الأخبار
أخبار سياسية
جيمس وولسي أفصح قبل عقد من الزمان عما يحدث اليوم
جيمس وولسي أفصح قبل عقد من الزمان عما يحدث اليوم


07-18-2015 11:59 PM
وولسي يعد واحدا من المعبرين عن الخطط الأميركية التي هدفت إلى إحداث التغيير الذي يناسب مصالح واشنطن في المنطقة.
العرب علي سفر

لم يكن جيمس وولسي مفكراً، ولم يمارس الكتابة الصحفية كمهنة، بل كان رئيس وكالة المخابرات الأميركية، وتبعاً لوظيفة الرجل فإن كل ما سيقوله، لن تكون له قيمة فكرية أو إعلامية، بل سيجد مكانه على طاولة السياسيين ورجال الأمن، وحين يقوم وولسي بإعلان النوايا الاستخباراتية بشكلٍ علني، فإن ما يقوله سيكون أشبه بتهديد، أكثر منه خطة عمل.

فهل كان ما قاله في الفيديو الشهير الذي يتداوله الإعلام العربي تحت عنوان “سنصنع لهم إسلاماً يناسبنا” هو خطة عمل حقيقية؟ أم أنه كان إشارة وتنبيها لدول المنطقة، التي كانت تهتز تحت وقع ضربات القوات الأميركية، وهي تجتاح العاصمة العراقية بغداد؟

ما قاله وولسي وما لم يقله

بداية وقبل الخوض في تفاصيل هذا الوجه اللافت، لواحدة من أغرب القضايا التي تتصل بواقع المنطقة العربية، يجدر بنا التوقف عند العنوان الذي يتم تسويق كلام وولسي تحته، فمن المراجعة للكثير من النسخ التي انتشرت على موقع يوتيوب، أو على شبكات التواصل الاجتماعي، لم نعثر على تلك الجملة المثيرة التي كان من شأنها وطيلة السنوات السابقة إثارة الضغينة ضده، كموظف استخباراتي، يقود مفصلاً مهماً في السياسة الأميركية.

ففي الفيديو الشهير، يبدأ وولسي كلامه بعبارة لم يترجمها ناشرو الفيديو من العرب، تقول “المشكلة ليست هي الإسلام، المشكلة هي الإرهاب”، وعليه فإن إحالة تصريحات وولسي إلى نسق من صناعة الكراهية بين عموم المسلمين وبين الأميركيين، لا يعدو كونه محاولة للتزوير وصناعة بروباغندا الكراهية، وهو ما اشتهرت به المئات من المواقع والصفحات التي تعمل وفق خطاب، يقول بوجود حرب بين العالم الإسلامي وبين العالم الغربي.

ولكن هل كان وولسي بعيداً عن صناعة الكراهية بين العالمين؟ الإجابة على هذا السؤال تبدو متاحة من خلال قراءة الوقائع التاريخية، التي تظهر الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية، ودول أخرى، في إتاحة المجال للتيارات الجهادية للظهور في عدة بلدان في منطقة الشرق الأوسط.

السي آي إيه والجهاديون الأفغان

تجربة دعم أميركا للجهاديين في أفغانستان ضد الوجود السوفيتي فيها، خلال سنوات السبعينات من القرن الماضي، كانت هي حجر الأساس الذي بنيت عليه أغلب التنظيمات التي أنتجت المشهد الحالي. وهذه التجربة لم تنكرها الإدارات الأميركية، حتى أن هيلاري كلينتون تحدثت عن هذا الأمر في مراجعة قدمتها أمام إحدى لجان الكونغرس الأميركي منذ فترة طويلة، حين أشارت إلى أن تورط الأميركيين في معركة باردة مديدة مع الاتحاد السوفيتي، دفع إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن إلى ضخ الأموال والسلاح إلى “المجاهدين”، مشيرةً إلى أن ترك الجيش الباكستاني وحده بعد خروج السوفييت من أفغانستان، أدى إلى تنامي قدرة أصدقاء الأمس الذين تتم محاربتهم الآن، بعد أن تحولوا إلى أعداء شرسين هاجموا الولايات المتحدة في عقر دارها، في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

الكاتب الفرنسي تيري ميسان (الأكثر شعبية بين مفسري الواقع الحالي كمؤامرة) يرى أن الربيع العربي {ليس إلا نسخة جديدة من الثورة العربية الكبرى التي خطط لها البريطانيون ضد العثمانيين من عام 1916- 1918} وأن الغرب عاد هذه المرة ليسيطر من جديد على الأوضاع، لكي يطيح بجيل من الحكام، وتنصيب الإسلاميين مكانهم

الحرب العالمية الرابعة

صناعة الكراهية كانت ومازالت واحدة من الثمار التي أنتجتها سياسةٌ اشتغلت عليها الولايات المتحدة منذ البداية، فالجمل البراقة عن الحرية، التي كان يروج لها الساسة الأميركيون لم تكن لتقنع الشعوب.

وبقيت الشعوب ترى، عبر تاريخ طويل من الوقائع، في أولئك الساسة، الداعم الأكبر للأنظمة المستبدة، كما أن فكرة “المؤامرة” كانت هي التفسير الأكثر رواجاً، للسياسات المحمولة على خطاب تصدير الديمقراطية إلى الدول التي تعيش شعوبها حالة من العبودية على يد الأنظمة التي تحكمها، أي الخطاب ذاته الذي عبر عنه جيمس وولسي في كلامه الشهير المتداول على شبكة الإنترنت، والذي نشرت جريدة الشرق الأوسط فحواه في مقالة كتبها في أبريل 2003، تحدث فيها عن “الحرب العالمية الرابعة” التي أعقبت الثالثة (الحرب الباردة) وعن ضرورة أن تمضي الولايات المتحدة حتى النهاية في سبيل تحقيق النصر فيها، فقال “إن هذه الحرب، شأن حروب الماضي العالمية، ليست حربنا ضدهم (شعوب منطقة الشرق الأوسط) ، وليست حرباً بين بلدان، بل هي حرب الحرية ضد الطغيان. ولهذا، على أميركا أن تقنع شعوب الشرق الأوسط بأننا نقف إلى جانبها، بالضبط كما أقنعنا ليخ فاليسا وفاكلاف هافل وأندريه ساخاروف بأننا كنا إلى جانبهم. ولا شك أن هذا سيتطلب وقتاً، وسيكون صعباً. وبالطبع، ندرك أننا نثير توتر أعصاب الإرهابيين والديكتاتوريين المستبدين، ونحن نريدهم أن يكونوا كذلك، ونريد منهم أن يدركوا، الآن، أن أميركا تغذّ السير، وأننا نقف إلى جانب أولئك الذين يشعرون تجاههم بخشية كبيرة، أي إلى جانب شعوبهم.”

دعوة الولايات المتحدة شعوب المنطقة إلى الحرية، وبالنظر إلى اقتران سياساتها بالحفاظ على مصالحها الاستراتيجية بالدرجة الأولى، لم تؤد إلى تفسيرات بريئة لتفاصيلها.

وعليه يمكن تفهم الكثير من الكتابات التي ما انفكت تتحدث عن أن كل ما حدث في المنطقة، وخاصة ثورات الربيع العربي، لم يكن سوى جزء من مؤامرة كبيرة تقودها المخابرات الأميركية. فبرأي أصحاب نظرية “المؤامرة” فإن وولسي هو واحد من المعبرين عن الخطط الأميركية، التي هدفت إلى إحداث التغيير الذي يناسب مصالح الأميركيين، الذين لم يعودوا يرون منفعة في الأنظمة المستبدة الحاكمة في المنطقة.

حقائق وتلفيقات

وضمن هذا السياق يرى الكاتب الفرنسي تيري ميسان (الأكثر شعبية بين مفسري الواقع الحالي كمؤامرة) أن الربيع العربي “ليس إلا نسخة جديدة من الثورة العربية الكبرى التي خطط لها البريطانيون ضد العثمانيين من عام 1916- 1918، وأن الغرب عاد هذه المرة ليسيطر من جديد على الأوضاع، لكي يطيح بجيل من الحكام، وتنصيب جماعة الإخوان المسلمين مكانهم. والدليل على ذلك؛ أن من تولّوا السلطة في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، هم جماعة دينية، من جهة تفرض رؤيتها الظلامية على البلد الذي تحكمه، وتساند الصهيونية والرأسمالية الليبرالية المزيفة من جهة أخرى، أي بمعنى حماية مصالح إسرائيل والأنغلو- سكسون في المنطقة”.

ورغم أن الوقائع التي جرت في غير بلد عربي من بلدان الربيع العربي توضح أن هذه الأفكار كانت بعيدة عن واقع ما جرى ويجري، إلا أن الاتهام الموجه للأميركيين بشكلٍ صريح وواضح، بالمسؤولية عن “فوضى خلاقة” أنتجت تنظيم القاعدة، ومن بعده تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لم يغب عن المشهد، ووصل إلى حد تلفيق الاعترافات لهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة، في كتابها الذي نشرته مؤخراً، وهو ما نفاه مترجمو الكتاب.

تورط الأميركيين في معركة باردة مديدة مع الاتحاد السوفيتي، يدفع إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن إلى ضخ الأموال والسلاح إلى "المجاهدين"، إضافة إلى ترك الجيش الباكستاني وحده بعد خروج السوفييت من أفغانستان، ما أدى إلى تنامي قدرة أصدقاء الأمس الذين تتم محاربتهم الآن، بعد أن تحولوا إلى أعداء شرسين هاجموا الولايات المتحدة في عقر دارها، في أحداث سبتمبر 2001

المعركة الكونية

مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية عمّا يحصل في المنطقة، وكذلك عمليات التدخل التي تقوم بها، يمكن إثباتها عبر آليات تحليل بحثية وعلمية رصينة، إلا أن السائد، في عملية إثبات المسؤولية غالباً ما يقوم على التلفيق، وهو ما يجعل من هذا الخطاب الاتهامي، مائعاً، ومشوباً بالخفة، فهو خطاب يقوم على إلحاق السلبية بأيّ ملمح من ملامح التدخل الخارجي بشكل كامل، وليس تدخل الولايات المتحدة وحدها، ولعل المفارقة تكمن في أن الذين يتمترسون وراء هذه الفكرة كما يقول الباحث محمود جبر الذي كتب عن ” الدور الخارجي في الثورات العربية” ينتمون إلى ثلاثة تيارات “تكاد تكون متناقضة فيما بينها على مستوى الفكر والتطبيق هي الأنظمة الرسمية العربية والقوميون واليساريون، والتيار الديني”.

إن إحالة حدوث الربيع العربي إلى التدخل الخارجي، يجد سنده المنطقي في المعلن من السياسة الأميركية، التي عبر عنها بحسب أحد التقارير ريتشارد هاس مدير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، حين أشار إلى ضرورة أن تقوم الولايات المتحدة “بدعم الديمقراطية بشكل متواصل لبناء مجتمعات منفتحة تحترم حقوق الإنسان وحكم القانون بعيدا عن التطرف والإرهاب، من خلال تطوير مؤسسات وممارسات ديمقراطية على المدى الطويل”، غير أن فشل الربيع العربي في تحقيق أهدافه، يمكن أن يحال أيضاً إلى الجانب غير المعلن من السياسة الأميركية، وهو جانب يمكن تفكيك عناصره إلى معطيات واضحة وراسخة منذ عشرات السنين، فالمصالح الأميركية، لا تبنى على إرادات الشعوب التي تطلب التحرر من سلطات الاستبداد، بل يبنى على أن تقوم السلطات (أيّ سلطات) بتقديم كل ما يلزم لضمان هذه المصالح، ضمن هذا السياق يمكن تفسير عدم تقديم العون الأميركي للعديد من القوى الديمقراطية، التي تعمل لصالح مصالح الشعوب الثائرة، وتركها في دوامة الصراع مع القوى التي أنتجها التاريخ الطويل من ديمومة الاستبداد، كما يمكن تفسير ترك المنطقة رهينة لتدخلات القوى الإقليمية التي أنشأت ممثلين عنها في الحروب الداخلية التي تشهدها بلدان الربيع العربي.

لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تتم قراءة الواقع بشكل طبيعي من خلال ما يظهر على السطح، إذ لا بد من العمل البحثي على مقاربة كل المفردات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للوصول إلى مؤشرات تفضي إلى نتائج، ولعل هذه الآلية تصبح معقدة أكثر وأشد وعورة وصعوبة في حال كان موضوع الدراسة هو واقع مضطرب، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، كواقع الثورات العربية الراهنة، والتي تبدو معركتها وكأنها معركة كونية لا بالمعنى الذي تسوقه الأنظمة المستبدة الحاكمة حين تروّج إلى طبيعة المؤامرة المزعومة ضدها، بل بالمعنى الواقعي، الذي يفيد بأن التغيير الذي ستفرضه الثورات على الواقع الإقليمي، سيمتد ويتجاوز الحدود ليصبح عالمياً، خاصة وأن الدول المتقدمة التي تعاني من أزمات اقتصادية مسبوقة وعتيدة في آنٍ معاً، لن تكون بمنأى عن تكرار مشاهد الشوارع العربية ولكن في مدنها ذاتها هذه المرة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5594


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة