الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
بعد اثني عشر قرنا هل كان المعتزلة معتزلة حقا
بعد اثني عشر قرنا هل كان المعتزلة معتزلة حقا
بعد اثني عشر قرنا هل كان المعتزلة معتزلة حقا


04-25-2015 05:52 AM
العرب

لندن - تأتي دراسة فكر وفلسفة مذهب الاعتزال، كجزء لا يتجزأ من كيان الفكر الإسلامي، انطلاقا مما حققه هذا المذهب في الفكر الديني والاجتماعي بشكل عام. فبعد أن كان الاتجاه السّائد في التفكير يشجع على تقديم النص وإهمال العقل، إلى حدّ ما، فإن المعتزلة جعلوا لهذا العقل الأولوية في الفكر. ربما تكون هذه هي البداية، وهذا هو الأساس الذي بنى المعتزلة عليه فكرهم الكلامي ثم الفلسفي، خلافا لمستوى عصرهم، وما ساد من الأفكار آنذاك.

في إطلالتنا على المعتزلة وفكرهم اخترنا ان نتناول بعض ما جاء في مقدمة كتاب “معتزلة البصرة وبغداد” لرشيد الخيون.

مفكرو المعتزلة فقهاء ورجال كلام فلسفة في آن واحد. وانطلاقا من سلطة العقل ومسؤولية الإنسان عن أعماله، أكد المعتزلة على تحقيق العدل الاجتماعي، لذا نراهم مناهضين للظلم والتعسف الاجتماعي. تجسّد ذلك في مواقفهم المعروفة ضد سلطات زمانهم، قبل أن يكون أداة بيدها، في عهد الخليفة عبدالله المأمون (ت. 218 هـ)، واشتركوا بشكل فعلي في التحريض الاجتماعي ضدها، حتى إن بعض فقهائهم اعتبر مجالسة السلطان الجائر فسقا، مثلما سيأتي ذكر ذلك، وارتبطت تنظيماتهم السرية بالفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة.

لقد ربط المعتزلة بشكل فعلي بين حرية الإنسان والعدل الاجتماعي، ذلك لأنه من التناقض أن تكون مواجهة الظلم والاستبداد مصحوبة بتقييد حرية الإنسان بالقدر وسيطرته عليه، وما يتبع ذلك من استغلال لهذا الأمر في فرض السّلطة على الإنسان ومصادرة حقه في الاحتجاج.

نظريات المعتزلة

لا يفوتنا القول إن آراء المعتزلة بخصوص العدل وجدت أصداءها بشكل ملحوظ في الفلسفة الأوروبية، كما جاء ذلك في كتاب «العدل الإلهي» لليبنتز، حيث يحدد هذا الفليسوف «أن القول بالجبر يتعارض مع فكرة الثواب والعقاب ومع وجود المعايير الأخلاقية التي تفرّق بين الخير والشر». أما على المستوى الفلسفي في مسألة الوجود فإن أهمية البحث في نظريات المعتزلة، تأتي لكونهم ركزوا على البحث الشامل في الوجود من الناحيتين الأنطولوجية والمعرفية.

إن الأساس في نظرياتهم هـذه، يأتي انعكاسا للمسـألة المركزية في فلسفتهـم وهي العلاقة بين الله والعالم أي بين الله والطبيعة، لذا نرى أن فكرهم في الوجود يدور أساسا حول هذه المسألة، ويقودهم هذا أحيانا إلى التّداخل الواضح بين الله والعالم، وخصوصا في مسألة العدم، الذي يأتي كواسطة بين الله الخالق والموجودات المخلوقة. هذا ما يؤكد وجود الأفكار “البنتائية” في فلسفتهم.

إن أهمية هذا البحث بخصوص الوجود تأتي مباشرة من إمكانية معرفة ما يريد أن يعبر عنه المعتزلة من خلال تفسير إشاراتهم غير المباشرة أحيانا لقضايا مهمة جدا، منعهم من التصريح بها الفكر السائد آنذاك، وكذلك خشية السلطة السياسية. إن إبراز مسألة الوجود في دراسة خاصة ليؤكد قبل كل شيء إنتاج المعتزلة الفلسفي، ومن بعد يشير إلى هذه الجماعة في تجاوز الفكر السائد، الذي سعى إلى الانغلاق على الأمور الفقهية واللغوية فقط. ويتضح هذا من خلال نظرياتهم التي تبحث في أسباب الوجود انطلاقا من الوجود نفسه.

إن البحث في فلسفة المعتزلة مباشرة يقدم نظريات غامضة قد تفتقر إلى الأسس والدوافع التي عن طريقها شق المعتزلة طريقهم إلى فلسفة الوجود. مع مقالات الاعتزال في الوجود كان منطلقها نظريات المذهب في التوحيد، وكان حافزهم الاجتماعي إلى إلغاء القدر المفروض على الإنسان هو العدل. كان تاريخ المعتزلة حاضرا في أدق أفكارهم الفلسفية، لهذا لا يمكن تجاوزه عند دراسة هذه الأفكار.

ربما تأتي أشعرية أغلب المؤلفين في تاريخ الملل والنحل أنهم من الأشاعرة. ولا ندري، إذا ما كان فسح المجال أمامهم في التعبير عن آرائهم من قبل السلطات دورا في هذا الاستحواذ. تعطي هـذه المصادر، التي اصطلحنا عليها بالكلاسيكية الأساس الذي يستند عليه الباحث في دراسته، حيث اعتمد المؤلفون بشكل مباشر على كتب المعتزلة الأساسية، ككتب محمد بن الهذيل العلاف، وكتب إبراهيم بن سيار النظام وسواهما.

العلاقة بين المادة والوعي أيهما الأصل وأيهما الفرع


إن البحث في مسألة الوجود عند المعتزلة، يعد من الدّراسات ذات الأولوية في الفكر المعتزلي بل وفي علم الكلام عامة، بما تنطوي عليه من أهمية في الكشف عن استقلالية هذه الفلسفة بتأكيد المسائل التي جاءت كإبداع لهم في هذا المجال، من دون إلغاء إنكار بالفلسفات الأخرى، وهي مما لا يخلو منه فكر إنساني. كذلك كشف الصراع الفكري داخل المذهب المعتزلي، وكان السعي إلى كشف الأفكار الأساسية التي حظيت باهتمام كل مفكر من مفكريهم، وتشخيص النظريات التي تميز فيها هذا المفكر عن غيره من المفكرين.

امتاز الفكر المعتزلي بازدواجية العناصر المادية والعناصر المثالية، فجاءت أهمية التركيز على كشف هذه الازدواجية دون استخدام المعيار المعروف؛ الذي طالما استخدم كثيرا في هذه المسألة، ألا وهو العلاقة بين المادة والوعي، أيهما الأصل وأيهما الفرع، أو أيهما أسبق من الآخر، على أن تكون الفلسفة إما مادية صرفة وإما مثالية صرفة، لأن استخدام مثل هذا المعيار يجعلنا في قطيعة مع العصر الذي تبلورت فيه تلك الأفكار الفلسفية. فعلى الرغم من أن المسألة الأساسية أو المركزية في فكر وفلسفة المعتزلة هي تحديد العلاقة بين الله والوجود، وهذا ما يعبر عنه المعيار اللينيني في الفلسفة. لقد سعى المعتزلة إلى وحدة الوجود المادية، من خلال قولهم: إن الجواهر من مصدر واحد، وكذلك من قولهم بالتّداخل بين أشياء الوجود بعضها ببعض، ارتباطا بهذه الوحدة تأتي مسألة الحركة التي لا تنفصل عن الأجسام المادية بمكان، مثلما ذهب إلى ذلك إبراهيم النظام.

خطأ التسمية

يأتي اسم المعتزلة من تحصيل حاصل إشارة من الخصوم، مثله مثل اسم الخوارج، وعلى الرغــم من الخطأ التاريخي في الاسم والمصطلح، وإمكانية التصرف بمدلول كلمة الاعتزال من قبل المناوئين لهذا المذهب، كاعتزال الدين أو الحق، أو يفهم بأنه الاستقالة والانزواء، ففي هذه اللحظة لا يمكننا تجاوز المتعارف عليه، لأن الأمر مرتبط بعملية شاملة لإعادة كتابة التاريخ الذي يهم بالدّعوة لها بين الحين والآخر عدد من الباحثين والمؤرخين، لكن من دون جدوى، فالتّاريخ كُتب ورسخ في الذاكرة، ولا أراها ناجحة في هذا الأمر بالذات. عندما يختص الأمر في المعتزلة، فالتاريخ يحفـظ لهذا المذهب تسميات أُخر ذات صلة بدعوتهم ومقالاتهم كالموحدة والعدلية وغيرها، كمجال لوضع التسمية التي تعبرعن المشترك بين فروع المذهب المختلفة.

فهم لم يعتزلوا الناس والسياسة بل اشتركوا في الثورات، وكذلك لم يعتزلوا الفكر والدين، لكنهم اعتزلوا فكرة ممثلة بالحسن البصري. ظلت تسمية المعتزلة تلاحقهم مثلما أنهم رفضوا القدر، ومع ذلك سموا بالقدرية. ويعلل المستشرق الإيطالي كرلو نللينو (ت. 1939) هذه التسمية “لفقر المعجم العقيدي عند المسلمين في تلك الآونة المبكرة” (المحاسبي، العقل وفهم القرآن).

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل بالإمكان أن يعرف هذا المذهب بغير هذا الاسم، الذي تمتدّ جذوره إلى عمق اثني عشر قرنا ويزيد، أم يبقى الأمر خطأ شائعا خيرا من صحيح ضائع؟ وحسما للأمر نرى المعتزلة قد رضوا بهذا الاسم وأقروه بعد تأويله (البلخي، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة). ويحسم محمد بن يزداد الأصبهاني في كتاب “المصابيح” -الذي لم نعثر عليه- الأمر في قبول التَّسمية قائلا “إن كلّ أرباب المذاهب نفوا عن أنفسهم الألقاب إلا المعتزلة، فإنهم تبجحوا به، وجعلوا ذلك علما لمن يتمسك بالعدل والتوحيد، واحتُجّ في ذلك إنه تعالى ما ذكره إلا في الاعتزال الشّر… وذكر أن المعتزلة هم المقتصدة، فاعتزلت الإفراط والتقصير، وسلكت طريق الأدلة” (القاضي عبدالجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة).


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1878


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
3.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة