الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الأخوان كوين ثنائي سينمائي ينظر إلى العالم بسخرية
الأخوان كوين ثنائي سينمائي ينظر إلى العالم بسخرية


05-17-2015 03:14 AM
الاخوين السينمائيين يعبران من خلال أفلامهما عن رؤية فلسفية تأملية للعالم بقدر ما هي هجائية غاضبة حيث تنتقد وتوجع بقدر ما ترثي وتتألم.

العرب أمير العمري


يمثل الأخوان جويل وإيثان كوين، ثنائيا سينمائيا فريدا في السينما الأميركية، وإن لم يكن غير مألوف في السينما الأوروبية. فهما يعملان معا، إيتان، وهو الأصغر (من مواليد 1957) يكتب الأفلام وينتجها، وجويل (مواليد 1954) يشترك في كتابتها وإخراجها مع إيتان. وقد نجحا في تطوير وترسيخ عالم سينمائي مميّز يتضح في أفلامهما التي بلغت الآن 17 فيلما روائيا طويلا وفيلمين قصيرين.

في أوروبا هناك ثنائيان شبيهان بثنائي الأخوين كوين، من كبار فناني الأفلام أيضا، هما أولا الثنائي الإيطالي الكبير: باولو وفيتوريو تافياني، ثم الثنائي البلجيكي الشهير الأخوان داردين. ولكننا لا نعرف في العالم العربي مثل هذا الثنائي في الوقت الحالي، وإن عرفت السينما المصرية في بداياتها ثنائيا مشابها، وهما الأخوان بدر وإبراهيم لاما، اللذان أخرجا الفيلم الصامت الشهير “قبلة في الصحراء” (1928).

مهرجان كان السينمائي قرر هذا العام إسناد رئاسة لجنة التحكيم الدولية التي تمنح جوائز المهرجان، وعلى رأسها “السعفة الذهبية” الشهيرة، إلى الأخوين كوين اللذين سبق لهما الحصول على السعفة الذهبية عن فيلمهما الشهير “بارتون فينك” عام 1991، وعلى جائزتي الإخراج والتمثيل، كما حصلا في 2013 على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم عن فيلمهما الأحدث “داخل ليولين ديفيز”.

اختلاف الأنواع

أخرج الأخوان كوين أفلاما تنتمي إلى أنواع مختلفة حسب نظام تصنيف الأفلام الأميركي، فقد أخرجا فيلم الجريمة أو العصابات، وفيلم “الويسترن”، والفيلم الكوميدي، وفيلم الطريق، والفيلم الموسيقي، والفيلم السوريالي، والفيلم- نوار، ولكن القاسم المشترك بين غالبية هذه الأفلام، وجود شخصيات إجرامية ورجال عصابات وجرائم قتل متعددة، وجميع شخصيات أفلامهما هي شخصيات مأزومة، تبحث عن منفذ للخلاص، لكنها تفتقر في داخلها للاستقامة، وتدور حبكات الأفلام عادة حول الخيانة والإخلاص -كما في “دم بسيط”- وغياب الأخلاق ولو حتى بين المجرمين أي اللجوء إلى الغش في اللعب -كما في فيلم “اختراق ميللر”-، والحب المسروق بين امرأة ورجل، على حساب رجل آخر -كما في “دم بسيط” و”اختراق ميللر”-، والبحث عن تحقيق الذات من خلال الفن لكن المشتغل بالفن لا يمتلك الموهبة التي توازي طموحه إلى الشهرة والنجاح، أو أنّ انشغاله بما في سلوكيات الآخرين حوله من غرائب، يحجب عنه رؤية ما يكمن في داخله من نقاط ضعف ونقص “بارتون فينك” و”داخل ليولين ديفيز”.

نظرة قاسية

نظرة الأخوين كوين إلى العالم هي نظرة قاسية، غاضبة، ناقدة، ساخرة، تحيل إلى الرمز حينا، وإلى التاريخ حينا آخر، وهما شديدا الاهتمام بتصوير كل دقائق الفترة الزمنية التي تدور خلالها أحداث أفلامهما، ومع ذلك فهذه الدقة ليست مقصودة لإضفاء ملامح “واقعية” على الفيلم والشخصيات، بل لاستدراج المشاهد للتورّط مع أبطال الفيلم في تفاصيل الحبكة، التي سرعان ما تغادر الواقع الذي نعرف ملامحه الخارجية والذي يمكننا تصديقه، إلى واقع لا مثيل له، واقع مفترض، أو بالأحرى واقع سينمائي، تختلط فيه الحقيقة بالخيال، الذي تكون فيه المشاهد قريبة في بنائها من أفلام “الكارتون”، إذ تمتلئ بالعنف وسفك الدماء في كثافة ليس من الممكن تصوّرها، وتارة تقترب الشخصيات من الكاريكاتيرية الهزلية، أي تصبح كائنات مضحكة حتى وهي تمارس القتل وتغالي في الشر والجشع والعنف، وتارة أخرى تكتسي ملامح رمزية تلقي بظلالها بقوّة على الموضوع.

وليس من الممكن التعامل مع شخصيات أفلام الأخوين كوين على أنها شخصيات حقيقية من لحم ودم، بل هي صورة متخيلة للشخصيات كما يراها الأخوان كوين، ويريدون لنا أن نرى العالم من خلالها، فهما يعبران من خلالها عن رؤية للعالم، للمحيط، وهذه الرؤية فلسفية تأملية بقدر ما هي هجائية غاضبة، حيث تنتقد وتوجع بقدر ما ترثي وتتألم.

وكما تتنوع الثيمات والشخصيات، تختلف أيضا الحبكات وتتباين الأساليب، وتختلف الأماكن التي تدور فيها الأحداث من فيلم إلى آخر، حتى أن بعض النقاد يعتبرون أفلام الأخوين كوين أفلاما “إقليمية” أو “جهوية”، أي تنتمي أساسا إلى البيئة المحلية التي تدور فيها أحداثها، تعيش فيها الشخصيات، تتحدث بلهجتها، تتحرك وتتصارع وتمضي في طريقها حتى النهاية، من تكساس إلى كاليفورنيا، ومن لوس أنجليس إلى واشنطن فنيويورك ثمّ داكوتا الشمالية في مينسوتا إلى نيومكسيكو، وهكذا إلخ… ولكن المكان المحلي الصغير الذي يكون في الغالب، بلدة صغيرة معزولة، وعلى الهامش، يختصر صورة أميركا، أو بالأحرى العالم كله كما يراه الأخوان كوين.


خارج الواقعية

يمكن اعتبار فيلمهما الأول “دم بسيط” (1984) تدريبا سينمائيا رائعا في السيطرة على الحبكة، وعلى تقنية فيلم الإثارة والتشويق والجريمة، واستخدام هذا النوع ليس من أجل الإثارة، بل لإيصال فكرة عقلانية بسيطة، تدور حول “التورّط”، عن ذلك الضعف البشري الذي يقود صاحبه إلى الانغماس تدريجيا في لعبة أكبر منه، وكلما تصوّر أنه يمكنه السيطرة عليها وتوظيفها لحسابه، سرعان ما يصبح أكثر تورّطا بحيث يصعب عليه الخروج أو التراجع، بل يستمرّ حتى يصل إلى نهايته الحتمية. جميع الشخصيات في هذا الفيلم سيئة لا تثق في بعضها البعض، عاجزة عن التواصل في ما بينها بشكل طبيعي: الزوجة تخون زوجها مع أحد العاملين في المطعم الذي يمتلكه، والزوج يستأجر مُخبرا خاصا للتلصص على زوجته وعشيقها، والمخبر الخاص يبدأ في التلاعب بالرجل الذي استأجره، وتؤدّي سوء التفاهمات وانعدام الثقة بين الجميع إلى أن يلقى الزوج مصرعه بطريقة بشعة، فالمخبر، ثم العشيق، وتبقى الزوجة محطمة بعد أن تكون قد فقدت كل شيء.

تدور أحداث فيلم “اختراق ميللر” (1990) في أواخر العشرينات ببلدة لا اسم لها، زمن الأزمة الاقتصادية في العشرينات (سيعود الأخوان كوين إلى الفترة نفسها في فيلم “أوه أخي.. أين أنت” سنة 2000). “توم” بطل الفيلم (المهزوم باستمرار) يعمل لحساب زعيم المافيا الأيرلندية “ليو” الذي يحب “فيرنا” التي تصغره كثيرا في العمر، لكنها على علاقة بـ”توم” في الوقت نفسه، وليو يريد أن يتزوجها ويرفض بإصرار طلب زعيم المافيا الإيطالية كاسبار ضرورة التخلص من “بيرني” شقيق فيرنا، الذي يقول كاسبار إنه “خالف التقاليد والأخلاق والمبادئ”. وعندما يكتشف ليو علاقة توم بفيرنا، يغضب عليه ويطرده فيلجأ توم إلى كاسبار للعمل لحسابه، لكنه يبدأ في تأليب كل الأطراف ضدّ بعضها البعض مما يؤدّي إلى طوفان من العنف وسفك الدماء، ثم يجد نفسه وحيدا في النهاية.

الأخوان كوين يرويان تلك القصة بأسلوبهما الساخر المحلق خارج الواقع الحرفي للمكان والشخصيات، لا يلتزمان بتقاليد الفيلم- نوار رغم أن الفيلم يبدو متأثرا به في رسم الشخصيات، ولا بتقاليد أفلام الجريمة المعروفة سوى في خطوطه العامة، فبطله يُضرب ويهان ويُعامل أسوأ معاملة، صحيح أنه يتمكن من القضاء على جميع خصومه، ويظل مخلصا لزعيمه الأصلي، ولكنه يدرك جيدا أنه لم يعد بإمكانه البقاء معه بعد أن تخلت عنه المرأة التي أحبها.

إن الأخوين كوين يعيدان هنا خلق العالم بطريقتهما الخاصة على غرار ما هو مستقرّ في مخزون ذاكرتهما من ثقافة الفيلم الأميركي، ولكن بعد أن يقوما بالتلاعب بالتقاليد، وتطويع الحبكة لرؤيتهما الخاصة التي تميل نحو السخرية، والهجاء اللاذع المستمر.

ومعظم شخصيات أفلام كوين شخصيات ذكورية، ولكن المرأة الموجودة في “دم بسيط” أو “اختراق ميللر” أو “بديل هدساكر”، هي شخصية قوية مسيطرة، تساهم في تعقيد الأحداث، ويتصارع عليها الرجال، فتتلاعب هي بهم. لكن كل شخصيات فيلم “احرق بعد القراءة” من النساء والرجال، شخصيات تعيسة، تسعى بلا جدوى إلى تغيير حياتها، فتتعقد أكثر وتؤدّي كالعادة إلى الجريمة.


صورة سوريالية

يبدو فيلم “بارتون فينك” (1991) للوهلة الأولى، وكأنه فيلم واقعي يدور في عالم صناعة السينما في هوليوود (أوائل الأربعينات). لكنه يصبح تدريجيا، تعبيرا سورياليا مدهشا، لعالم قاس، مزيف، سطحي، تتوه فيه الحقيقة فلا نعرف الخير من الشر، هل جريمة القتل التي تقع حقيقة، أم خيال، وهل جثة المرأة حقيقية وأين آثار الدماء، وما هذه النيران التي تشتعل فجأة في ردهات الفندق الغريب الذي يبدو وكـأنه سجن، لا نرى فيه من النزلاء سوى شارلي الذي يقطن في الغرفة المجاورة لبطلنا “بارتون” الذي حل بالمدينة بحثا عن فرصة للعمل ككاتب سيناريو في هوليوود، ولكنه يكتشف كم هو زائف هذا العالم الذي يريد أن يلتحق به ويصبح جزءا منه، ويبدأ في اكتشاف ذاته، دون أن يصل قط إلى درجة من اليقين تكفل له تحقيق ذلك التوازن النفسي الذي يبحث عنه.

وفي فيلم “الرجل الذي لم يكن هناك” (2001) ينسج الأخوان كوين على غرار “الفيلم- نوار” أي فيلم الجريمة الغامض، المليء بالمشاهد الداكنة ذات الإضاءة الليلية الشاحبة، لكن الفيلم ينتمي أيضا مثل “بارتون فينك” إلى أدب العبث الوجودي. بطله حلاق متزوج من امرأة تعمل لدى رجل أعمال ثري، وهو يعمل في دكان الحلاقة الذي يمتلكه شقيقها، يغويه ذات يوم زبون ويقول له إنه يبحث عمن يشاركه في افتتاح دكان لغسيل الملابس بالتقنية الجافة الحديثة وقتها، فالفيلم يدور في أواخر الأربعينات، أي في الماضي شأن غالبية أفلام الأخوين كوين. الحلاق، الذي لا يتكلم كثيرا، ويميل إلى التأمل والتفكير، ولا يكف عن التدخين، يجد نفسه مندفعا في البحث عن طريقة للحصول على مبلغ 10 آلاف دولار المطلوبة لمشاركة المستثمر المزعوم في مشروعه، دافعه التخلي عن مهنة الحلاقة التي لا تحقق له أيّ شيء لإشباع رغباته، فيلجأ إلى ابتزاز الرجل الذي تعمل عنده زوجته دوريس التي يعرف أنها تخونه معه، ومن هنا يبدأ “التورّط” في ارتكاب ذلك “الشر العادي” الذي يأتي في سياق أفلام الأخوين كوين، كما لو كان مدفوعا بقوة داخلية عميقة متأصلة في الإنسان، تجعله يتجاهل في لحظة ما يسمى بـ”الضمير” و”الخير” و”الأخلاق”، ويتجه نحو الشر وكأنه وريث آدم الذي ارتكب الخطيئة الأولى، أو قابيل الذي قتل أخاه هابيل. بالطبع هذا التورّط يقود إلى تورّط أكبر، ومن جريمة إلى أخرى، يمضى بطلنا الوجودي على نحو عبثي تماما نحو مصيره، الذي يقبل به في النهاية عن طيب خاطر.

ويدور فيلم “داخل ليولين ديفيز” (2013)، حول مطرب شاب يغني الأغاني الشعبية الأميركية لكنه رغم موهبته، يفسد حياته بسبب رعونته وركونه للكسل، إلى جانب أنه عرضة لسوء الحظ طول الوقت، يعيش متوكلا على أصدقائه، ويخوض مغامرات غير موفقة من أجل إثبات موهبته المشكوك فيها، لكنه يظل دائما “على الهامش”.

أجواء العبث تشيع في هذا الفيلم الذي يختلط فيه الجد بالهزل، والتراجيديا بالكوميديا السوداء، وهو يجسد على نحو مشابه لـ”بارتون فينك” رؤية الأخوين كوين للعالم، لأميركا، للبشر الذين قد نراهم جميعا شديدي الغرابة والتطرف في سلوكياتهم ومواقفهم في حين يقدّمهم لنا الأخوان كوين كعادتهما، بمنتهى الجدية، وكأن العالم كله قد تحوّل إلى مصحّة عقلية، يلعب فيه البشر أدوارا محكومة سلفا.

وهكذا يمضي الأخوان كوين كما يريدان في مسيرتهما السينمائية الممتعة من فيلم إلى آخر.






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6383


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة