الأخبار
أخبار السودان
سياسيون غوغائيون
سياسيون غوغائيون


07-09-2015 10:59 PM
عثمان ميرغني

أخطر السياسيين وأسوؤهم، هم الغوغائيون. هؤلاء يبيعون الناس الوهم، ويلعبون بالعواطف والشعارات مستغلين الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ومواهب خطابية أو استقطابية، لتمرير رؤاهم وفرض مشاريعهم والمغامرة بمصائر شعوبهم وبلدانهم. المصيبة أنهم في سكرتهم بالسلطة لا يخربون بلدانهم فحسب، بل تكون نتائج مغامراتهم وبالاً على الآخرين أيضًا. كتب التاريخ مليئة بقصص هؤلاء، وفي العالم العربي جربنا أيضًا أمثالهم وكانت النتائج خرابًا لا تزال آثاره ماثلة.

الأزمة اليونانية الراهنة تقدم نموذجًا آخر على مخاطر السياسات الغوغائية، فالحكومة هناك لا تغامر فقط بالبلد والشعب الذي قدمت له وعودًا وشعارات غير واقعية، بل تضع الاتحاد الأوروبي أمام أخطر أزمة يواجهها منذ تأسيسه، وتهدد اليورو بكل ما يعنيه ذلك على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يعاني من آثار الأزمة المالية والاقتصادية رغم مرور ثماني سنوات عليها.

رئيس الوزراء اليوناني أليكسس تسيبراس رفض كل الخطط الأوروبية والعروض التي قدمت إليه بشأن جدولة الديون والإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لتجاوز الأزمة والحصول على حزمة مساعدات مالية جديدة من الاتحاد الأوروبي أو من الصناديق المالية العالمية، وأصر على شروطه ومطالبه، واضعًا بلاده على حافة كارثة مالية واقتصادية، والاتحاد النقدي الأوروبي أمام أكبر تحدياته. والساعات المقبلة ستكون حاسمة بعد أن منحت الدول الأوروبية الحكومة اليونانية مهلة أخيرة لتقديم خطة اقتصادية معقولة ومقبولة لمعالجة الأزمة، مقابل حصولها على حزمة مساعدات مالية وقروض جديدة. المهلة يفترض أن تنتهي غدًا، لكنها عمليًا يمكن أن تمتد حتى الأحد المقبل، موعد اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي للبت في مصير العلاقة مع اليونان وما إذا كانت ستستمر في عضوية الاتحاد، أم إذا كانت ستغادره بعد الطلاق مع اليورو ومع الاتحاد النقدي الأوروبي.

رئيس الحكومة اليونانية يبدو مصرًا على سياسة حافة الهاوية بعد أن وضع نفسه وبلده وكل أوروبا أمام مغامرة غير محسوبة العواقب، فهو يراهن على أن الاتحاد الأوروبي سيقدم له المزيد من التنازلات ويرضخ لمطالبه خوفًا من الثمن الباهظ الذي سيترتب على خروج أو إخراج اليونان من الوحدة النقدية (منطقة اليورو) ليس على أوروبا وحدها، بل على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعافَ تمامًا من آثار الأزمة المالية التي عصفت به عام 2008. تسيبراس يدرك أن اليونان ستخسر وستعاني بشدة لأنها تواجه الإفلاس إذا أخرجت من مجموعة دول اليورو، لكنه يريد المضي في لعبة عض الأصابع حتى النهاية وفي ذهنه أن الدول الأوروبية الأخرى ستتراجع في اللحظة الأخيرة لأن خسائرها المالية ستكون باهظة بعد أن وضعت مئات المليارات من اليورو والدولارات في سلة الديون اليونانية. الأمر الآخر أن تسيبراس وضع نفسه وحكومته في زاوية ضيقة بعد أن تعهد أمام شعبه بأنه لن يقبل أبدًا خطة الإصلاحات الأوروبية والشروط التقشفية التي تضمنتها، وقاد بلده إلى استفتاء لرفض هذه الخطط رافعًا شعارات شعبوية، لكنها غير واقعية.

في الجانب المقابل تواجه دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا مجموعة الوحدة النقدية التي تضم 19 دولة من مجموع دول الاتحاد البالغ عددها 28 دولة، امتحانا صعبًا أيضًا. من ناحية تدرك هذه الدول أن خروج اليونان من العملة الأوروبية وربما من الاتحاد الأوروبي كله، يعني خسارتها للأموال الطائلة التي ضخت في الاقتصاد اليوناني، وهي خسائر ستمتد أيضًا لمؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي ولدول خارج الاتحاد الأوروبي أيضًا. فالديون اليونانية تقدر حاليًا بنحو 320 مليار يورو، 78 في المائة منها للبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي والباقي من أطراف أخرى. وخسارة هذه الأموال ستكون ضربة قوية للاقتصاد الأوروبي، لا سيما أن بعض الدول الصغيرة في أوروبا دفعت أكثر من 10 في المائة من دخلها القومي ضمن حزم المساعدات والقروض المالية لليونان.

من ناحية أخرى، تدرك الدول الأوروبية، وبالذات الكبرى منها مثل ألمانيا وفرنسا، أن الرضوخ لليونان سيشجع دولاً أخرى على التمرد ومحاولة فرض شروطها على شركائها بما في ذلك رفض سداد بعض القروض، ورفض تنفيذ الإجراءات التقشفية اللازمة لمواجهة تراكم الديون وإعادة التوازن للاقتصاد وميزان المدفوعات.

الدول مثل الأفراد لا تستطيع أن تعيش على ما لا تملك، والمثل الشعبي يقول: «مد ساقك على قدر لحافك»، أي عش على ما تملك وما تقدر على صرفه، بدلاً من أن تنفق فوق طاقتك وقدراتك، فتضطر إلى التحايل أو الوقوع في مصيدة الديون فتخسر كل شيء بما في ذلك حريتك وكرامتك. الحكومات اليونانية المتعاقبة وضعت شعبها في هذه الورطة وفشلت في مواجهته بالحقائق وبالحلول الصعبة المطلوبة. وما يقدمه تسيبراس اليوم ليس حلولاً واقعية، بل شعارات شعبوية نتائجها وخيمة على الناس.
من هذا المنظور فإن الأزمة اليونانية فيها دروس أيضًا للعالم العربي.

الشرق الاوسط






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2438

التعليقات
#1301498 [Mohamed]
0.00/5 (0 صوت)

07-10-2015 11:30 PM
عثمان ميرغني
يا أخي رغم المقال الطويل، فليس من المعقول ابدا الوقوف في صف الدول الدائنة المتشدد والذى لا يغذيه شيء غير الجشع والطمع في مص ما تبقى من دماء اليونانيين اذا بقي منها شيء اصلا؟؟ يا أخي أقرأ حديث البابا يوم أمس وروق وأهدأ.. لابد من الوقوف مع ضحايا الابتزاز المالي الذي تمارسه الدولة الرأسمالية وليس العكس..



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة