الأخبار
أخبار سياسية
مبايعة بوكو حرام لداعش.. مناورة تكتيكية أم تحالف استراتيجي
مبايعة بوكو حرام لداعش.. مناورة تكتيكية أم تحالف استراتيجي
أبو بكر شيكاو: نحن في دولة خلافة إسلامية،


03-12-2015 08:54 AM

أثارت مبايعة زعيم بوكو حرام أبو بكر شيكاو لزعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي، جدلا واسعا بين صفوف المحللين يتمحور أساسا حول طبيعة هذه الخطوة وفي هذا التوقيت بالذات، ففي حين يصفها البعض بأنها مجرّد مناورة عمد إليها جهاديو نيجيريا كردة فعل على الضربات العسكرية الموجعة التي لحقتهم، مؤخرا، يرى البعض الآخر أنها تعدّ دلالة على التحاق هذه الجماعة تنظيميا بداعش بعد أن كانت قد أعلنت في وقت سابق أنها تنتمي إليه أدبيا وفكريا.

يهدد النشاط المتصاعد لجماعة بوكو حرام في نيجيريا خاصة بعد تحالفها مع تنظيم داعش، بظهور أزمة اقتصادية دولية إذا نهج هذا التنظيم سياسة الأرض المحروقة، خاصة بالنسبة إلى الدول الغربية المستهلكة للنفط النيجيري، لا سيما أنّ الأوضاع في دلتا النيجر الغنية بالنفط، لا تزال مضطربة وذات استقرار هشّ، مما يمكن أن يسهل مهمّة جماعة بوكو حرام إذا ما أرادت أن تستخدم ورقة النفط في صراعها الحالي.

ونظرا إلى ما يحيط بنيجيريا من رهانات دولية تؤشر على أهميتها الدبلوماسية والعسكرية، خاصّة أنها مرشحة لاحتلال مقعد دائم في مجلس الأمن كما أنّها تحتضن المقر العام لدول أفريقيا الغربية الاقتصادي، فإنّ إعلان أبو بكر شيكاو (زعيم الجماعة) بيعته لأبي بكر لبغدادي (زعيم داعش)، يرفع من سقف الرهان أمامها ويعدّ مؤشرا قويا على دخولها رفقة بلدان ساحل الصحراء في أتون مرحلة جديدة من الصراع مع التنظيمات المتشددة والإرهابية، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أنّ تنظيم داعش يريد توسيع مسرح الإرهاب من سوريا والعراق إلى بلدان أخرى شأن ليبيا ومصر والجزائر ودول ساحل الصحراء.

إعلان الولاء لزعيم داعش الذي تزامن مع تصاعد نشاط بوكو حرام في الآونة الأخيرة وما سيرافقه من تداعيات ونتائج، بات ينذر بانتشار التيارات الجهادية وصعودها في المنطقة، فضلا عن فرضية قيام تنسيق واسع فيما بينها أو اندلاع تنافس محموم بينهما خلال الفترة المقبلة. وهو الأمر الذي يطرح على المحك العوامل التي أدّت إلى هذا الوضع وما زالت تُغذّيه محليّا وإقليميا، بعد كل الضربات التي تلقّاها هذا التنظيم من القوات النيجيرية والتشادية والكاميرونية، بالإضافة إلى قوات النيجر مؤخرا.

بيعة تقدّم بها شيكاو للبغدادي، باتت تطرح معها عددا من الأسئلة الضرورية للوقوف على مسبباتها وغاياتها؛ فهل تعدّ مؤشرا لانخراط بوكو حرام في شبكة جهادية واسعة، أم هو مجرد تكتيك أملته قوة الضربات الموجعة التي تعرّضت إليها الجماعة مؤخرا في دامنسك ومفالاتوري؟

من مواجهة محلية إلى مواجهة إقليمية

تعيد بيعة شيكاو الأخيرة للأذهان تصريحا سابقا له، قال فيه “نحن في دولة خلافة إسلامية، وليست لنا علاقة بنيجيريا، ونحن لا نؤمن بهذا الاسم”، وهو ما يؤكد أنّ بوكو حرام تبنت بالفعل أدبيات دولة “الخلافة” مبكرا، وأصبحت اليوم بعد هذه البيعة المعلنة مرتبطة تنظيميا بها، ومنخرطة في نفس المعارك وتتشارك معها في نفس الأعداء والحلفاء.

ولم يعد هناك أدنى شك من أنّ التأثيرات والتداعيات المرتبطة بهذه البيعة ستتحول إلى تداعيات إقليمية واسعة الأخطار، ذلك أنّ بوكو حرام قد أخذت على عاتقها التمدد في مناطق جديدة. فهي بذلك تريد تهديد أمن واستقرار بلدان دول ساحل الصحراء قبل أن تمتد إلى بلدان المغرب العربي ومصر، لا سيما أنّ هذه البيعة تبدو غير منفصلة عمّا يروّج من قلاقل ويحدث من توترات في سيناء على أيدي عناصر “أنصار بيت المقدس” منذ نوفمبر 2014، وفي مناطق متفرقة في جنوب ليبيا تقودها “دواعش” محلية، وهو ما ينبئ بأنّ ما يجري يدور ويصب في إطار توسيع التحرك تحت مظلة “خلافة إسلامية” مزعومة.

وبغض النظر عن التهديد الداخلي الذي أضحت تشكله بوكو حرام اليوم على استقرار نيجيريا ومحيطها القريب، فإنّ الإعلان الأخير يشكل تغييرا بارزا في استراتيجية الحركة ويعد مشكلة أمنية دولية وإقليمية بامتياز، ذلك أنّ هذا التحول المثير للانتباه فتح مسارا جديدا أمام تمدّد تنظيم داعش، الذي كان قد أعلن عن تواجده في مناطق ليبية عديدة. ويبدو أن التشابك بين جميع الأطراف أضحى ينبئ باختلاط الأوراق بين الأزمة الليبية وأزمة الساحل في ظلّ غياب تنسيق فاعل وإستراتيجية واضحة بين بلدان المغرب العربي حاليا.

تربة حاضنة

رفعت حركة بوكو حرام من سقف طموحاتها المتعلقة بتأسيس “دولة إسلامية” في نيجيريا بالعنف والإكراه، لتنخرط في منظور داعش الرامي إلى تأسيس مشروع “دولة الخلافة الإسلامية” (الواسعة)، فبعد أن كانت تسعى أولا إلى تطبيق الشريعة في 12 ولاية شمالية، تحت دعوى عدم السماح لسكان تلك القرى بتلقي تعليم غربي، لم يعد هدفها الآن يقتصر على الانتشار في أفريقيا الغربية فحسب، بل أضحت تَرُوم التمدد والتوغل في كل بلدان ساحل الصحراء وأفريقيا الوسطى، مستغلة في طريقها كل الصراعات الدينية والعرقية والطائفية القائمة، ممّا قد يهدد العديد من الأنظمة السياسية في تلك البلدان.

وبالعودة إلى الظروف التي أسهمت في تنامي نفوذ بوكو حرام في نيجيريا والعوامل التي ساعدت على تمددها وتضاعف قوتها وهو ما قوى من شوكتها اليوم وزاد من خطرها وتهديدها لأمن المنطقة وسط تنامي مطامعها الإقليمية، يمكن ذكر الآتي:

◄ أولا أخطبوط موجة التنظيمات الجهادية: ففي ظل تأخر التنسيق ووجود إستراتيجية واضحة المعالم لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني في دول ساحل الصحراء وأفريقيا الغربية، عملت العديد من المنظمات الإرهابية على تركيز شبكات واسعة مختصة في تهريب السلاح والمخدرات واختطاف السياح، خاصة بين التنظيمات الانفصالية والتنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة. حيث بادرت جماعة بوكو حرام بإرسال بعض من مقاتليها للمشاركة في القتال في شمال مالي، كما يدل على ذلك حاليا إمداد التنظيمات الإسلامية المتطرفة في ليبيا لشبكات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بالسلاح وإيصالها إلى جنوب الجزائر ومن ثمة إلى بوكو حرام وتشاد والنيجر. وهكذا فإن ظهور حركات جهادية ومتطرفة في ليبيا وشمال مالي وعلى الحدود مع تشاد، يعدّ مؤشرا قويا على هذه الموجة الجهادية وحيوية التنسيق بين شبكاتها.

◄ ثانيا أزمة سياسية داخلية: لم تقم السلطات النيجيرية طوال لفترات زمنية طويلة بشيء يذكر في مجال التخلص من العوامل التي ساهمت في ظهور بوكو حرام وإمدادها بمقومات البقاء والتحاق أنصار جدد بها، خاصة مع استفحال تهميش مناطق الشمال وعزلتها وعدم معالجتها لأسباب الفقر والفساد واقتسام الثروة النفطية وتوزيع عائداتها توزيعا عادلا على جميع مناطق البلاد. فقد وجدت الحركة في تلك العوامل مجتمعة أو متفرقة أسبابا ذاتية وموضوعية لتجنيد الشباب وجذبهم إلى أفكارها المتطرفة. وقد اكتفت الحكومة في المقابل بردود أفعال عنيفة وتبنّي سياسة أمنية أقرب إلى العقاب والتنكيل الجماعي، مما قوّى من شوكة الجماعة.



ويتفق المتابعون على أنّ إعلان حالة الطوارئ في مايو 2013 في ثلاث ولايات شمال شرق نيجيريا، عمّق من حدة الأزمة بشكل غير مسبوق بعد ارتكاب الجماعة لعدة تجاوزات وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان دفعت إلى نزوح أعداد هائلة من المدنيين الهاربين من بطش بوكو حرام والتنكيل بقوات الشرطة والجيش. ممّا يجعل من الجماعة انعكاسا مباشرا لفشل سياسات الدولة الوطنية في نيجيريا، التي تعيش بدورها أزمة سياسية خاصة بعد أن وصلت في تصنيف مؤسسة الشفافية الدولية إلى المرتبة الأولى على مؤشر الفساد.

◄ ثالثا صراعات دينية وقبلية: تحتضن نيجيريا قبليتين أساسيتين، الأولى هي قبيلة الهوسا المسلمة في الشمال والثانية هي قبيلة الإيبو المسيحية في الجنوب. وغالبا ما تقوم احتكاكات دينية وعرقية بين هاتين القبيلتين، وقد استغلت بوكو حرام سياسة التهميش والعزلة التي تعاني منها مناطق الشمال والظلم والضيم اللذين لحقا بالمسلمين في نشر ثقافة دونية وشعبوية، ممّا صب النار على الزيت في مناطق تنتشر فيها الأمية ويعاني شبابها من بطالة شديدة، حيث شكلت مرتعا خصبا لإيجاد موقع قدم لها. وهكذا تنامت قدراتها التنظيمية والتعبوية بفعل سياسة التحريض لكي تظهر بمظهر النصير والحامي لهذه المناطق.

هذه الظروف مجتمعة أسهمت في تنامي خطر التنظيم وتزايد نفوذه، ولأنّ مسبباتها لم تنته إلى حدّ الآن ولم تتم معالجتها، فقد تشكل مرّة أخرى تربة حاضنة مناسبة لتهديد الأمن الإقليمي عموما، بعد إعلان البيعة لداعش وتحول إستراتيجية بوكو حرام نحو التمدد إقليميا.

تداخل في خارطة الإرهاب

اتخذت عمليات جماعة بوكو حرام شكلا تصاعديا ضد قوات الأمن النيجيري والمدنيين، وقد تركت عملية اختطاف 276 فتاة من داخل مدرسة بولایة بورنو (شمال شرق نیجیریا) في 14 أبریل 2014، صدى إعلاميا وسياسيا دوليا كبيرا، بدا جلیا مع انعقاد قمة باریس للأمن في نیجیریا في 17 مایو 2014. كما أنّ عملياتها المتكررة ضد قوات الأمن تصاعدت مؤخرا بشكل لافت للنظر. فقد شهدت مدن بيو وجُس وميدوغوري عمليات انتحارية متصاعدة، وهو ما يفيد بتحول في استراتيجية بوكو حرام نحو التصعيد وتوسيع دائرة النشاط بعد بيعة شيكاو للبغدادي.

هذا التحول في إستراتيجية الجماعة أضحى يبعث على القلق في ظل نشاط العديد من التنظيمات الجهادية الأخرى في المنطقة، كما أنه بات يطرح سؤالا محوريا مفاده؛ هل يجد تنظيم داعش في بوكو حرام وكيلا محليا له في أفريقيا، بينما يتكفّل تنظيم القاعدة عبر جماعة “أنصار الدين” في شمال مالي بإكمال مهمة زعزعة استقرار المنطقة؟ خاصّة أنّ التقارب بين هذه القاعدة وأنصار الدين كان قد حصل مبكرّا عن طريق عضو الجماعة عبدالراشد أبو بكر الذي قامت بتدريبه حركة طالبان في عام 2009 على زرع قنابل وكيفية تنفيذ العمليات الانتحارية، كما يشير إلى ذلك المركز الفرنسي للأبحاث حول الاستعلامات في وثيقة منشورة في سبتمبر 2011.

ويخشى مراقبون من أن تعمد تلك التنظيمات الجهادية إلى تعبئة مواردها وقدراتها المشتركة لدعم نفوذها وزيادة تأثيرها الخارجي وبث البلبلة في المنطقة عموما.

ومع وجود “تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي” وحركة بوكو حرام في شمال نيجريا وحركة “التوحيد والجهاد” وحركة “المرابطين” في شمال مالي وحركة “أنصار الدين” السلفية عند الطوارق وحركة “أنصار الشريعة اللييبة” وجماعة “الاعتصام بالكتاب والسنة” السلفية في السودان و”الجماعة الإسلامية المسلحة” الجزائرية و”كتيبة عقبة بن نافع” الجهادية في تونس، أضحى الخطر مضاعفا في ظلّ إمكانية أن تقوم هذه الجماعات بحرب عصابات منظمة على تخوم الحدود لاستنزاف الجيوش النظامية، مثل ما حدث في مالي في وقت سابق عندما نسقت تلك الجماعات فيما بينها ووصل مقاتلوها إلى مشارف مدينة تومبوكتو وقيامهم بمحاولة اكتساح مدينة موبتي في يناير 2013.

ولأنّ الحدود التي تفصل بين دول المغرب العربي ودول ساحل الصحراء شاسعة ووعرة، فهي تضفي مرونة كبيرة على تحرك هذه التنظيمات بين الدول واختراقها، لذلك فإن تهيئة المناطق الحدودية وتنميتها عبر شق الطرقات وتعبيدها وبناء الجسور والمدارس والمستشفيات وتوفير سائر الخدمات، يُمكّن من الاستجابة لحاجيات مواطنيها كما يمكن أن يحدّ من تحرك عناصر هذه التنظيمات وسهولة هروبها كلما اشتد الخناق عليها، وهي خطوات ضرورية يجب أن تتضمنها أي استراتيجية تستهدف الإرهاب.

* باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

العرب


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1683


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة