في


الأخبار
أخبار السياسة الدولية
البريكس.. تكتل ناشئ يسعى لإعادة توزيع القوة في العالم
البريكس.. تكتل ناشئ يسعى لإعادة توزيع القوة في العالم
البريكس.. تكتل ناشئ يسعى لإعادة توزيع القوة في العالم


05-25-2015 02:27 AM
يطرح صعود التكتلات الجديدة في الاقتصاد العالمي وما يترتّب عنه من هيكلة جديدة للعلاقات الدولية، ضرورة دراسة عمق التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، خاصة أن مجموعة دول البريكس التي تشكلها كلّ من الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، قد عرفت محاولات تحديث هامة تؤشر على بداية تشكّل مستقبل جديد لهيكل القوة في النظام الدولي، وهو ما جعلها تحظى باهتمام عالمي وعربي كبير.

العرب د. حسن مصدق

يطرح الصعود الذي تشهده عدةّ دول شأن الصين والبرازيل والهند وروسيا وجنوب أفريقيا، أسئلة ملحّة حول مستقبل النظام الدولي ومدى نجاحه في فرض الانتقال إلى قطبية متعددة تجمع بين دول من خارج المعسكر الغربي، كي لا يظلّ النظام الدولي مرتهنا إلى الطابع الأطلسي الذي اتخذه منذ سقوط جدار برلين.

وتفيد مصادر بأنّ قادة دول البريكس يسعون في هذا الإطار إلى زيادة جهودهم المشتركة ضدّ توسع الناتو. ويزداد نموذج دول البريكس وزنا يوما بعد يوم، مما يجعل لموقف هذه الدول تأثيرا هاما في قضايا دولية تشمل الطاقة والأمن الغذائي والهجرة الدولية غير النظامية والجرائم المنظمة العابرة للحدود والإرهاب وضبط التسلح النووي والقضايا العربية وقواعد حرية التجارة والاستثمار والبيئة والتعاون الأمني والتقسيم الدولي للعمل وعلاقة الشمال بالجنوب والعديد من القضايا الراهنة الأخرى.

وبالرجوع إلى مقدرات هذه الدول، سنجد أنّها دول صاعدة وحاضرة بقوة في جميع مجالات التبادل القائمة؛ فالصين أصبحت القوة الاقتصادية الثانية والقوة التجارية الأولى عالميا، علاوة على تطويرها قوة علمية وتكنولوجية، خاصة ما يتعلق بصناعتها في مجال الإلكترونيك والنسيج، ثم تحولها إلى قوة مالية ضاربة تمتدّ إلى المحيط الهادي، كما أصبحت لها قدرات صاروخية وباليستية وبحرية.

وكذلك تحتلّ الهند مكانة متقدمة في تكنولوجيا المعلومات وفي صناعة الأدوية، أمّا روسيا فتحتل هي الأخرى مكانة لا يُستهان بها في مجال سوق المحروقات، وهي ما تزال تملك قدرة الردع النووي المتبادل مع الولايات المتحدة الأميركية، كما أنّها ثاني قوة عسكرية، فيما تحتل البرازيل مرتبة متقدّمة في مجال الصناعة الغذائية والتكنولوجيا الحيوية.

ويرجح أن تصبح دول البريكس قوى اقتصادية كبرى؛ فالصين والهند وروسيا والبرازيل تقدّم مجتمعة 23 بالمئة من واردات الولايات المتحدة الأميركية و27 بالمئة من واردات اليابان و33 بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي، فضلا عن كونها تعدّ أسواقا واعدة تستقبل 13 بالمئة من صادرات الولايات المتحدة الأميركية و25 بالمئة من صادرات اليابان و21 بالمئة من صادرات الاتحاد الأوروبي.

رؤية البريكس الاستراتيجية

ظهرت طموحات تكتل دول البريكس السياسية منذ مؤتمرها الأول المنعقد في موسكو عام 2009، حيث تمّت بلورة رؤية إستراتيجية تتمحور حول إمكانية خلق رؤية منسجمة حول تجمّع دولي عابر للأقطار، يسعى إلى الدفاع عن مصالح أعضائه، خاصّة في مجال معالجة آثار الأزمة الاقتصادية والنهوض الاقتصادي وإصلاح الأمم المتحدة والنظام المالي العالمي، فضلا عن التعاون في مجال الطاقة والتغير المناخي ومكافحة الإرهاب والأمن الغذائي.

ويضم هذا التكتّل ممثّلين عن جميع القارات ويقع مركز ثقله في آسيا؛ ورغم حداثته، إلاّ أنّه اتّخذ العديد من المواقف الهامّة في عدد من القضايا الدولية، على غرار موقفه من ليبيا، حين قدّم نقدا سياسيا لاستعمال القوة في ليبيا بعد امتناع ممثليه في مجلس الأمن عن التصويت على قرار التدخل العسكري لحماية المدنيين مع بداية الانتفاضة الليبية سنة 2011. وبعد دخول الأزمة السورية عامها الخامس واشتعال المنطقة بداية من العراق مرورا بليبيا ووصولا إلى اليمن، وكذلك مع احتدام الأزمة في أوكرانيا، اتّخذ قادة دول البريكس في منتصف أبريل الماضي في مؤتمر موسكو حول الأمن الدولي، قرارا يُوجب وضع حدّ لتدخلات الولايات المتّحدة وحلف الشمال الأطلسي.

وعلى المستوى الاقتصادي والتجاري، تمّ الإعلان في دلهي، السنة الماضية، عن تأسيس بنك للتنمية، يعهد له بتوفير موارد مالية لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في دول البريكس وفي اقتصاديات البلدان النامية، فضلا عن الدعوة إلى إصلاح في المؤسّسات الدولية بناء على الكفاءة، وبما يتنـاسب مع قوتها الديموغرافية والاقتصادية.

ومن خلال هذه الخطوات تتجلى مساعي تكتّل البريكس لكسر هيمنة مجموعة الثمانية الكبار، وإنهاء حالة احتكار صندوق النقد الدولي للتحكم في السيولة النقدية وانفراد البنك الدولي بقيادة سياسات هيكلية في مختلف بلدان العالم، وهو ما يتّضح من خلال النّقد الذي وجهته تلك الدول إلى صندوق النقد الدولي في بيان المؤتمر الأخير المنعقد في البرازيل سنة 2014، فضلا عن الهيمنة على القرار الدولي. وهذه المرة الأولى التي تظهر فيها قوى خارج المثلث التقليدي: الولايات المتحدة الأميركية، أوروبا واليابان.

ومن السمات المميزة لتكتل البريكس أيضا أنّه يخضع في مصادر قوته لارتباطاته وتبعيته للسوق العالمية التي تتوقف عليها كثير من مبادلاته التجارية، لذلك فهو لا يسعى إلى قلبها جذريا وإنّما إلى تغييرها بما يناسب مصالحه براغماتيا في العديد من المؤسسات والمحافل الدولية.

وفي ما يتعلق بالعلاقات التجارية والإنتاج والابتكار العلمي، تصل معدلات نمو بلدان البريكس إلى ما بين 5 بالمئة و10 بالمئة، فضلا عن تنوع اقتصاداتها، حيث أنها لم تعد مستقبلة للاستثمارات فحسب، بل مصدرا لكثير من التقنيات والرساميل والابتكارات، فضلا عن خلق تأثير ونفوذ كبيرين في المحيط الجهوي كالصين في جنوب شرق آسيا والبرازيل في أميركا الجنوبية وجنوب أفريقيا في جنوب القارة والهند في جنوب آسيا وروسيا في آسيا الوسطى.

ويعدّ تكتّل البريكس اليوم نموذجا لأهم تجمع اقتصادي للدول النامية ظهر وسط تكتلات اقتصادية كبرى وتجمّعات إقليمية بارزة، فهو يدافع عن تصور أقرب للانسجام في منظمة التجارة العالمية للخروج من التّخلف والحصول على اعتراف دولي أكبر وتنويع الفاعلية الدولية، فضلا عن كونه يتمتع بقوة اقتصادية كبيرة ترشحه أن يتطلع قدما إلى لعب دور مهم على الساحة الدولية، فالصين يتنبأ لها المحللون بأنها ستحتل في العام 2050 مكانة أكبر اقتصاد في العالم إذا ما حافظت على مؤشّرات نموها الاقتصادي الحالية، كما أنّ الهند مؤهلة في سباق المسافات الطويلة للّحاق بمستوى الولايات المتحدة الأميركية في عام 2050، فضلا عن تطور الاقتصاد البرازيلي.

وبالمقابل فإن إطلالة موجزة على التجمعات الاقتصادية الأخرى الموجودة، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، يتضح من خلالها أنّ هذه الأخيرة ليست لها مقدرات تضاهي مقدرات دول البريكس وهي لا تخضع لنفس الرؤى الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية، بل تتقاذفها رؤى متعددة وتخترقها منابر وجمعيات جهوية كالمنبر الجهوي لشرق آسيا ((ARF، ومنبر التعاون الاقتصادي لآسيا، ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، وقمة آسيا-أوروبا (ASEM، ومنبر آسيا لشرق أميركا اللاتينية EALF).
كما أنّ الصراع على الحدود بين تايلاند والفلبين وماليزيا وإندونيسيا وعلى العديد من الجزر والأرخبيلات والطرق البحرية والممرات المائية يعوق اندماجها، فهي مرتبطة في الغالب باتجاهات وطنية ذات نزعة سياسية وطنية مستقلة متفاوتة في رؤاها واستراتيجيات تحالفها بشأن مستقبل السيادة على بحر الصين الجنوبي، مما يجعل هذه التجمعات الفرعية وصراعاتها عنوانا عريضا يتحكم في صياغة معالم هذه التجمعات والتكتلات الاقتصادية ذاتها.

بدوره، يفتقر نموذج الاتحاد الأوروبي المؤهل أكثر من غيره لمنافسة تكتل البريكس، إلى رؤية سياسية موحدة، وينوء تحت تداعيات الأزمة الاقتصادية بفعل ثقل مشاكل أعضائه (اليونان، أسبانيا، البرتغال وإيرلندا) على محور بون-باريس والمشاكل المتعلقة بشيخوخة سكانه، كما أنه يظل أسيرا لإمدادات الطاقة الروسية والرهانات الجيوسياسية المحيطة بها في الصراع الدائر حول أوكرانيا وجورجيا.

ولأنّ الولايات المتحدة الأميركية بدأت تشعر بأنّ مركز الثقل الاقتصادي أضحى يتّجه شرقا، فقد دفعها ذلك إلى نقل ثقلها إلى المحيط الهادي وتقوية منظمة التبادل الحر بينها وبين كندا، فضلا عن محاولة إخراجه من شرنقته والانفتاح أكثر على مجموعة “ماركيوز”، خاصة دول أميركا اللاتينية وأخيرا كوبا، فيما لا تزال تجمعات اقتصادية فرعية أخرى كتجمع “كوميسا” و”سارك” دون المستوى المطلوب في القارة الأفريقية.

البريكس والدول العربية

من بين الدول الأقرب إلى سياسة المجموعة العربية، تظل البرازيل بسياستها الخارجية مؤهلة لفتح آفاق تعاون ثنائي وصولا إلى تعزيز شراكة متقدّمة، خاصّة وأنّ البرازيل تسعى من خلال انضمامها إلى دول البريكس إلى تقوية سياستها الخارجية القائمة حول الدعاية إلى السّلم، وعدم التدخل في سيادات الدول، والبحث عن حلول سلمية للصراعات القائمة، فضلا عن الدفاع عن المصالح الوطنية، حيث جعلت رأس حربتها الدبلوماسية الخارجية عنصرا أساسيا في مشروع تنميتها الاقتصادي والاجتماعي الوطني، خاصة ما يتعلق بتكريس منطق التعاون جنوب-جنوب. وهو منطق يعزز تعدد الأقطاب والدعوة إلى دمقرطة المؤسسات الدولية لرفع التحديات المطروحة.



كما أنّ الانفتاح على الهند وجنوب أفريقيا والصين وفي الأخير روسيا، هي خيارات ليست معدومة أو منقطعة عربيا، لكنّ نتائجها تبقى شحيحة في دائرة الاستقطاب والتحالف القائمة حاليا.

وتشكل ملفات عديدة نقاط تقارب بين الدول العربية ومجموعة البريكس، في ظلّ التخفيف من تداعيات توجه الولايات المتحدة الأميركية نحو شرق آسيا لمواجهة الصين وروسيا ولعبة التموضع الإستراتيجي مع إيران في الشرق الأوسط وهندسة المنطقة جيواستراتيجيا بأيد غير عربية (إيران، تركيا)، والمساهمة في خطر توظيف تنظيم “داعش” الإرهابي خدمة للمصلحة الأميركية والإيرانية. ولذلك يرى محللون أنّ الدول العربية بدأت تسعى إلى مراجعة تحالفاتها لفتح صفحة جديدة مع القوى الدولية الصاعدة وتوجيه بوصلتها صوب دول البريكس، ردّا على السياسات الأميركية المتلكئة تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط.

وهذا الانفتاح يجب أن يسير بالتوازي مع منع لأيّ توجيه للأحداث القائمة في سوريا والعراق واليمن واستغلالها في الإستراتيجية الروسية والصينية المنافسة للاستراتيجية الأميركية. حيث أنه من الضروري أن يكون هنالك انفتاح عربي على أطراف دولية أخرى مؤثرة، غير واشنطن وحلفائها، حتى تتمكن القوى العربية من ضبط الإيقاع الحالي، ولكن يجب ألاّ يسير ذلك في اتجاه معاكس للمصالح العربية.

ويقتضي هذا التوجّه من الدول العربية عدم الانخراط في لعبة يحددها قائد دولي واحد، بل عليها الانخراط في دينامية التاريخ وتعزيز علاقاتها مع قوى الدفع الجديدة في السياسة الدولية. ورغم أنّ العلاقة بين العرب ودول البريكس لن تكون خالية من التوترات السياسية، إلاّ أنه من المهم الانتباه إلى أنّ هناك دولا نامية صاعدة قد تؤثّر في شكل النظام العالمي الذي بنت عليه الدول العربية ذاتها تحالفاتها منذ عقود.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3091


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
7.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة