الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
رواية "عالية ممدوح" "غرام براغماتي".. معجزة الحب ومصيدته
رواية "عالية ممدوح" "غرام براغماتي".. معجزة الحب ومصيدته



05-18-2015 04:08 AM
عناية جابر

تنهج الروائية العراقية عالية ممدوح في أغلب رواياتها، في اكتشاف الحياة الداخلية للإنسان بشكل عام، وللمرأة بشكل خاص، وللمرأة العاشقة بشكل أكثر تحديداً وخصوصية. الغرام، مادة جديدها الروائي: (غرام براغماتي) عن (دار الساقي) والغرام يفلت منّا تماماً في الراهن، وكل حزن الحياة يكمن في هذه الحقيقة المؤسفة. ممدوح تنجح في استمهال هذا الغرام الآفل، تتريّثهُ وتتوسّلهُ وتُمسك به وإن لبعض الوقت، وتجعلنا نراه ونحسّهُ ونشمّهُ، ومن ثمّ بيدها هي نفسها تصنع مفارقة إفلاته، منصرفة عنه الى تتبّع صدع مخبّأ في حائط بيتها، وفي ذاتها أصلاً، في دلالة قاسية مؤثرة.

يتفقان على التدوين، لعل هذا جلّ ما يُنجزهُ بطلا (غرام براغماتي)، نصف عراقية في فرنسا، ونصف عراقي في بريطانيا مغرمان. يكتبان يومياتهما التي تفصلهما عن بعضهما البعض. لكن الكتابة تتجاوز، رغماً عنهما، شكوى الحب والشهوة والوحدة. على اوراقهما تحضر الديار كما هي في الذاكرة : أمّاً وجدّة، "ماعون فاصوليا يابسة" وليفة استحمام جلفة. وتحضر أيضاً عُقدهما العادية. يفهم "بحر" أخيراً ذلك الملل الذي ينتابه.. ملل الصياد. وتكتشف "راوية" ثلمة في حائط شقتها، فتقرّر اقتفاء كل صدع مخبأ، في الحمّام وفي خزانة الذات.

معجزة لا نهائية

عالم المرأة الداخلي عند عالية ممدوح يحتوي على معجزة لانهائية لا تتوّقف عن إدهاشنا، وهي الحب والبذل لأجله. مع ذلك ما هي الإمكانيات الباقية لوجود ذلك الحب؟ للوقوع فيه؟ لديمومته في عالم لم يعد يحمل للدوافع الداخلية أيّ وزن. تعرف ممدوح أن الحب مصيدة، واتساع العالم يوفر إمكانية دائمة للهروب من هذه المصيدة، لكن ما يفتن عند ممدوح، انها تصنع مصيدتها بيديها، وترتمي فيها بكل استسلام الطريدة، في جمال (الموت) الهائل.

في رواية (غرام براغماتي) تقول راوية لبحر: أستدعي جمالك الجارح، وأنا أتمالك نفسي فتسّلم إليّ وجهك فأضعهُ بين كفيّ كما في لقائنا الأول عام 2005، أنظر، أرى، أكرّر، واقول هذا ليس طبيعياً، وهو أمر غير مؤكد. الجمال لا يضبط المسافة التي يقطعها ما بين الجميل ومن يبّلغ عنه. غريب، أغلب الذين أُغرمت بهم كان لديهم هذا النوع من الجمال اللجوج الذي لا تقدر ان تعود نهائياً منه، فتغادر الى حيث لا تدري، كما أفعل وفعلت طوال حياتي.

منولوغ

القارئ يرى أن التساؤل ليس عن اللاّنهائية الشاسعة للروح، بل عن الطبيعة غير المؤكدة للذات وهويتها. في الرواية، ما من مونولوغ داخلي بالمعنى المعروف، بل ما يشبه التجسس على المونولوغ الداخلي. سواء في ذلك اعترافات أو هذيانات راوية، أو تلك الخاصة ببحر، فالمونولوغان إذا صحّ الاقتراب من التعريف هنا، هما أساس بناء الرواية والعملية الإبداعية المسيطر عليها، الى ذلك التأمل الفلسفي لفكرة الحب نفسها التي تتطور بشكل لجوج بين شخصيتين مركبتين. تأملٌ يتقدم من اول سطر في الرواية مفتتحاً غراماً حاراً، يُمسك بجوهر حياتين متباعدتين، وبشفرتهما الوجودية. شفرة شخصية راوية، وشفرة شخصية بحر، مصنوعتان من كلمات معينة تعتبر مفتاحاً لها. بالنسبة لراوية كانت هذه الكلمات هي: جسد، روح، غرام، دوار، وبالنسبة لبحر تلك المسافة عن كل شيء، حتى عن نفسه.

راوية، المنشدة التي يجوب صوتها العواصم، تفقد بسبب من التقدم في العمر، عادتها الشهرية، وبحر المصّور الفوتوغرافي يصبح مجرد صوت على آلة التسجيل التي تتلقى مكالماته الضائعة، إذ تتعمّد حبيبته ألاّ ترفع سماعة الهاتف. أغناء هو الصوت المسجل لرجل يحترق؟ تسأل الكاتبة وهي طريقتها في رؤية الأمور، تصفها على لسان بطلتها راوية.

حجة

بحر وراوية يستمتعان بجعل ذلك الغرام متشظيا تماماً. رحلة راوية الى حيث يقيم بحر بعيداً عنها، مجرد حجة لقول المزيد من الغرام والمزيد من الخيبات وتأكيدها. رحلة، هي صندوق لحمل مجموعة من الإشارات والتلميحات والاعترافات والمراودات التي تبرع بها الكاتبة، ومع ذلك فهذه كلها، هذا الصندوق، ضروري لإعطاء الكتاب حسّ الرواية، أو على الأقل الخروج من صفة (النشيد) الى دليل أعمق لترابط الرواية ووحدة موضوعها أو اللحن الرئيسي لها، وهذا حقيقي تماماً.

الشياطين والملائكة التي تستحوذ على ناس الغرام، موضوعة عالية ممدوح في (غرام براغماتي)، تأخذها من زوايا مختلفة، وتعكسها على الحوادث القليلة في الرواية. الغرام، هو الشعور الباعث على التحام كل الشذرات التي كتبتها ممدوح، يتطور ويتنوع ويذوي ليخلق روايته.

فوضى الهذيان

حين أنهيت قراءة (غرام براغماتي) لم يكن لديّ سبب لأدهش من عدم ترتيب بنائها العام على أساس روائي كلاسيكي متعارف عليه. الغرام بكل هذيانه هو السيّد هنا، الغرام المتشابك الغريب الذي يضع فجأة كل شيء في تشظيه، وبمفهوم الغرام يعني في وضعه الصحيح. الغرام بحّد ذاته هنا. رواية، بل روايات تشكل توازياً غريباً لكن عادلاً مع الروايات ذات البنيان والبناء الجيدين ويفتح نافذة على حائطها.

(غرام براغماتي) تملك ذلك الترابط الخفي، وبشكل ما ذلك المخطط المسبق الذي عملت عليه الكاتبة، لمّا آثرت لموضوع روايتها، تدوينات متبادلة بين عاشقين، وألبستها شكلاً روائياً حراً، ضمنته الكثير من الأسئلة/ المتاهات على لساني بطليها، ويُغرّد كل منهما في واد. راويان اثنان: امرأة ورجل. المرأة تقف في ضوء كامل مُضاء من الداخل، يبين في رعبها ومنفاها وعمرها الذي ينفد وئيداً، والرجل في غياب الإنارة الداخلية، ويقف وراء زجاج يمكن لمسه، لكن لا يمكن اختراقه

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6046


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة