الأخبار
منوعات سودانية
أشعار وغناء الجنون والمجانين وسيرة الأطباء النفسانيين.. أيام جُضْلَة والتجاني الماحي
أشعار وغناء الجنون والمجانين وسيرة الأطباء النفسانيين.. أيام جُضْلَة والتجاني الماحي
أشعار وغناء الجنون والمجانين وسيرة الأطباء النفسانيين.. أيام جُضْلَة والتجاني الماحي


09-06-2015 06:26 PM
الخرطوم - محمد محمد علي منصور

يأتي صباح كل يوم في قهوة المحطة الوسطى المشهورة في قلب الخرطوم في عام 1956 يحمل في يده سوط عنج صغير يقال له جُضْلَة لا يتكلم مع أحد وكانت القهوة مليئ بالمصريين ذوي الطرابيش الحمراء والبدل الكاملة ولفيف من الهنود والشوام والباكستانيين والنقادة وكبار رجال الدولة المتقاعدين يحتسون القهوة ويشربون العصائر ويتصفحون صحف الصباح ويمسحون الأحذية التي كان الماسحون رجالاً كباراً، يأتي صاحبنا حاملا السوط يقولك قرش يا أستاذ أكان أديتو يفوت منك وكان ما أديتو يديك حمطة صغيرة في رقبتك ويفوت، وكان الرواد الواحد من بالليل يحضر القرش حفظا لماء وجهه وآخر يأتي في نفس المقهى معلقاً لافتة مكتوباً عليها لكل سؤال جواب، بأمانة لمحته ولم تتح لي الفرصة لأسأله، ولكن الناس أكدوا لي أنه موسوعة يجيب على أي سوّال يخطر على بال أحد.
الماحي وبعشر
على ذكر الاختصاصيين النفسيين بالخرطوم، فقد كان المرحوم التجاني الماحي الطبيب ذائع الصيت في هذا الصدد مستشفى بأم درمان تجاه مبنى البلدية، وكان (فرط شهرته) كطبيب نفسي بارع، كان الواحد زمان لو زعلان منك يداعيك ويقولك حسع أوديك التجاني الماحي، خلف من بعده وتتلمذ على يديه طه بعشر الذي كان متواضعاً غزير العلم اجتماعياً له علاقات واسعة تعرفت عليه ثمانينيات القرن الماضي في التلفزيون وكنت في مرة ذاهب إلى بحري، فأوصاني أحد المخرجين أن أمُر عليه في عيادته حتى أذكره بموعد البرنامج الذي سيكون ضيفاً عليه، مررت عليه في عيادته وكانت لما تعدي الكبري وتتجه على بحري ولا زالت تقع على إيدك الشمال، أدخلتني عليه السكرتيرة تواً لمعرفتها بي ولدهشتي لم أجده بالمكتب، وفجأة جا مارق يحبى من تحت تربيزة الاجتماعات الكبيرة وخلفه مريض يحبى، علمت فيما بعد أنه يعالج هذا المريض الذي يعتقد أنه طفل لا يزال يحبى، ودعته قائلا في نفسي: الله يكون في عونكم.
ومنى الفؤاد إذا تمنى
الشاعر الفذ إدريس جماع كان يستشفى بالتجاني الماحي، وكان كلما زاره أحد يجده ممسكا بالقلم أو يقلب في بعض الكتب والمذكرات، ينظر إليك مليا من طرف خفي ثم ينكفئ على نفسه لا يضر أحدا ولا يتكلم إلا لماما، لازمه الفنان سيد خليفه فألفَهُ وانتزع منه أغاني عدة أشهرها التي تقول: أعلى الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا إذا نظرنا هي نظرة تُنْسِي الوقار وتسعد الروح المعنى/ أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا/ دنياي أنتِ وفرحتي ومنى الفوّاد إذا تمنى.
الجمال والحب
الشاعر محمود أبوبكر الصاغ بالقوات المسلحة درس بالمدرسة الحربية التي أسستها بريطانيا بالخرطوم تاركا الوظيفة المعتبرة، وسنأتي لسيرته بالتفصيل عندما نوثق له ولبعض الشعراء المبدعين أمثاله، عمل إبان حكم الإنجليز في الصحراء الليبية ضابطا بقوة دفاع السودان سخر منه زميله عقيل أحمد عقيل المحامي، معاتبا لتركه الوظيفة المميزة والتحاقه بالجيش، فرد عليه بقصيدته (صه يا كنار) التي كانت شعارا لمؤتمر الخريجين، لحنها وغناها الفنان إسماعيل عبدالمعين والتي تفوق العشرين بيتا، ورددتها من بعده مجموعة من الفنانين في شكل كورال، على رأسهم الفنانون عثمان حسين والكاشف وحسن عطية وأحمد المصطفى.
حكا عنه أصحابه أنه وفي آواخر عهدهم به كان مُنزويا مُنْكَفئا لايكلم أحدا، فإذا أعطيته مثلا برتقالة يظل مُمْسكا بها يقلب فيها ويتحدث معها، ولا يأكلها، كذلك إذا وقع بين يديه كتاب أعجبه غلافه يظل ممسكا به سارحا في الأفق، ودائما يردد عبارة (إن الله جميلا يحب الجمال) فإلى جانب من كلمات القصيدة "صه يا كنار وضع يمينك في يدي ودع المزاح لذي الطلاقة والدد/ صه غير مأمور وهات مدامعا كالأرجوانة وأبكي غير مصفد/ صه يا كنار وضع يمينك في يدي فكأن يوم رضاك ليلة مولد".
إن شاء الله أجن
الفنان صديق الكحلاوي غنى فقال: "قالوا قالوا علي شقي ومجنون صحيح شقي ومجنون أجن وأجن وأزيد في الجن وإنتو جنوني يا حبي" أما إبراهيم عوض، فغنى أيضا، موّكدا أن حبيبته هي التي أدت لجنونه، فقال: حبيبي جنني وغير حالي حير فكري، وشغل بالي بريدك والله بريدك لو سقيتني السم بي إيدك سمك شفاي ودواي يا طبيب تعال لمريضك. الحب بعد مرات يخلي الواحد هايم يزوزي زي المجنون والحب أنواع كتيرة ما كلو للبنات، وود الفراش شاعر بربر كان بجانب عشقه للبنات يحب جمله واسمه البانقير الذي عاصره قرابة 15 سنة كان يسري معه الليالي ليُلقي نظرة على إحدى محبوباته، يعرفهن بنتا بنتا ودارا دارا، ويحفظ مواقع ديارهن ولو بعدت، ويقال إن الفراش إذا نام ليلا وهو يمتطي الجمل فإن الجمل يقف جوار دار محبوبته، ولا يتحرك حتى يصحو.. ضاع منو الجمل في جزيرة بربر فصار يُهرْوِلْ كالمجنون عندما قال له البعض الناس قاصدِنو سرقوا منو الجمل نكاية له، لأن البنات يوّثِرنَه عليهم، فأنشد قائلا: تعال يا بَانَقير ديك وِصايه سلم لّي على هِناية وهِناية (فلانة وفلانة)/ قوليهن علّي بِقْيَتْ حكاية/ بقيت متل الخَفِي الماعندو غاية/ يا بانقير مُر بي فريقَه سلِم لّي على الضامرة ورقيقة/ قوليهن سكن بربر حقيقة يحوم في السوق متل ود أب غَرِيقَة.. حين قال: "زادن جنوني بالليل والنهار لّجن عيوني/ أضحك وانبسط وأفِر سنوني/ أشوف ست ريدي بكره الينْشُروني".. في ذلك الزمن كان الكثيرون ينشُرون الحطب بمُنشار طويل كل اثنين قُصاد منشار، وقد راجت تلك الصنعة أوائل القرن الماضي خاصة في كسلا وما جاورها، لِتَوَفُرْ الكُتَلْ الخشبية الكبيرة تُصنع منها العناقريب والفترينيات والترابيز وكافة المصنوعات الخشبيه بأيدي فنيين مهرة

اليوم التالي


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 4038

التعليقات
#1335378 [ابو الافكار]
0.00/5 (0 صوت)

09-07-2015 09:28 AM
ايام زمان كانت ايام


#1335144 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

09-06-2015 09:33 PM
لكن لماذا لم تتطرق إلي علاقة العبقرية بالجنون؟
هناك كثير من العباقرة لم يكونوا سويين بفعل ذكاءهم الوقاد الأمر الذي ساعد علي إصابتهم بالمرض و العناء ثم الموت المبكر.
أذكر من هؤلاء : معاوية محمد نور و ما حدث له في القاهرة من صراع,رواه الأستاذ/عبداللطيف الخليفة في مذكراته ( بين الخرطوم و القاهرة) الجزء الأول و كان هذا الكاتب طالبآ في القاهرة في سني الأربعينات و الخمسينات و عاصر معاوية محمد نور هناك.
و أذكر التيجاني يوسف بشير و هو كان شاعر مجيد لكنه كان سئي الحظ للفقر الذي عاش فيه و حسد زملاءه في المعهد العلمي و فصله من المعهد و رفض والده أن يسافر إلي مصر ثم مرضه بالسل و موته المبكر.


#1335083 [العاقل]
5.00/5 (1 صوت)

09-06-2015 07:22 PM
ذكريات جميلة واستراحة خرجت بنا من الاجواء الراتبة. يبدو لي انك مخزن من الذكريات، ارجو أن تداوم على الكتابة بنفس النمط وشكرا لك.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة