ! !


#1207158 [ward]
5.00/5 (1 صوت)

02-12-2015 07:06 PM
صمت الاستاذ محمود محمد طه عن مج\ره الجزيره ابا لغز غريب لايشبه الرجل
واظنها غلطه الشاطر
شكرا استاذ تاج السر وواصل فى هذا السفر الرائع



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة