الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
كتاب تونسي يحذر من تنامي شبح التطرف الديني
كتاب تونسي يحذر من تنامي شبح التطرف الديني


11-20-2015 10:53 PM

تظل الأحداث المؤثرة التي يعيشها الإنسان ترافقه أينما حلّ ومتى حلّ، ويزداد الشعور بقيمتها عندما يفارق المرء وطنه، إما اختيارا أو إجبارا، لذلك تبقى الذكريات تلحّ عليه في كل وقت، وحنينه إلى طفولته يكبر يوما بعد يوم، لذلك نرى الكاتبة التونسية، المقيمة في باريس، فوزية الزواري، تعود في عملها الجديد الموسوم بـ”لستُ ديامس”، إلى فترة أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، لتنقل إلينا روائيا ما عاشته في طفولتها وتوضح نظرتها إلى جملة من المسائل الحساسة التي رافقت ثورات العقول والقيم والأفكار التي عاشتها تونس، في سيرة ذاتية شيّقة وطريفة.

العرب حسونة المصباحي

نحن في بداية الستينات من القرن الماضي. بضع سنوات فقط كانت قد مرّت على حصول تونس على استقلالها. مع ذلك كانت البلاد تشهد تحوّلات هامة في مجالات مختلفة ومتعددة. فقد ألغي النظام الملكي ليعوّض بنظام جمهوري، واستكمل إنجاز الدستور الجديد للدولة الفتيّة.
وفي حفل أقيم في الجامعة الزيتونية، وبحضور عميد الأدب العربي طه حسين، والشيخ الفاضل بن عاشور، قام بورقيبة بنزع الحجاب عن طالبة ممهّدا لصدور مجلة الأحوال الشخصية التي أتاحت للمرأة التونسية التخلص من قيود التقاليد التي كانت تحكم عليها بالعيش خلف الأبواب المغلقة. ومعلنا أنه ليس باستطاعته أن يحكم شعبا أميّا وجاهلا. أصدر بورقيبة قرارا بتعميم التعليم وإجباريته، معطيا الأمر بإقامة مدارس حتى في المناطق التي كانت شبه مقطوعة عن العالم.

مرحلة الطفولة

في كتابها الجديد، الصادر حديثا باللغة الفرنسية، بعنوان “لستُ ديامس” (ديامس هي مغنية الراب الفرنسية الشهيرة التي أسلمت وتحجبت)، تعود الكاتبة التونسية فوزية الزواري إلى مرحلة أواخر الخمسينات وبدايات الستينات من القرن الماضي، لتصف لنا كيف عاشت وهي طفلة صغيرة تلك التحولات، التي سوف تغيّر في ما بعد وجه تونس لتجعل منها بلدا رائدا في العالم الإسلامي في مجال حرية المرأة.

وفي بداية كتابها تشير الزواري إلى أنها ولدت في بلدة صغيرة مفتوحة على الريف في منطقة الشمال الغربي المتاخمة للحدود مع الجزائر. وفي تلك البلدة الفقيرة التي تعيش من الزراعة ومن تربية المواشي، كانت التقاليد القديمة تتحكم في حياة الناس. وكان والدها شيخا رصينا. لذا شرعت في حفظ القرآن وهي في الخامسة من عمرها.

وفي ذلك الوقت كانت كلّ نساء البلدة محجبات. لذلك سوف تنتظر سنوات طويلة لكي ترى والدتها مكشوفة الرأس على سرير في المستشفى. وثمة حادثة لا تزال راسخة في ذاكرة فوزية حتى اليوم؛ ففي شهر يونيو من سنة 1960، وقد كان اليوم شديد الحرارة، وكانت أخواتها الثلاث مرتديات الزيّ المدرسي، وكل واحدة منهن كانت ماسكة بمحفظتها، ولما شاهدتهن أمها وهنّ على تلك الصورة التي تتنافى مع التقاليد التي تربت عليها، اغتاظت وطلبت من أخيها أن يساعدها لمنعهنّ من الذهاب إلى المدرسة، وهذا ما تمّ بالفعل.

ومنذ تلك اللحظة أدركت فوزية مدى فداحة الظلم المسلط على المرأة منذ نشأتها الأولى. لذلك قررت أن تتمرد لكي تفرض على عائلتها التقليدية مواصلة تعليمها حتى النهاية، متحدية كل المصاعب التي اعترضتها.

عندما تجاوزت الكاتبة فوزية الزواري سنّ العشرين، سافرت إلى باريس لتعيش تجربة الحياة في أوروبا، ولتحتك بالأوساط الثقافية الفرنسية مصدرة كتبا بلغة موليير تتناول فيها العديد من القضايا المتصلة بوضع المرأة المسلمة في هذه الفترة العصيبة التي يسعى فيها المتشددون الدينيّون إلى فرض الحجاب عليها، ومنعها من الحصول على حقّها في الحرية والكرامة.

العقول المتشددة

في مقدمة كتابها، تشير الزواري إلى أن ما حصل ويحصل عقب ما سمي بـ”الربيع العربي” هو الذي حثّها على تأليف “لست ديامس”. فقد استغل المتطرفون الأصوليون الفراغ الرهيب الذي حدث بعد انهيار الأنظمة في كل من تونس وليبيا ومصر لكي يسيطروا على المشهد السياسي، فارضين نفوذهم عليه، ومبرزين نواياهم المتمثلة في إعادة المجتمعات إلى الوراء، ونسف كل الحقوق التي حصلت عليها المرأة خلال الخمسين سنة الماضية.

من أجل إسلام يصالح بين المسلمين


وترى المؤلفة أن الظاهرة الأشدّ خطرا في الوقت الراهن هي استجابة العديد من النساء للدعوات التكفيرية والجهادية التي يطلقها المتطرفون الأصوليّون ليضعن الحجاب والنقاب، بل وليلتحقن بتنظيمات إرهابية في كل من سوريا والعراق.

والحقيقة أن هناك نساء أوروبيات أغرتهن الدعوات التكفيرية فرضخن لها هنّ أيضا. وهذا ما فعلته المغنية الفرنسية الشهيرة ديامس التي أعلنت إسلامها عام 2003. ولم تكتف بذلك بل أصبحت تدافع عن الأطروحات الأصولية المتطرفة. لذلك ترفض فوزية الزواري أن تكون شبيهة بالنساء اللاتي “خنّ” حقّ المرأة المسلمة في الحياة وفي الحرية والكرامة. وهي تفضل أن تنتسب إلى النساء اللاتي لن يترددن في الوقوف على خط المواجهة الساخنة لكي يتمكنّ من منع المتطرفين الأصوليين من تحقيق أهدافهم.

ومتحدثة عن ديامس، تكتب فوزية الزواري قائلة “ديامس ليست مجبرة على الإحساس بأنها معنية بروايتي العائلية، ولا بمساندة التونسيّات. غير أنه ليس باستطاعتها أن تستهين بتاريخ النساء العربيّات، وترمي به في المزبلة. وأنا أرغب في أن أبرز لها أن هذا التاريخ يقرأ كواقعة يتقاطع فيها الحجاب والسفور”.

وبالفعل تستعرض فوزية الزواري في كتابها سلسلة من النضالات النسائية في تونس وفي مصر وفي البعض من البلدان الأخرى، مشيدة بخصال وشجاعة رائدات التحرر ورواده أيضا. كما تخصص فوزية الزواري فصولا من كتابها للحديث عن أوضاع المهاجرين المسلمين في فرنسا، وفي بلدان أوروبية أخرى، وانسياق أعداد وفيرة منهم خلف التكفيريين والمتطرفين الأصوليين. وفي النهاية تعلن فوزية الزواري أن المعركة المصيرية الآن هي تلك التي تخاض ضدّ التطرف والعنف من أجل إسلام مستنير يصالح بين المسلمين، ويصالح أيضا بينهم وبين الشعوب والديانات الأخرى.

حسونة المصباحي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 579


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة