الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
أداما تراوري… قصة رسم بالشفاه
أداما تراوري… قصة رسم بالشفاه
أداما تراوري… قصة رسم بالشفاه


03-07-2015 01:31 AM
أبيدجان (كوت ديفوار)- من فولبار ياو: ولد بذراعين مبتورتين، ومع ذلك، إستطاع أن يتميّز في مجال يستدعي إستخدام هذه الأعضاء بشكل أساسي.. إعاقة بدنية لم تمسّ أبدا من توهّج موهبته في الرسم، فكان أن عوّض يديه بشفتيه، ليرسم بهما لوحات ساحرة، تنتزع الإعجاب من جميع من يراها.. إبداع وإبتكار نابعان من أعماق أداما تراوري، هذا الفنان الإيفواري الذي لم يستسلم لواقعه الأليم، وقرّر قلب الموازين، حين طفا إلى الواجهة، ليروي بلوحاته، قصة تحدّيه للإعاقة ويستعرض موهبة إستثنائية قلّما توفّرت حتى للكثير من الأسوياء.
المقربون من «أداما» من الأهل والأصدقاء يروق لهم مناداته بـ»أدامو»، وهو شاب يبدو للوهلة الأولى منكمشا على نفسه، غير أن قلبه ينفتح على الآخر فور شعوره بالارتياح.
ولد «اداما» منقوصا من ذراعين ولم يراع والده في ذلك أي اعتبار، حيث قرّر التخلّي عنه وهو الذي لم يكن يرى فيه غير «وحش» مشوّه لا يصلح أن يكون إبنا.. في الواقع، كانت عملية إسترجاع ذكريات بهذا القدر من الألم صعبة، حتى أنّ نظرات الشاب الإيفواري، إنخفضت بشكل ملحوظ، لتخفي الألم الذي تنضح به كلماته..غير أنّه، ومن ألطاف الأقدار، أنّ والدته قامت بتعويض هذا الإهمال الأبوي، وغمرته بحبّ لا يعرف للعطاء حدودا، وهذا ما يسّر عليه عملية استجماع ما تبقى من إصرار ليندمج في المجتمع ويخوض معركة الحياة بروح تحدي تدعو إلى الإعجاب.
وفي تسعينيات القرن الماضي، حصل ما كان أشبه بمنعرج قلب حياته وأعطى مسارا مغايرا لطريق كانت تبدو مجهولة بالنسبة لشاب مثله. حدث ذلك في أبيدجان حيث أمضى طفولته عندما جمعته الأقدار بـ «ماري أوديل»، سيدة فرنسية منحته طعما مغايرا للحياة، وهي التي آمنت بقدرته على كسب التحدي، وذلك بعد أن حملت على عاتقها، مهمّة تلقينه الكتابة والرسم، على أمل أن يكون قادرا في يوم من الأيام على التعويل على نفسه لربح قوت يومه بالشكل الذي يحفظ كرامته.
«لقد كانوا يسخرون مني في البداية»، هكذا قال بكلمات خافتة، في حديث للأناضول، «غير أن تلك المرأة لم تكف عن تشجيعي، و بفضلها تمكنت، اليوم، من أن أحصّل قوت يومي بفضل هذا النشاط»، مضيفا أنّه يرسم بإلهام يستقيه من تفاصيل حياته الشخصية بدرجة أولى، ثم يأتي دور ثقافة «سينوفو» (شعب من شمال كوت ديفوار، جلّه من المزارعين) التي ينتمي إليها، لتزوده بما يجعل «ريشته» تحلّق في أفق الخيال الشاسع.
وبصوت فيه حنين إلى الأرض التي ترعرع بين تلالها، تابع أدامو قائلا: «أنا أنتمي للسينوفو وحين أعود إلى القرية، أرى معاناة السكان ومعاناتي الشخصية، فينعكس ذلك على ألواحي».
اصطفى الشاب لنفسه ورشة صغيرة هي كل حياته، يعيش بين أسوارها ويمارس فيها فنه، حيث يقوم، بداية، بوضع أدوات الرسم على الأرض مستعملا في ذلك فاه، ثم بحركة حاذقة، يقبض بشفتيه على ريشة وقلم رصاص في حزم مدروس، وينطلق في الرسم مستعملا ألوانا زاهية حين تكون نفسه مفعمة بالأمل، فيمزج الأصفر والبنفسجي والأزرق والوردي والأحمر والأبيض، ليخطّ بها لوحات تدور في مجملها حول محاور «الحب والمعاناة وأمور الحياة»، وفقا لتعبيره.
الأمر لم يتطلّب الكثير من الوقت، قبل أن يلحظ الجميع مواضيعا بعينها تتكرر كاللازمة في رسومات أدامو: عصافير وأزهار وبيوت قروية مطبوعة بنمط منطقة الشمال الإيفواري الخاص التي ينحدر منها الشاب.
وتعقيبا عن ذلك، يقول «أداما» بحماس طفولي وقد جال بناظريه في لوحاته: «أرسم العصافير لأني أعتبر هذه الفقريات الطائرة هي نَفَسٌ من الحياة نفث الله فيها من روحه، لا حدود لتحليقها، تطير، تعيش وتحمي صغارها. أما الأزهار فهي تمثل لي رمزا للحب، حبّ الغير، حب العمل وحب الناس بعضهم لبعض.. وأرسم الديار لنقل معاناة الشعوب الإفريقية التي تفتقر إلى المياه والنور الكهربائي…».
عنصر وحيد خلت منه لوحات أدامو، هو «الإنسان»، إذ لاوجود لبشر في رسومه.. استثناء فسّره الشاب الإيفواري من منطلق ما عاناه، في تجربته الشخصية، من خيبة أمل تجاه الجنس البشري. تجربتان كان لهما أثر لا ينمحي في مشواره، وخلفتا أخاديد عميقة في نفسه المثقلة بذكريات حالكة: «والدي الذي رفضني حين كنت طفلا وأسرة المرأة التي كنت سأتزوجها التي رفضتني بسبب إعاقتي».
ويعرض أدامو لوحاته أمام المحلاّت التجارية لمنطقة «كوكودي» وهو حي سكني بأبيدجان، ويبيعها بأسعار تتماشى مع القدرة الشرائية لأغلب الإيفواريين، قائلا، في ختام حديثه: «أبيع اللوحات الصغيرة بأسعار تتراوح ما بين 25 ألف و 30 ألف فرنك إفريقي (ما بين 50 و 60 دولار)، فيما يبلغ سعر الألواح الكبيرة 150 ألف فرنك إفريقي (300 دولار) وأقوم في بعض الأحيان برسم لوحات على الطلب».
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 504


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة