في


الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
القصة القصيرة جدا بين المحلية والعالمية
القصة القصيرة جدا بين المحلية والعالمية
القصة القصيرة جدا بين المحلية والعالمية


03-20-2015 09:58 AM

سعيد السوقايلي

يقول أوكتافيو باث «من عزلتها تموت الحضارة»، تكاد هذه المقولة العميقة تنطبق على حال القصة القصيرة جدا العربية ما لم تنفتح على نظيرتها في اللغات والآداب الأجنبية، وسؤال الانفتاح هو شرط وجودها واستمرارها وقوتها، ومطلب الانفتاح أيضا يرتهن إلى استراتيجية أفقية التصور للتعريف بالقصة القصيرة جدا خارج الدائرة العربية، لذلك يجب التسريع بتضافر الجهود لتدويل هذا الجنس من لدن الكتاب والنقاد والناشرين والمترجمين والأكاديميين والجامعات والمعاهد والمدارس والمؤسسات الثقافية، واستثمار قنوات الاتصال الحديثة لتمرير القصة العربية إلى الخارج.
ولا يخفى اليوم أنه لدينا حاليا رأسمال سردي مهم يتطور بشكل لافت، وحركة تنظيرية ونقدية وازنة تصاحب هذا الإبداع بحس إبستيمي جاد ومسؤول، ذلك أن هذه المجهودات التنظيرية قد استفادت من نظيرتها حول القصة والرواية، فبهذه الأسباب وجد منظرو ونقاد القصة القصيرة جدا عربيا الأرضية ممهدة ومختزلة، فتحقق بذلك منجز إبداعي ونقدي محترم، يمكننا أن نضعه زمنيا في الطفولة نفسها التي تعرفها القصة القصيرة جدا في الأدبين الإنكليزي والفرنسي، وهي تلاحق بدورها نظيرتها في الأدب الإسباني اللاتيني خاصة؛ والحالة هذه، فزمن القصة العربية زمن عالمي بامتياز، إذ نجد أنه في أقوى الآداب الغربية ما تزال القصة القصيرة جدا في طور نموها وتأصيلها، الأمر الذي يجعلنا في قلب توقيت أدبي عالمي مناسب، خلافا لما عرفه الأدب العربي المعاصر من تأخر عن الأدب الغربي في حقول الشعر والرواية والمسرح والقصة القصيرة…
إذن فسؤال العالمية، رغم إكراهاته الكثيرة وأبرزها حضور اللغة، يستدعي منا خلق منافسة وندية أدبية قوية عبر هذا الجنس السردي البكر، إزاء نظيره الحديث الولادة في الآداب الأخرى، قبل أن تتباعد بيننا وبينهم تلك المسافة الجمالية إبداعا وتنظيرا ونقدا وتلقيا…
وقبل اقتراح أي إستراتيجية شمولية لمعانقة عالمية القصة القصيرة جدا في نسختها العربية، لا بد من الحرص أولا على مواصلة التأسيس لهوية جمالية للسردية العربية الخاصة بهذا الجنس، وذلك عبر استلهام كل العناصر والرموز الثقافية المحلية الغنية بذاكرتنا الموروثة والشعبية، وكذا استثمار الراهن العربي في كل تجلياته، بعيدا عن أي تقليد أو اجترار إبداعي غربي، وأقصد هنا استثمار ودراسة التراث السردي العربي شفهيا أو مدونا لتأسيس نظرية يمكن التعزيز بها لحضور الأدب العربي، من دون تقديمه مبتور الجذور، وتلك سمة عامة في الآداب التي تحترم ماضيها وتفخر به، كاستثناء حضاري وثقافي تنافس به غيرها، فتنطلق من خلاله إلى تطويره واستحداث تقنيات جديدة، والقصة العربية اليوم في حاجة إلى هذا الاهتمام بغية إضفاء مسحة هوياتية عليها، حتى تكون متفردة في فلسفتها إزاء الخارج، ولا تكون بالضرورة نسخة كربونية لغيرها، وما لجأ إليه كتابها في الأدب الإسباني اللاتيني خير مثال على ذلك، حين استلهموا ثقافتهم الشعبية بكل أساطيرها وخرافاتها وشخوصها التاريخية…. فتراثنا العربي ومخيالنا الشعبي وواقعنا الراهن بكل ما يشهده من تنوع وتحول… كل ذلك يعد رافدا غزيرا لبلورة قصة عربية قصيرة جدا يكون لها طعم ومسحة، وقد يحقق ذلك قيمة مضافة لهذا الجنس الجديد على الساحة العالمية.
وفي ما يلي بعض الآليات الإجرائية التي يمكن أن تساعد القصة القصيرة جدا العربية لمعانقة حلم العالمية، وهي فرصة سانحة يعول عليها المثقف العربي لتجميل صورتنا في الخارج بعدما بعثر السياسي كل الأوراق:
ربط القصة القصيرة جدا بالدرس الجامعي، والحرص على رعايتها أكاديميا بالتنظير والبحث والترجمة، خاصة في ظل الأدب المقارن الذي يهتم بدراسة مقارنة لمختلف الآداب الأجنبية لاستجلاء أوجه الاختلاف أوالاتفاق بينها، ورصد علاقات التفاعل بينها.
انفتاح المهرجانات العربية في دوراتها المحلية والعربية على اللغات الأجنبية وورشاتها ومنتدياتها، وكذا استدعاء الأسماء الرائدة في القصة القصيرة جدا عالميا.
خلق توأمات أدبية في كل دورة مع المهرجانات العالمية لتبادل الخبرات والتعريف بها إبداعا وتنظيرا ونقدا، إذ نلحظ قطيعة جلية في هذا الصدد.
خلق خلية أكاديمية أو محترفة للترجمة من وإلى اللغة العربية، عبر اختيار الأعمال أو المنتخبات الوازنة لهذا الجنس الأدبي لفتح عيون العالم على النموذج العربي.
القيام بإصدارات منتظمة تعنى بالترجمة والتنظير والنقد وتخصيص جوائز لها.
خلق شراكات مع الناشرين الغربيين للترويج للقصة العربية المترجمة، ودعم وتقوية دور النشر بالعواصم الغربية تلك المهتمة بترجمة الأدب العربي مثل ميزون، ونوف لاروز، وسندباد، وأكت سود…
إحداث بنك أدبي يحفظ أرشيف القصة القصيرة جدا العربية إبداعا وتنظيرا ونقدا وترجمة.
إقناع الدوائر الرسمية وغير الرسمية وطنيا وعربيا بأهمية الأدب في التنمية البشرية والنهضة الحضارية كمشروع أساسي لا فكاك منه لتلميع الصورة العربية ومحو نمطيتها الفجة المترسخة في المخيال العالمي، لهذا الغرض فالقصة القصيرة جدا تعرف تنافسا عالميا وسباقا محموما سيحسم بعد عقود قليلة لصالح أدب أمة معينة، من هنا وجب حشد الدعم المالي واللوجيستيكي لإحقاق إشعاع أدبي عربي نحن في أمس الحاجة إليه راهنا.
إعداد مهرجان متوسطي يضم آداب الجوار للترويج لثقافة التعايش والتسامح… بإحداث دورات تعنى مثلا بثيمة واحدة لكل دورة للغرض السابق نفسه، بغية نبذ وتذويب كل الخلافات، وتقريب شعوب المتوسط إلى بعضها بعضا، ومن ثم محو كل الانطباعات السيئة التي تكال للشعب العربي والمسلم.
تأسيس مدرسة نقدية عربية اسما وتنظيرا، من شأنها أن تستخلص وتقعد للقوانين العامة لجمالية القصة القصيرة جدا العربية، حيث يسهر منظروها ونقادها وفق مؤتمرات ودوريات منتظمة على هذه الغاية.
خلق جائزة عربية موحدة ومحكمة، ومتابعَة من قبل كل وسائل الإعلام لما لهذا الأخير من سلطة في التسويق والترويج الثقافيين.
إذن هي بعض الخيارات الإستراتيجية القابلة للنقاش، فهي ليست صعبة المنال، إذ بتضافر الجهود يمكن تحقيق هذا الحلم العالمي، ولابد في ذلك أولا من عقد مصالحة بين السياسي والثقافي دعما وتواصلا وانفتاحا، وعدم اعتبار الأدب ترفا ثقافيا، بل هو رأسمال رمزي نواجه به أولا تصدعات هويتنا الذاتية وانكساراتها، ثم ننافس من خلاله ثانيا كل غزو ثقافي يريد طمس معالمنا، فالأدب جبهة نظيفة تذود عن هوية الأمة، واستراتيجية حضارية بها يمكن غزو الآخر جماليا، في وقت عزت فيه عندنا استراتيجيات في مقدمتها الإرادة السياسية والقوة الاقتصادية.
وفي الختام، فتحقيق هذه الآليات رهين بتوافر مجموعة من المعايير الذاتية والموضوعية والجمالية، التي عادة تلجأ إليها أرفع الجوائز العالمية مثلا لتزكية كل أدب أجنبي لمعانقة العالمية، فمنها مثلا جدة الطرح والصياغة على مستوى الأسلوب والفكرة والجمالية، ثم مكانة اللغة نفسها وحضورها في الخريطة السكانية الدولية، فهذا الشرط متوافر في العربية إذ هي ليست لغة أقلية أو لهجة نائية، فحضورها في الرتبة الخامسة عالميا على مستوى الرواج والتواصل قبل لغات لها حظوتها الأدبية يجعل منها لغة قوية، بالإضافة إلى ميراثها الأدبي والفكري الثقيل بكل أسمائه ونصوصه الخالدة التي أبهرت وطعمت أرفع الآداب الأوربية إلى عهد ليس بالبعيد.

كاتب مغربي

سعيد السوقايلي
الدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 954


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة