الأخبار
أخبار إقليمية
في ذكراه الثالثة حميد يتوسد أحلام المتعبين
 في ذكراه الثالثة حميد يتوسد أحلام المتعبين


03-21-2015 06:47 PM
"حدقوا في أصابعكم حتى الوسن بعدها ناموا على وطن فتصبحون على خير الجمال"
الخرطوم : مصعب الهادي
لم يك صباح ذلك اليوم كأي يوم من صباحات البلد ، تغير مسار الأشياء قليلاً على غير المعتاد، فالساعات ليست بحركتها المألوفة وكأن شمس النهار قد أفلت عن بزوغها الذي عرف عنها، شيء ما اكتسى القلوب واعتراهم حزن تشابكت فيه الخواطر والأشياء، تاركة تساؤلاً كبيراً يحدث بأن من سينشد الوعي ثم الوعي ، وكيف سنجابه تلك الغيبوية لمراحل الغوص بالفكرة إلى حيث التجلي والإلهام أو ..... كل ذلك الجدل ظل يستثار بعد رحيل الشاعر حميد بعد ماخطه في مساق الشعر والكلمة، اليوم تمر ذكراه الثالثة ونحاول أن نلقي بعضاً من الضوء في فصل من تاريخ الوطن يسمى حميد :
الميلاد والنشأة
كانت صرخته الأولى في رحلة الحياة بمدينة نوري بالولاية الشمالية في العام 1956، لتبدأ رحلته مع المعرفة بمدرسة المدينة، ثم تلاها انتقاله لدراسة الثانوي بمدرسة عطبرة الشعبية الثانوية، ويصف حميد على لسانه تلك المرحلة خلال قوله بأنها السنوات التي شكلته متحسساً خلالها محيطه وأشياءه كغيره من أبناء السودان في مرتع صباهم، ليؤكد بأنها من شكلت وجدانه، بعد تلك المرحلة بدأ حميد مسيرته العملية ليلتحق بركب العمال كفرد ضمن هيئة الموانئ البحرية في العام 1978م حتى انتهى به العهد معهم في العام 1992م ، خلال تلك الفترة تنقل حميد في رحلة ممتدة مابين الخرطوم وبوتسودان.
أعماله ،،
عرف عن الشاعر حميد تطويعه للكلم في كتاباته لقصائده بالعامية السودانية، يناقش من خلالها حراك السلام ، واضعاً طريقة للحكم في محاولة لفتح أبواب الأمل للبسطاء، ولم يخف حميد فطنته في جعلها حلبة منافسة وصراع رحيم يصل إلى شيء من حتى من خلال مداولة يشف فيها الحال في محاولة للتحسين من أجل الرفعة والكل ، نظراً لتلك البساطة أضحت قصائده قبل وبعد الوفاة حالة عامة ينفسها الكل بحثاً عن ذاك الشيء ، وإن كان بالتقصي نجد أن قصائده المسجلة في حالة طواف بين الريف والحضر ، ترك حميد خلال مشواره رصيداً ضخماً تستقي منه الأجيال معاني الكلم حتى لتلك العامية التي تحاول المدنية ان تخفيها بارزة كما الشمس ، من أبرز أعماله يأتي ديوان "ارضاً سلاح" الذي صدر في يناير 2012م كآخر عصارته قبل الوفاة ، ضمن ذلك تتمدد دواوين كـ"حجرالدغش" و" مجموعة نورا" و" الجابرية" و"ست الدار" و"الرجعة للبيت القديم" و"مصابيح السما التامنة وطشيش" لتبقى حلقة مناقشة ومنهل يستقي منه من يقدم من بعده كتفرد خص به نفسه ، لتبقى أشهر قصائده "عم عبدالرحيم" و"عمنا الحاج ودعجبنا" و"ياتو وطن" و"من حقي أغني" و"الضو وجهجهة التساب" و"لبن الطيور" بمثابة المضاد في وجه الحزن.
حميد ومصطفى
وعبر تلك المسيرة في دروب الحياة ومشاهداتها كان أن أنتج حميد من منهلها كثير من الإبداعات وذلك بمعايشته لظروف الناس بطبيعتها كما هي، وقطعاً لم تكن أشعاره بين دفتي الورق الذي يحتضنها ، بل امتدت لتصل إلى كافة الناس بما يستسيغونه سواء كان عبر التسجيلات المسموعة أم بعد مزجها بالألحان لتضحى مغناة ، كانت من أهمها ثنائيته مع رفيق الدرب الراحل مصطفى سيد أحمد ، شكلت الثنائية رحلة نغم عرفت فيما بينهما بمشروع الحلم الفسيح ، يبحثان خلاله عن جماليات السودان في رحلة بين الكلم والنغم ، كان إنتاجها بمثابة اللقاح المطعم في سير الأغنية السودانية من أبرزها "عم عبدالرحيم " و"يامطرعز الحريق" و"ياجماعة حشا المغبون" و"عرق الجباه الشم" و"طيبة" وغيرها من الأغنيات. ويجدر بالذكر أنه بعد وفاة مصطفى انتابت حميد حالة من الحزن ، حتى أنه قال فيه قوله المشهور : " من كان يسمع مصطفى صن ووهج صوتو انطفى ومن كان يسمع ما اصطفى حي بي قضيتو وبس كفى" ، ولم يذكر حميد حجم العلاقة ما بينه ومصطفى فقال عدة مرات أنه لا يسمح بالحكي لأنها علاقة بيت وحوش واحد ، بل وضعها في خطوط عريضة واصفاً بأن مصطفى مشروع سرمدي لم يبدأ به ولن ينتهي بغيابه ، فقط على المعنيين بهذا المشروع الالتفات إليه بموضوعية وبعيداً عن المقدس، مرت تلك الأيام وعاود حميد مجدداً ملامسة الورق بحبره ليسطر من فيض حزنه روائع أخرى وأغنيات حملت معنى للإنسانية ، تغنى بها الكثيرون من أبرزهم فنان الطمبور "صديق أحمد" و"ميرغني النجار" و"محمد جبارة" و"محمد النصري".
الشاعر السياسي
كان "حميد" في حالة مشاكسة مع الأنظمة السياسية في السودان خلال ما يقدمه من قصائد مصادمة نظراً لرؤيته المغايرة لواقع الأنظمة التي يرى فيها كهنوت وانغلاق في حرية الإنسان ، بل يرى أن الأنظمة المتعاقبة لم تستطع توطين السلام بأرض الوطن وفتح منافذ النور والطبائع السمحة به، حمل كل تلك المكنونات على كتفيه بلا كلل أو ملل، من أجل قضيته التي حملتها معظم أشعاره، وذاق في ذلك مرارة الاعتقالات والسجون والنفي إلى خارج البلاد والتعذيب لما يحمله شعره من معنى سياسية ودينية وقضايا اجتماعية.
نبض الغبش
على الرغم من أن حميد ولد وعاش في الشمال لكن أشعاره طافت بفيضها مساحات الوطن من أقاصيه إلى أقاصيه مناهضاً بها الأفكار والرواسخ القبلية والعنصرية ، كاسراً حميد بشعره حاجز الخوف ليؤكد بأن الحبر بارود وأن شعراء الأمة هم مشاعلها نحو الحرية والضياء ، على الرغم من قصرها إلا أن حياته كانت طويلة ودسمة وثرية بمقياس العطاء واكتناز الوطن ما بين الحنايا مبشرًا بقدوم الفجر الجديد الذي ظل ينشده، حتى الطبقات الكادحة التي كان يترنم بأحاسيسها نعتته بعدة ألقاب منها "شاعر الفقراء والمساكين" و "شاعر الوطن والنضال".
مشاركاته ،،
نظراً لما جابهه حميد كانت مشاركاته رمزية لا تكاد تتعدى حدود القطر ، وجلها كانت ما بين المنتديات الثقافية الأدبية ، وقال حميد واصفاً تلك الحالة إن المنتديات تعني لأي مبدع اختبار لمحلول إبداعه في معمل الجمهور والتأكد من مدى صلاحيته ومطابقته للمواصفات الفنية واستيفائه لشروط الجمال ، ليواصل تواضعه عن المشاركات أنها جعلته يحس بالقصور والقزمة أمام هذه العظمة من الكبرياء قاصداً بها كبرياء الجماهير ويحاول أن يرد عليها من خلال بضاعته ، التي تمتد لتشمل التسجيلات والميادين العامة وبعض الجلسات مع الأصدقاء وقبيلة المثقفين.
الوفاة ،،
في صباح الثلاثاء بتاريخ كان نبأ الشؤم يأتي متسربلا السواد من الطريق الذي يربط العاصمة الخرطوم بالولايات الشمالية" شريان الشمال" فبتاريخ 20مارس من العام 2012م لقي الشاعر "محمد الحسن سالم حميد" مصرعه إثر حادث سير في طريقه من نوري بالولاية الشمالية إلى الخرطوم، لتفتح منافذ الحزن أشرعتها مجدداً، ويلتبس الحزن قطاعات الشعب السوداني ، مفجوعين برحيله نظراً لما لامسه في وجدانهم ، بعدها نُقل جثمانه الطاهر إلى مشرحة أمبدة في أمدرمان ، وكان الحادث قد وقع عند الكيلو 167 ليشارك في احتفالات شركة "زين" للاتصالات بعيد الأم ، وحتي يدشن ديوان "بحر المودة" للشاعر السر عثمان الطيب ، ولكن الأقدار سرعان ما التفته ، ليتم تشييع الجثمان إلى مقابر البنداري بضاحية الحاج يوسف شرقي الخرطوم.
على لسان حميد ،،
بعد رحيله ترك حميد شعره يناقش ما نمر به اليوم كأنه نبوة جديدة ، إلى جانب المأثورات التي أخذت كتفسيرات مبهمة تكشف بشفافية حالة الإنسان والمواطن السوداني، كان من أبرزها أن قال : "الشعر يا هو الشعر لا هو ضكر ولا هو إنتايي" ، وفي سؤاله عن المرأة قال : "في دفاعها عن مكتسبات شعبها ومطالبتها بحقه في العيش والحياة الكريمة وهي منه ، وقت أن ترفع صوتها عالياً يطأطئ الشارع العام أشجاره احتراماً لجمالها" ، تاركاً معه رسالة في حق الشعراء والفنانين الشباب وقد قال لهم : "حدقوا في أصابعكم حتى الوسن بعدها ناموا على وطن فتصبحون على خير الجمال"، رحل حميد وماتزال قضيته بين جنبات كل بيت تتحش موقداً ومنقذاً يدفع بها إلى مشارقها حتى يبقى الوطن كما يراه ونراه.


التيار


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1392

التعليقات
#1232039 [عثمان كريم]
5.00/5 (1 صوت)

03-22-2015 11:35 AM
رحِم الله حميد الإنسان الصديق الصدوق والشاعر العَلَم ود البلدْ حقاً وحقيقة ........


#1231830 [مجوك مجوك]
5.00/5 (1 صوت)

03-22-2015 08:28 AM
رحم الله حميد ومصطفى فقد اثرو وجداننا وج\وة نارهم في قلوبنا مازالت مشتعلة ..



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة