الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الإستلاب الثقافي
الإستلاب الثقافي
الإستلاب الثقافي


04-10-2015 11:43 PM
سامي البدري

إذا كان لعصر التنوير سبق تشخيص بعض علل تخلف المجتمعات العربية، فإن أجيال منتصف القرن العشرين وما تلاها تتحمل عبء مسؤولية التعامل مع تلك العلل، ومحاولة إيجاد الحلول لها.
لا أحد يشك اليوم منا بصدقية مقولة بنجمن دزرائيلي «الشرق صنعة»، رغم أن الغرب ـ سياسيا أولا وثقافيا ثانيا ـ مسؤول عن صناعة تلك (الصنعة)، ورغم أن بساطة أو انعدام إرثنا الثقافي، المجلو والمنظم، هو المسؤول الأول عن توفير الجو المثالي للتهيئة لها؛ وهو الأمر الذي دفع المفكر الفلسطيني، إدوارد سعيد للقول «بمعنى ما، الشرق حدث وانقضى أجله»، وهذه الحقيقة وإرثها التأريخي والثقافي، هما اللذان يصعبان الأمر على أجيال مثقفي ما بعد منتصف القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، وتجعلهم يسبحون ضد تيار… بل موجة تسونامي، خاصة في جانب ما يحكمنا من إرث ماضوي في الثقافة العربية. ورغم أن أرث صناعة «صنعة الشرق» مسؤول عن ترويجه الاستشراق (بصفته المؤسسية لا بنثار جهد المستشرقين المعتدلين) وبالجانب أو الوجه السياسي لهذه المؤسسة، إلا أن فقرنا الثقافي هو المسؤول الأول عنها بلا منازع، خاصة في الجانب الإجرائي الذي تقوده مؤسساتنا السياسية، وصنعائها من مؤسسات ثقافية ممثلة لتوجهها الايديولوجي.
وهذا طبعا لا يعني أننا حققنا شيئا مهما على صعيد التنظير، إلا أن التركة اللاثقافية التي نعيشها ونعاني منها هي فعلا حمل كبير يعجز عن مواجهته مثقفون عزل لا يتبناهم جهد مؤسساتي محايد، وتضاددهم المؤسسة السياسية في كل صغيرة وكبيرة، خاصة في أهم شروط اشتغالهم: الحرية.
ولسنا هنا بصدد الدفاع عن المثقفين، بل بصدد نثر الأوراق على الطاولة والتشخيص، وعليه تكون انتكاسة الجهد الثقافي العربي، بسقوط بغداد على يد هولاكو، والتمزق الذي تبع ذلك السقوط لوحدة الدولة العربية، وما لحقه من تشرذم واستعمارات متتالية، يكون هو أحد أهم أوجه المسؤولية، لاسيما أن المشروع الثقافي الذي بدأت نواته في العهد الأموي وبلغ مرحلة شبابه في العصر العباسي، لم يؤسس على قواعد مدروسة أو كمشروع تعي دوره وأهميته مؤسسة الدولة، إنما كان جهدا شخصيا للعقول المتفتحة التي دخلت الإسلام ـ من غير العرب ـ وتعايشت داخل بنيته الاجتماعية الجديدة، ولكن بإرثها الثقافي الذي نشأت عليه وجلبته معها، وفي ما بعد، ثاقفت به المجتمع العربي.
مشكلتنا اليوم في هذا الجانب تتمثل في عداء وإهمال المؤسسات الرسمية العربية (سياسية وثقافية سلطوية) للجهد والفعل الثقافيين، وهذا الإهمال امتد، بتوالي القسر والتصالح والتقية، ليشمل أهم مؤسستين توقدان الفعل الثقافي وتتبنياه: الجامعة والتعليم الأكاديمي ودور النشر.
فالجامعات العربية، ولأسباب سلطوية (تتعلق بأيديولوجية الحاكم العربي وتوجهاته) ولأسباب مصلحية شخصية (تتعلق بحرص الأستاذ على منصبه ومصدر عيشه) تخلت عن دورها الريادي في تخليّق وإنتاج الفعل الثقافي والتعليمي المتقن ـ وعيا وثقافة ـ للتعامل به والتفاعل معه والمساهمة في تكريسه، ودور النشر في تخليها عن دورها الخلاق في الإنتاج وخضوعها لقوانين الربح والخسارة التجاريين أولا، وللرقابة السلطوية على مطبوعاتها ثانيا، وممالأتها لرغبات وتوجهات السلطات، اتقاء للنبذ والكساد ثالثا.
فالأستاذ الجامعي، وخلال ربع القرن الأخير، على وجه التخصيص، تخلى عن أمانته الأدبية (بمعناها الأخلاقي) والعلمية والمعرفية ودوره في صناعة الفعل الثقافي، للأسباب التي ذكرنا، ولم يعد يشغله غير تأدية عمله بما يرضي رؤساءه وتوجهات الوزارة التي يتبع لها ويستلم منها مرتبه الشهري، ودور النشر العربية (المستقلة شكليا) لم يعد يعنيها من الإنتاج الثقافي غير ما تتقبل عرضه معارض الكتب الرسمية (التابعة للسلطة طبعا، تحت مسمى وزارات الثقافة) وما يمكن توزيعه من الكتب، من دون اصطدام مع رقابة الدول العربية على المنشورات، وأخيرا مراعاة ما يناسب سوق التوزيع والترويج الجديدة لها وللكتاب: الجوائز الأدبية بمكافآتها السخية؛ وطبعا من نافلة القول أن نذكر هنا أن مؤسسات النشر التابعة لوزارات الثقافة العربية، هي في الحقيقة ليست أكثر من مؤسسات رقابية على المطبوعات ولا هم لها غير احتواء والسيطرة على الإنتاج الثقافي وتدجينه بما يناسب رؤاها الأيديولوجية والمذهبية، وهي تمارس دور تسطيح ثقافي قاتل، سواء كان بوعي أم من دونه.
وهذا يعني، أن المثقف خارج حدود المؤسسة الرسمية، وطبعا بأجياله المتعاقبة، هو من يتحمل عملية التصدي لإنتاج الفعل الثقافي ويسعى لتطبيقه، من دون أي مساندة أو تنظيم ورعاية مؤسساتية محايدة، وتعمل على تفعيل جهده وترفده بالمراكز البحثية المتخصصة وتكرسها لخدمة جهده ولفعل تكريسه في الواقع المعيش.
وأيضا فإن هذا المثقف هو الوحيد الذي يواجه مشكلة النشر مع دور النشر، ويعاني الأمرين في طباعة نتاجه وتوزيعه، ببساطة لأنه لا ينسجم مع رؤية السلطات المؤسساتية في توجهاتها، وأيضا لأنه ينطوي على فعل المضاددة والتثوير والتحريض على التمرد، برؤية المؤسسة الرسمية طبعا.
وبالتأكيد فإن هذا كان الجو المثالي، الذي تنبهت إليه السلطات الاستعمارية، وحقق لها أغراضها في الغزو والاستعمار، وأيضا هو الذي فتح للمستشرقين (المؤسساتيين) الباب لتغذية فكرة استثمار جثة الشرق الذي كان وانقضى أجله، والعمل على تكريس فكرة ألا مجال لقيام هذه الجثة من رقدتها، واقتراحها على المراكز البحثية الأكاديمية والرسمية (التابعة لسلطات الدول الاستعمارية العسكرية والأمنية) من أجل إغنائها بالمزيد من الدراسة والبحث، ومن أجل استثمارها الاستثمار الأمثل، في ضوء فكرة أن الشرق صنعة وإعادة إنتاجه أو تصنيعه وفق أطرها المصلحية، من وجهة رؤيتهم لهذه الفكرة لا وجهتنا، كأصحاب لهذه الجثة.
الأمر الذي يثير دهشة وتساؤل المثقف العربي هو إصرار المؤسسة السلطوية العربية على إبقاء الوضع على ما هو عليه، رغم صراخه هو بخطورة الوضع وادعاء السلطات، في مناسباتها الرسمية، الوعي بالقضية وحجم خطورتها؛ وهي لا تتمثلها الا بمزيد من الكبح والاضطهاد للمثقف ولطروحاته في هذا الصدد، وكأنها ـ السلطة ـ أداة تكريس مأجورة لإبقاء الوضع على ما هو عليه.. ليبقى الشرق صنعة ما يلقي الآخرون في روع السلطة العربية؛ ولتبقى الثقافة العربية شرقا كان وقضى أجله.

٭ أديب عراقي

سامي البدري
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 678


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة