الأخبار
أخبار إقليمية
اليسار في السودان إلى أين؟ الحلقة الأخيرة .. البحث عن غد..!!



03-31-2015 09:59 PM
"الأمم العظيمة تحيا لكي تتذكر لأن النسيان يعادل الموت أو درجة من درجاته في حين أن التذكر يقظة واليقظة حالة من عودة الوعي ربما يتحول إلى فعل أو نية فعل إن استطاع أن يرتب لنفسه موعدا مع العقل والإرادة في يوم قريب أو بعيد "كما يقول محمد حسنين هيكل.. ويعتقد البعض أن أنهار الحبر التي سالت على تلال الورق في السنوات الماضية حول مستقبل اليسار في السودان جعلت الكثيرين لم يعد مستعدا لمناقشة أو حتى تقبل ما يلقى إليهم من كلمات مهما كانت مصادره.

تحقيق: خالد فتحي: علاء الدين محمود
الشيوعي لماذا؟
قد يسأل سائل لماذا التركيز على الحزب الشيوعي دون غيره من أطياف اليسار الأخرى؟! من المهم جداً الاشارة إلى أن حركة اليسار بالسودان كانت تستوي على ساقين الحزب الشيوعي والقوميين العرب بأشكالهم المختلفة كالبعث والناصريين مع فارق شاسع لصالح الشيوعيين في الوزن السياسي والثقل الجماهيري مع الأخذ في الاعتبار أن غرس الحزب الشيوعي في التربة السودانية غرس نوعي إذ يمثل أحد أكبر واجهات القوى الحديثة، وحامل لواء تيار الاستنارة بقوة دفع طلائع المثقفين والمهنيين والعمال والمرأة وغيرها من قوى المجتمع الحية الذين ضمهم في حومة البعث طريق..!!
ومما سبق ذكره فإن قوة الحزب ليس في كثرة العدد والعتاد، إنما في قوة الطرح وتماسكه واتساقه مع روح العصر والفطرة الإنسانية السوية. أضف إلى ذلك القوى الثورية الأخرى التي كانت تهتدي بالماركسية مثل الجيفاريين والحزب الشيوعي القيادة الثورية، وحزب الفلاحين، وكل ذلك يدل على أن الأرض السودانية احتضنت مختلف مشارب اليسار.
حالة احتضار الطويلة..!!
ولعل طول بقاء الفرد بالحكم وتجريف الحياة السياسية بالسودانية وضرب وتفكيك الأحزاب أدى إلى تجفيف بحر السياسة بالسودان في العقدين الاخيرين والمتمثل في قلة الجدل حول الشأن العام والتقدم إلى الناس ببرامج واقعية قد تمثل حلاً أو أفقاً له.
وفي تلك الأجواء –قلة مشاريع الحل أو انعدامها- يسود التيئيس والإحباط التي تنتهي بالتساؤل الفرعوني ما البديل؟! الذي يمكن أن تكون الإجابة عنه ببساطة.. دع ألف زهرة تتفتح ولو أدمتك أشواكها!! أو دع تلك العصافير التي خضتها الحجارة في أزمان غابرة لتعود وتغرد بحرية وثقة في الهواء الطلق وعلى الملأ.
وهج سبتمبر..!!
مصر في عهد مبارك عاشت أنماطا مما نقول قبل خروج الجماهير الباهر فجر 25 يناير 2011م.. الثورة التي خرجت خروج الوردة من أكمتها من أحلام العاطلين المجهضة ومن شباب الأمة الذين ظن بهم الظنون.. وفي السودان هناك جيل من الشباب خارج نطاق السلطة، وخارج نطاق الأحزاب وخارج نطاق الإسلاميين المتوسدين أشرعة الحكم بطبيعة الحال.. الجيل الذي كتب عليه أن يرزح في ظل الديكتاتورية الدينية لربع قرن أو يزيد.. الجيل الذي ظن به الظنون كما فعل بأشياعه في مصر، لكنه قلب الطاولة وخلط أوراق الجميع بعد خروجه الأسطوري في سبتمبر 2013م يواجه عسف السلطة بصدور مفتوحة وشجاعة متناهية في هبة لم يملك النظام إخمادها إلا بكثافة النار وسفك الدم.
ويقول الصحفي المصري الكبير محمد حسين هيكل في سلسلة "حوارات لندن" التي أُذيعت على مدى ثلاث حلقات بفضائية الجزيرة القطرية في نهايات ديسمبر 2010م والعام يرخي سدوله ويطوي بساطه فاسحا المجال لعام جديد. توقع أن يكون هناك شيء ما، وعلل قوله :"بأن كل الضغط والتكميم وهذا القلق وتلك الحيرة عدم رضا وتشوق لشيء مختلف.. 10 مليون شاب وشابة ومناقشات حية قد لا نرضى أو لا نوافق على الكثير منها لأن الحيوية مطلوبة والجدل بشأن العام".
ويضيف هيكل: "هؤلاء الشباب أداروا نقاش طويل على الإنترنت و(فيسبوك) و(تويتر) هذه القوى الحية كان من المفترض أن يكونوا طبيعيا داخل الأحزاب السياسية، لكنهم خلقوا عالما افتراضيا.. ولعل هؤلاء الشباب كان لهم فضل إسقاط نظام مبارك البوليسي بعد أن تمكنوا من كسر شفرة وزارة الداخلية، وأضحت خططها الأمنية لقمع المظاهرات كتاب مفتوح أمامهم".
والسؤال المطروح –هنا- هل احتاجت تلك الجماهير الثائرة التي اندفعت إلى الطرقات والميادين في تونس ومصر وغيرها من البلدان التي غشيتها غاشية الربيع العربي إلى رفع شعارات يسارية؟! الإجابة نعم.. لأن الثائرين ببساطة خرجوا يطلبون العدالة الاجتماعية مقرونة بالحقوق السياسية..
وفي تونس كانت هناك أحزاب مسجلة كما هو الواقع لدينا هنا في السودان وأحزاب أخرى تمردت على قانون الأحزاب وعلى النظام القائم برمته. وآثرت أن تبث رسالتها في توعية الجماهير من تحت الأرض وكانت تعمل في الخفاء متدثرة بأثواب أخرى مثل حزب العمال غير المسجل واتحاد الشغل وكان لها القدح المعلى في نجاح الثورة.. وفي مصر عبرت المجموعات الشبابية الثائرة ضد حكم مبارك مثل "حركة كفاية" و"6 أبريل" عن تطلعات يسارية.. دون الحاجة إلى أطر حزبية لأن الأحزاب اليسارية كانت مستسلمة وأحيانا متواطئة مع النظام فغابت الفريضة الأساسية المتمثلة في العمل وسط الجماهير.
ولعل المفكر سمير أمين كان واضحا وربما كان صادما عندما دفع بأن الفضاء اليساري قد لا يحتاج إلى أحزاب في المرحلة القادمة، والقوى اليسارية أيضا أضحت أكثر انفتاحا لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ النضال البشري والصراع الأزلي صراع الخير ضد الشر، صراع المستغِل ضد المستغل، أو كما يسميه سمير أمين نهوض التيارات الشعبية وانتهاء مرحلة الأحزاب بصيغتها اللينينية القديمة، أو كمال قال بعض المفكرين نشوء حلف كبير ضد الرأسمالية المتوحشة والفايروس الليبرالي، وفي ذلك يبتدع الناس طرائقهم النضالية.
خرافة الاستقرار.. واليسار المتأمرك !!
أولئك الشباب الذين اندفعت طلائهم في سبتمبر 2013م أعطوا السياسة قدر من الحيوية وهو يعطي الأمل برغم كل ما تفعله السلطة بدعاوى ما يسمى بـ(الاستقرار)، أو التركيز على السؤال من البديل؟
وهو سؤال في الغالب تتبعه حركة تيئيس من المعارضة وقادتها ودورها ويصبح لسان حال الجميع كما يأتي على لسان أحد أبطال رواية نجيب محفوظ ذائعة الصيت (أولاد حارتنا): "حظنا من الدنيا الذباب ومن الآخرة التراب". وهنا يبدأ استبطان فكرة مقاومة التغيير تحت وهم المحافظة على الاستقرار!!
ولا مناص من الاعتراف بأن اليسار المتأمرك وطائفة من منظمات المجتمع المدني لعبا دورا أساسيا في إبقاء الأوضاع على ما هو عليه لأسباب عديدة على رأسها الصلة العضوية لشرعية وجودهم -ولو كرهوا- مع وجود النظام، لأن وجودها مرتبط بوجوده واستمراره وإلا توقف الدعم لأن شرط التمويل سينتفي عندها.
وتبدو الخشية ماثلة في مخيلة الكثيرين أن يمهد الجدل الواسع حول اليسار ومستقبله والحزب الشيوعي ودوره في الحياة السياسية لبعثرة ما تبقى من شعث الحزب !!
ولهؤلاء وأولئك نقول أن الحزب ليس غاية إنما وسيلة.. إذ يعني المحافظة على جسد الحزب دون السعي لاستعادة روحه ووهجه وبريقه وسطوته أشبه بحشر قدم الفتاة الصينية داخل قالب حديدي لتبقى صغيرة وجميلة حسب مقاييس الجمال هناك، وبالفعل قد تبدو صغيرة وجميلة لكنها للأسف تكون مشلولة.
صافرة النهاية..!!
كما أسلفنا في الحلقة الأولى بأن الأحزاب اليسارية وعلى رأسها الحزب الشيوعي بصورتها الحالية قد انتهت دورتهم التأريخية.. وأضحت بلا مراء في حاجة ماسة إلى التجديد والابتداع، فكيف السبيل إلى ذلك وسط العالم المائج بالمتغيرات؟!
لكن رؤى التطوير دائما ما تصطدم بشراك الموظفين الحزبيين الذين استطال الأمد داخل مفاصل الحزب ولا يرون بالإمكان أفضل مما كان.. لكن حتى لا نحمل البشر ما هو فوق طاقتهم وطبائعهم فإن الغالبية العظمى من الموظفين الحزبيين على أعتاب التسعين وأصغرهم قد تجاوز الستين بسنوات.. و-مع تسليمنا- أن كبر السن ليس عيبا، لكن ضرورات العمل تتطلب التجديد الحيوية وذهنية متقدة لمقابلة المتغيرات وقلق التساؤلات وإلا لا يصبح هناك فرق بين الحزب والأحزاب الطائفية.. ثم أن الموظفين الحزبيين دورهم يقتصر على تسيير الأنشطة اليومية عبر التكتيكات وليس مهمتهم على الإطلاق بناء إستراتيجية فاعلة ونشطة لاستعادة البريق. أو إعادة الأمل.. وهنا تتبدى مخاطر غياب المنظرين كروافع فكرية.
المثقف الثوري.. والأفق مفتوح..!!
المتعقب لمجريات الأحداث يلحظ بجلاء أن مثقفي الحزب نابوا عن الطبقة العاملة واختلفوا فيما بينهم كعادة المثقفين في تفسير الأهداف والوسائل وخلطوا خلطا منكرا بين الإستراتيجية والتكتيك، وبين ضرورات الموقف الآني القريب والهدف الإستراتيجي البعيد. ومضت جماعات منهم تصفي جماعات وانتهى الحزب بهيمنة أولئك الموظفين الحزبيين عليه. فيما تركه الآخرون قائما وحده غارقا في الصمت والذكريات.
لكن مع كل تلك القتامة يبدو ثمة ضوء يلوح عند نهاية النفق بأن الأفق مفتوح وأن الطريق سالك لأن تستعيد الفكرة ألقها القديم إذا ما نظفت من شوائب الستالينية وإشكالات الثنائية القطبية وتداعيات الحرب الباردة وأن لا بديل لنهج تقدمي دون التعويل على قيم الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. وهكذا تبدو جاهزة تماما لوقف عملية الإنحدار الاجتماعي المتدحرجة بسرعة فائقة لقعر الهاوية.
ويقول السياسي والباحث الأكاديمي محمد علي جادين: بالرغم من ظهور العولمة وتسيد القطب الأوحد بعد تلاشي الثنائية القطبية بانهيار الاتحاد السوفيتي، لكن السياسة الغربية والأمريكية بشكل خاص تجتهد لعسكرة العولمة ومسحها بالطابع الحربي كغزو أفغانستان والعراق وأيضا محاولة فرض مشروع الليبرالية الجديدة أو الرأسمالية المتوحشة وهذا قاد لتراجع عن دولة الرعاية الاجتماعية في الدول الغربية وهذان العاملان قادا لظهور تيارات يسارية جديدة لمواجهة هذه التداعيات على غرار ما حدث باليونان وألمانيا وغيرها من الدول الغربية. وهناك تسويق لهذا مشروع تراجع دولة الرعاية في دول العالم الثالث مثل (حالتنا في السودان). وأصبح الانفتاح على السوق الحر أشبه بالعقيدة الدينية.
وينتهي جادين إلى أن التيارات المناهضة للعولمة والرأسمالية المتوحشة تأخذ من اليسار وليس بالضرورة أن تعلن ذلك، وتعالت الأصوات المطالبة بأن لا ترفع يدها عن كل شيء. كما أن التطورات التي صاحبت السيطرة القطبية الأحادية كالعولمة وثورة الاتصالات وتطور العلوم الانسانية والاجتماعية بصورة لافتة.
كما أن اليسار طالما حمل هموم الدعوة إلى المضي إلى المستقبل دون الانقطاع الكامل عن الماضي وعلى سبيل المثال قضية تحرير المرأة التي قطع فيها شوطا بعيداً التي تراجعت في ظل سيطرة الإسلاميين على الحكم مع الأخذ في الاعتبار أن قضية المرأة لم تكن جوهرية في فكر الإسلاميين، واتخذت الدعوة دوافع سياسية وانتخابية بحتة وليست دينية كما يعترف الترابي نفسه في مؤلفه (قضية المرأة).
محاولات للفهم.. استعادة الأمل..!!
والسؤال هل تعاني الأحزاب أو التيارات اليسارية في السودان أزمة قائد وهل بالضرورة أن يكون على واجهة الحزب قائد ذو كاريزما مثل عبد الخالق محجوب؟!! للإجابة عن السؤال يجب أن نسأل أنفسنا أولاً كيف يخرج القائد وكيف يتقدم إلى الواجهة.. الإجابة ببساطة بالعمل.. بالإضافة لابتدار عملية التحديث وسط التيارات اليسارية والاصطبار عليها وأن تعطى الجماهير الأمل. وتصحو البلد وليخرج الناس من مناخ الإحباط واليأس. ليس مطلوبا منها أكثر من هواء نقي وغير مكتوم. كما أن أزمة القيادة لا تبدو أنها تخص اليسار وحده لكنها شيء أشبه بالداء العضال الذي أمسك طويلا بخناق السياسة السودانية. لان الفرد مهما علا دوره تعبير لإرادة شعبية وليس صانعا لها.. ثم القيادة كالشرارة تتولد بالاحتكاك فكيف يخرج قائد من السكون؟!
ويؤكد الباحث شمس الدين ضو البيت أن الطريق إلى المستقبل يبدو ممهدا وإمكانية استعادة الأمل والبريق تبدو أيضا مواتية لاعتبارات عدة بينها أن اليسار ترتكز رؤاه على جوهر العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر وعلى كل قدر طاقته ولكل قدر ما يحتاج، كما أن قوة الماركسية تبدت في السابق بأنها وصلت إلى أقاصي الكرة الأرضية دون الحاجة لاطلاق رصاصة واحدة.
ما يعني أن اليسار لا يزال محتفظا بـ(الرصاصة في جيبه)، والمتمثلة في سلاح العدالة الاجتماعية وجوهر المساواة بين البشر، المتسقة تماما مع الفطرة الإنسانية السليمة والتي تعجز عنها الطائفية لأنها في جوهرها أسرية متدثرة باستقراطية دينية وجماعات الإسلام السياسي التي تتحدث أنه رزق ساقه الله إلينا رغم أن نهج مذموم كما ينبئ المولى عز وجل في القرآن الكريم: "أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاء اللَّه أَطْعَمَهُم". وتحدثنا في الحلقات الماضية كيف قادت سياسات النظام الممنهجة معززة بآليات الرأسمالية المتوحشة إلى انهيار الطبقة الوسطى "حاملة القيم الاجتماعية"، وانقسام المجتمع إلى فئتين غالبيته العظمى تحت خط الفقر ونسبة ضئيلة جدا لا تتعدى نصف في المائة تستأثر بكل ريع الدولة. ولم تكتفِ السلطة الإسلامية بذلك بل تطورت إلى تفكيك المدن الكبرى وترييف العاصمة بطريقة الهبت أطرافها وجعلتها ساحة مفتوحة للفقر والعوز والجريمة. كما يؤكد المفكر سمير أمين يعتبر الإسلام السياسي، الوجه الآخر للرأسمالية المتوحشة.
عودة الروح..!!
إن أفكار اليسار التي نعوها وشيعوها إلى مثواها الأخير تعود مرة أخرى، ربما أكثر حيوية لتتسع حركة مقاومة المشروع الرأسمالي المعولم حركة مناهضة العولمة الرأسمالية، أفردت أشرعة المقاومة منذ نهاية التسعينات، فصارت راياتها المرفوعة وبحركاتها الاحتجاجية المختلفة المشارب ربما تخلق أفقا أكثر رحابة لخلق واقع جديد للإنسانية بمجلها ضد الليبرالية الجديدة وضد الرأسمالية وبالتالي عالم أكثر عدالة، وربما هذا أيضا ينطبق على عالمنا المسمى بالثالثي أو كما يقول سمير أمين إن اشتراكيات العالم الثالث كانت تعتمد على قوة اجتماعية موجودة وإن لم تك تشمل الجميع. كانت قوية جدا، ثابتة وكانت تمثل الجماهير القابلة للتسييس وللتعبئة. اليسار كان له قاعدة موضوعية. هذه القاعدة غير موجودة الآن أو آخذة إلى التفكك. أمام هذه الأوضاع على اليسار وخاصة اليسار المنظم أي الذي تبقى من الأحزاب الشيوعية والمنظمات الصغيرة أن يدرك تماما أن التاريخ لا يعيد نفسه. إن الحديث عن قيادة الطبقة العاملة للحركات الاجتماعية يحتاج إلى إعادة نظر. في المرحلة السابقة كانت أشكال التنظيم وأشكال العمل السياسي من أحزاب اشتراكية ونقابات، ومنظمات مثل البعث والجبهة الوطنية في الجزائر، وغيرها، ملائمة لوجود هذه القاعدة الموضوعية وقادرة على تعبئة هذا الجزء المثبت. نفس الشيء ينطبق على أشكال العمل السياسي مثل الإضراب، والمظاهرة، وفي بعض الأحيان الانتخاب، والانتفاضة، وحرب التحرير. إذن أزمة اليسار هي كيفية إبداع أشكال تنظيم وأشكال عمل سياسي تتلاءم مع التغيير الجوهري الذي حدث في الهيكل الاجتماعي. وهو ما سيولد من العلاقة الجدلية بين التنظير والعمل، بين التجارب الشعبية والتنظير حول هذه التجارب. وهناك شرط أساسي، هو الديموقراطية. نحن الآن في حاجة إلى كسب الطبقات الشعبية. كيف ذلك بدون ديموقراطية، يعني بدون تفاعل حقيقي وعميق بين الطلائع والجماهير.
ولعل حديث سمير هنا صوب الأصبع نحو فريضة غائبة وهو عمل تلك الطلائع وسط الجماهير وابتداع أفكار ووسائل وأشكال جديدة في التنظيم، إن توفر الإرادة يعزز بلا شك من إمكانية الفعل ومن إمكانية السير نحو تحقيق الشعارات المرفوعة إذا تحررت الأقدام من أغلال التبعية المختلفة الأشكال، وإذا لعبت منظمات المجتمع المدني ـ التي قوامها من اليساريين ـ دورها الحقيقي بدلا من كونها فقط متلقية للدعم الرأسمالي وإذا استطاعت القوى التي عليها "الرك" في شق طريق جديد، وربما يتوفر هذا الجهد في وجود تيار يسلك طريق العمل المعارض الجماهيري القاعدي حيث يمكنهم قيادة الحركة الجماهيرية
إن المستقبل مفتوح أمام قوى اليسار وعودة القوى اليسارية في أكثر من بقعة في العالم من اليونان الأوروبية الذي كان إيذانا بعودة اليسار ليمارس دوره في الحياة السياسية والثقافية في أوروبا نفسها، دعك من التحولات في دول أمريكا اللاتينية، إن كل تلك المتغيرات تقف شاهدا على أن الأفق ما زال مفتوحا ويفضح أكذوبة القطب الواحد وانتصاره، ولا أدل على ذلك من تزايد القوى المناهضة للعولمة من اليسار وأقصى اليسار وقوى من الوسط. ما يدل على أن "الأغاني لا زالت ممكنة" فلنصدح بالنشيد..!!

التيار


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 962

التعليقات
#1238548 [كمال ابو القاسم محمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-01-2015 01:53 AM
نسأله أن يجيبنا ...اليسار السودانى الى أين....؟؟؟!!
نجح الكاتب في شيء واحد هو أقناعنا بأنه حسم المسألة...(نعم انتهى اليسار السودانى)...وهو يعنى بالضبط (الحزب الشيوعي السودانى)....(حظك...وبعدين)....الشيوعيين السودانيين أنفسهم فيما يبدو غير مهمومين ب(استخلاصات ) الآخرين لأن خريطة المجتمع السودانى وصراعاته الطبقية الفاعلة هي من تضع النقطة والفاصلة والشولة وعلامات التعجب...هي من تحدد ملامح القوي الاجتماعية و(مديات) ...أنحدارها.. تراخيها...اضمحلالها...تلاشيها...بروزها ...صعودها ومن ثم بزوغ نجمها...لا الرغبات الشخصية لمرضى النفوس...أومنتحلين برسم التاريخ


#1238546 [كمال ابو القاسم محمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-01-2015 01:43 AM
وأخيرأ ماذا أراد الكاتب أن يقول عبر 11 ألف كلمة....مازلت (أحك ) رأسي!!!
ومازلت أقرأ بالذات كتابات ومقالات سمير امين...( منذ منتصف عقد السبعينات وما بعده) ومقولاته وافكاره الباكرة والتى تناول فيها ببصيرة ماركسية نافذة آفاق التغيرات السالبة والأيجابية وشروطها في الدولة العالمثالثية في ظل الهيمنة الاحتكارية الباطشة (غير الرحيمة...كما سماها)لراس المال وأدواته العابرة للحدود والتى (كما نرى ونشم ونتذوق) اكتسحت ...كل شيء...كل شيء حتى القيم والاعراف...بل ووظفت الأديان(ذات النداء الاخلاقي) في توسيع مشروعها غير الاخلاقي...غير مراكمة راس المال كيفما اتفق...و(التنعم ) برفاهية العيش في الكوكب رغم آهات وآلام ...مليارات البشر المنسحقين...شركاءهم في الكوكب...وشركاؤهم في انتاج الثروة...نعم مازلت أقرأ كتاباته...سمير أمين.. وكتابات ماركسيين غيره...وما تزال تشدنى تلك الخلاصات المتينة والمتماسكةالكاتب انطلق من (مركب) غير سوي لنقد مناهج اليسار..(لم ينجح)...ولم يستبن لنا حتى لحظة الختام...مرة أخرى ...ماذا يود أن يقول...نشكرة على مراكمة العبارة وأعادة تدويرها (CYCLING & RE-CYCLING) وهو لعمري فتح جديد في عالم الكتابة أفلحت( التيار) في (كبه) في تيار (الراي العام) بعد ربع قرن من الزمان وسنة زيادة...!!!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة