الأخبار
أخبار إقليمية
الراكوبة عصية على التركيع
الراكوبة عصية على التركيع


09-10-2015 10:33 AM
صلاح شعيب

مهما تعمقت الخطط الحكومية لمحاصرة نشاط السودانيين في الداخل، والخارج، فإنها لن تفيد على المدى الطويل. لقد جربت حكومة الإنقاذ، قبل وبعد اختلاف عضويتها، أن تقمع كل صوت يعبر عن حقائق البلاد، ولكنها لم تجن غير الحصرم. ولما حوصروا بفشلهم البائن الذي حققوه سعى الإسلاميون الحاكمون إلى الاستماتة في توظيف الأساليب القذرة في مصادرة منابر الحرية التي أوجدها السودانيون المهاجرون لخدمة بلادهم. وتمثلت قمة هذاه الأساليب في محاولة تركيع منبر مستقل وجد فيه السودانيون في الداخل والخارج واحة وارفة، تربطهم بقضايا وطنهم، ويعبرون فيها عن حلول لمشاكل النظام التي أطبقت على حياة المواطنين.

لقد نشأت الراكوبة كمنبر يعزز وضع، وقيمة، من لا صوت لهم في البلاد. شيبا وشبابا، رجالا، ونساء. فالمؤسسات الإعلامية في السودان ظلت لربع قرن من الزمان مملوكة للحركة الإسلامية التي وظفت فيها عضويتها. فالصحف لا تصدر إلا لتغطي وجه حقيقة ما يجري في البلاد. يمكنها أن تستضيف في حلقات بلة الغائب، وشيخ الأمين، ودجالي الأسواق الشعبية. ولكنها لا تتجرأ في محاورة الدكتور حيدر إبراهيم، أو د. أمين مكي مدني، أو نصر الدين الهادي المهدي، أو إبراهيم الشيخ، أو د. شريف حرير، أو مالك عقار. أما الإذاعة، والتلفزيون، ووكالة سونا للأنباء، فهي مناطق مقفولة يتوظف فيها الإسلاميون، أو من تعاطف معهم أو فضل أن "يأكل عيش" وكفى. والقنوات الفضائية الخاصة فهي أيضا "ملك يمين" للإسلاميين كما هو حال أي شئ بالنسبة لهم في سودان اليوم. وبالنسبة للمنابر الفكرية، والثقافية، والتابعة لمنظمات المجتمع المدني فإن الدولة أوقفت العشرت منها، ولاحقت مؤسسيها. وفي ردهات النشاط الطلابي الجامعي لا صوت يعلو فوق صوت الطلاب الإسلاميين المدججين بالسلاح الأبيض والناري. وإذا كانت النقابات قد ظلت صوتا للعمال، والموظفين، في الماضي، فهي في الحاضر إنما وظائف، وحرمان للحقوق المطلوبة، ليس إلا. ومسيرات الاحتجاج ليست سوى التعبير عن حاجة لإيصال رسالة سياسية، أو اجتماعية. لكن، وبرغم أنها أمر منصوص في دستور النظام نفسه، فإنها ممنوعة للتنظيمات كافة ما عدا حزب الحكومة، والمؤتمر الشعبي، وجماعات إسلاموية متطرفة. وهؤلاء الأخيرون يستطيعون أن يملأوا الشوارع بهتاف حناجرهم تعبيرا عن مأساة شعوب أخرى، ولكن أنى لهم التضامن مع محن شعب السودان في جميع مدنه وجميع قراه. وأنى لأبناء جبال النوبة، أو دارفور، أو النيل الأزرق، أو جماعات حقوقية في العاصمة، أن يخرجوا في مسيرة صامتة حتى تدعوا إلى وقف قصف الطيران الحكومي لتلك المناطق.

في هذا الجو نشأت الراكوبة، منبرا لكل كتاب القوى السياسية، والمتعاطفين مع الحركات المسلحة. وحتى الإسلاميين من الكتاب المعارضين، والمتعاطفين مع الحكومة لهم صوتهم فيها. فضلا عن صوت المنتمين إلى تنظيمات مستقلة، وهناك آخرون مستقلون يسجلون أفكارهم. وهكذا صارت الراكوبة منبر كل السودانيين بمختلف توجهاتهم السياسية، ومشاربهم الثقافية، وقناعاتهم الفكرية. ولذلك ليس بمستغرب للحكومة السودانية أن تستخدم قدراتها اليائسة في محاولة تركيع الراكوبة عبر اعتقال الأستاذ وليد الحسين الذي نجح مع بقية زملائه في إدراة موقع تصدر قمة المواقع السودانية في فترة وجيزة جدا. وذلك برغم أنه لا يملك جيشا من المحررين المتفرغين، أو مكاتب فخمة، أو أسطولا من أحدث العربات التي يمتلكها طلاب حزب المؤتمر الوطني.

المعقول أنه في ظل نجاح الراكوبة، ومنابر مستقلة أخرى كثيرة، أن يكون هناك محرض للمسؤوليين الحكوميين للسعي إلى خلق منابر للرد على ما يثار فيها، وخلق حوار موضوعي بين حماتها والمعارضين. خصوصا وأن حكومة المؤتمر الوطني تملك كل الإمكانيات لدعم وجودها خصما على مصلحة البلاد. إذ هي تنفق ملايين الدولارات على إعلامها الرسمي والخاص. بل ويمكنها أن تجيش من أرزقية الإعلام كما وكيفا في محاولة لاستيعاب هذه النسبة العالية من القراء الذين يزاورون الراكوبة، ويعتقدون بأنها منبر وطني يقف على مسافة متساوية من كل التيارات السياسية والفكرية في البلاد. ولكن من المؤكد أن الحكومة، ومعها غالب أعضاء الحركة الإسلامية، والانتهازيين من الإعلامين، لا يملكون الشجاعة في خلق منبر حر لكل السودانيين. ويفتقرون إلى الإمكانيات الذاتية، والإبداعية، والأخلاقية، ولا يشغلهم كثيرا هم العمل على خلق منابر للإعلام والتثقيف، مثل انشغالهم بمصالحهم الذاتية الأنانية.

ودون المقارنة بصحيفة الراكوبة دعونا ننظر إلى مجالات الإبداع الإعلامي في الداخل، ومن بينها الصحافة الورقية والإليكترونية، والقنوات، لنرى إلى أي مدى تستطيع المادة الإعلامية جلب المستمعين، أو القراء، أو المشاهدين، ذلك رغم أنه لا يوجد هناك تنافس بينها وبين مواد أخرى يعدها مبدعون معارضون أو مستقلون. فللأسف إن السودان الغني بتنوع مكوناته الإثنية، والاجتماعية، والملئ بكثير من المشاكل، يعاني إعلامه من ضمور لفاعليته ضمن الضمور الذي شمل كل مناحي الحياة في السودان. وقد توقف الإبداع في سن خطط استراتيجية طوال فترة الإنقاذ وبالتالي صار الحديث عن الإبداع الإعلامي حديثا مسيسا بالضرورة. وذلك لارتباط الازدهار الإعلامي بمناخ الحريات العامة التي ظل السودانيون يبحثون عن استقرارها منذ أكثر من نصف قرن، ولكون أن الإعلام والسياسة وجهان لعملة واحدة

إن الشئ الأسهل الذي استمرأته الحكومة هو توظيف قدراتها اللوجستية لإسكات كل صوت ينادي بمعارضتها، من أجل تحقيق الديموقراطية، والعدل، والمساواة، وحرية التعبير، مثالا. ولكن من الصعب أن تجبر الناس إلى الاستماع إلى رسالتها الإعلامية الضعيفة في محتواها المهني، والبائرة فكريا، وثقافيا، واجتماعيا، وفنيا. والدليل على ذلك هو خوفها من أي محاولة مستقلة في الإنتاج الثقافي والإعلامي، وتفضيلها اتخاذ أسلوب القوة لمواجهة الرأي الآخر بدلا عن الحوار معه. والأمثلة في الداخل أكثر من أن تحصى أو تعد في ظل جفاف مواعين الإبداع، وهجرة الكوادر المبدعة في كل مجالات الحياة، وغياب التخطيط الاستراتيجي في هذه الشؤون الإبداعية.

إن الراكوبة أصبحت ملكا لقرائها، ولكل السودانيين، الذي أحسوا أنها تمثل صوتهم الحقيقي دون تمييز أيديولوجي، أو جهوي، أو فكري، أو فني. وقد شهدنا كيف أن قوانا الساعية إلى استرداد الديموقراطية، والناشطة في كل مناحي العمل العام في الداخل والخارج تقاطرت للتضامن مع الأخ العزيز وليد الدود الحسين وهو يعايش محنته التي تقف خلفها الحكومة السودانية. إذ هي بالطبع لم تبد أي سؤال عن مواطنها القابع في الاحتجاز، ذلك ما دام المتحدث باسم الحكومة لم يعلن صراحة أن ضغوطات النظام ضد الراكوبة قد تجسدت عبر هذا الإجراء السعودي غير الإنساني.

ولعل تعاطف القراء الكبير مع الأستاذ الوليد الحسين دلالة على وفائهم لأحد مؤسسي الراكوبة، ولحرصهم على استمرار الراكوبة ساحة لمعرفة مجريات الواقع السوداني. وللتداول حول الشأن الوطني، اختلافا أو اتفاقا في جو من التسامح، وتقدير الزوايا التي ينطلق منها قارئ نحو كاتب، أو قارئ تجاه آخر. وبرغم حدة الخلافات التي تميز بعض آراء قراء الراكوبة إلا أن أصحابها سوف يصلون بالتجربة إلى مستوى أفضل في الحوار في ظل عوامل الإحباط الكثيرة التي تسم بعض الأفراد المشاركين بالمقال أو التعليق.

والأهم من كل هذا أن منبر الراكوبة، وبقية منابر الإنترنت هي منابر للتعلم من بعضنا بعضا. وليس هناك كاتب كبير في الراكوبة على التعلم من القراء الذين يتنوعون في مرجعياتهم، ومستوى تعليمهم، ووعيهم، وحدبهم على الموضوعية. وقد تعلم هذا القلم من الكثير من آراء معلقي الراكوبة التي ظلت تنشر مقالاتي لفترة طويلة من الزمن. وأحيانا أجد أن آراء القراء أكثر صوابا، وأبعد نظرا من رؤى تطرقت إليها في متن المقال. ولعل هذه قيمة، وقمة، الديموقراطية التي تمثلها مسؤولو الموقع، وكتابه، وقراؤه. وأين منابر الحكومة من هذا التمرين الديموقراطي الذي يعرض فيها الناس أفكارهم حول قضايا السياسة والاقتصاد والأدب والاجتماع والرياضة والفن؟ وأكثر من ذلك هل لدى الحكومة المرجعية الفكرية التي تخول لها تشجيع الحوار الديموقراطي في أجهزتها الرسمية التي تسيطر عليها، وهي أجهزة كان ينبغي أن تعبر بحرية عن أهل السودان جميعا في توجهاتهم الايديولوجية، والإثنية، والأيديولوجية، والدينية، والثقافية.؟

إننا نأمل أن يفك الله أسر الأستاذ وليد حتى يواصل خدمة المظلومين مع بقية زملائه المشرفين على هذا الموقع الوطني المميز، وأن يعود سليما معافى لأسرته في أسرع وقت ممكن. ونأمل أيضا أن تسير الراكوبة على خطها التحريري دون أي استجابة للتركيع، وأن تتطور أكثر فأكثر حتى تغدو نموذجا للمنابر التي تعمل بصدق، وشجاعة، وذكاء من أجل إنسان السودان.

[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 4395

التعليقات
#1339688 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2015 03:14 PM
أولا التحية لكل الأقلام الشريفة في الداخل والخارج والتحية لك أخي شعيب والتحية لمنبر الراكوبة الذي أصبح متنفسا لكل أحرار بلادي من بغاث الطير التي جثمت على صدره ........... فليعلم نظام البشير أن ما قام به هو بدون شك لمصلحة الشعب السوداني المغلوب على أمره فإن إيقاف وليد في هذه الفترة الحرجة من تاريخ نضال الشعب السوداني فإنما يصب لمصلحة كل أحرار بلادي فشكرا لزبانية الإنقاذ لأن إعتقال وليد قد وحد صفوفنا ضد حكومة البغي والفساد أزالها الله......وإنا على الدرب لسائرون حتى النصر مهما طال الزمن وذاكرة التاريخ مليئة بكل سخافات الإسلاميين إلى حين الحساب بإذن الله.


#1338614 [ود أبو قمري]
0.00/5 (0 صوت)

09-12-2015 09:57 PM
بلاش أبدعت وبلاش شكر للراكوبة؟؟
لقد علقت مرات ومرات على عدد من المواضيع المطروحة في الراكوبة وتكلمت عن بذاءة عدد من الأشخاص الذين تنشر تعلقياتهم البذيئة.
نشر التعليقات البذيئة ليست من شيمنا
نشر التعليقات البذيئة ليست من أخلاقنا
نشر التعليقات البذيئة ليست من تربيتنا

يا أهل الراكوبة نفتخر ونفرح ونحتكم للنقد البناء
لا للإسفاف


متفرد ود أبو قمري


#1338465 [طارق حسن]
0.00/5 (0 صوت)

09-12-2015 02:50 PM
ابدعت استاذ صلاح شعيب والابداع دوماً لصيق بقول الحق والحقيقة .


#1338370 [الحلم المنتظر]
5.00/5 (3 صوت)

09-12-2015 11:11 AM
الاستاذ شعيب ...لما أقرأ في الراكوبة لاقلامكم أخجل انكم ولدتم سودانيين .. او انكم ولدتم في هذا العصر المادي البائس الذي يسطع فيه اسم الهندي وبغاث الطير

بغاث الطير اطولها رقابا..ولم تطل البزاة ولا الصقور
ضعاف الاسد اكثرها زئيرا ..واصرمها اللواتي لاتزير
وقد عظم البعير بغير لب ..فلم يستغن بالعظم البعير

نحمد لله وجود الراكوبة لنراكم وترونا ونسمعكم وتسمعونا فلاحوجة لنا بود البلال او غيرهم من الطبول الرخيصة...أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بادنى قاعه الدرر
وستشرق شمس الحق يوما..الحرية لوليد ولكل السودانيين الشرفاء ..التحية لاقلامكم الصادقة ..الخزي والعار لمن باع نفسه ووطنه


#1338063 [adam]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-2015 03:11 PM
شكرا للراكوبة دمدم صوتا للحق
قد ينتصر الباطل على المدى القصيرأحيانا ولاكن القح قطعا سينتصر في آخر المطاف


#1338005 [الحجازي]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-2015 12:16 PM
ياسلام يااستاذ صلاح شعيب علي هذه اارصانه كما عهدناك دائما


#1337835 [محمد سيد أحمد]
5.00/5 (3 صوت)

09-11-2015 12:41 AM
يا الهندي عز الدين او طفل الانابيب الصحفي شوف الاستاذه المحترفين بكتبو بمهنية عاليه وتعمق كيف ومتضامنين مع المظاليم وانت متضامن لي مع الخونة . حاول اتعلم منهم بدل تباري لي جداد فاطنة شاش وهلموجرا....وناس الضو وشعيب والباقر لامن ترجع ديمقرطية وست منستر ما بتقدر تنافس معاهم لو سامحناك ونظامك وممكن كمان تشتغل معاهم مرمطون بدل صحفي يا ارزقي


#1337563 [عشم باكر]
5.00/5 (3 صوت)

09-10-2015 01:57 PM
افلاس الحركة الاسلامية و فشل مشروعها الدماري يجعلها تكابر و لا تتجرأ لرؤية صورتها علي مرآة الراكوبة مما حدي بهم لاستغلال عاصفة الحزم و امداد القوات البرية لابتزاز المملكة بتسليم وليد الحسين و اسكات صوت الراكوبة !!! و لا شك بأن هذه الألاعيب لا تفوت علي فطنة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله و رعاه .. و هم الذين خادعوه من قبل بالتنصل من فكر الاخوان المسلمين و الايهام بقفل دور التشيع و الملحقيات الايرانية حتي جاءتهم عاصفة الحزم كمخرج من ورطة الانهيار الاقتصادي و اطالة عمر حكمهم لهثآ وراء الودائع الخليجية و ليس حبآ في انقاذ اليمن من براثن الحوثيين و ايران مع تأمين بلاد الحرمين الشريفين كما يدعون .


#1337533 [الطيب]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2015 01:05 PM
(والقنوات الفضائية الخاصة فهي أيضا "ملك يمين" للإسلاميين). كلام عظيم يتناسب وفكرهم


#1337517 [الهندي]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2015 12:25 PM
.


ردود على الهندي
[الصريح المكشر] 09-14-2015 06:20 AM
.


#1337485 [زول سوداني]
5.00/5 (3 صوت)

09-10-2015 11:42 AM
حقا ان الراكوبة تمثل الرئة التي يتنفس من خلالها كل الشعب المغيب عن ما يجري في بلاده من ماسي وفظاعات درج عليها المتاسلمون ..


ردود على زول سوداني
[ابو سعد] 09-10-2015 03:48 PM
حقا ان الراكوبة تمثل الرئة التي يتنفس من خلالها كل الشعب المغيب عن ما يجري في بلاده من ماسي وفظاعات



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (3 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة