الأخبار
منوعات سودانية
"أوفيت وكفيت يا حوتة" كان يعطينا الدفء والفرح وينسى نفسه وهمومه الخاصة من أجل جمهوره العريض.. جاء ليمنحنا الفرح ردحاً من الزمان ثم ارتحل



01-17-2016 09:24 PM
الخرطوم - مدثر عمر قرجاج
بعد مرور ثلاثة أعوام على رحيل الفنان محمود عبد العزيز وهو في ريعان شبابه لازال هنالك سؤال يجول بخاطري: هل كان بإمكان محمود عبد العزيز أن يقدم أكثر من كل هذا الإبداع لو منحته الأقدار المزيد من السنوات كي يظل بيننا؟ سؤال ظل يسيطر على تفكيري منذ أن رحل حوت الغناء عن دنيانا وتركنا لكل هذا الألم، وأنا في خضم احزاني واهاتي على فقد هذا المبدع كان هذا السؤال يراودني في كل حين فتصيبني الحيرة والألم وأسترجع شريط الذكريات منذ أن تعرفت على محمود عبد العزيز كمعجب بصوته وفنه في منتصف تسعينيات القرن المنصرم، حينها كنت أرتاد حفلات الراحل في المكتبة القبطية وصالة الفروسية وغيرهما من الأماكن التي شهدت انطلاقته الأولى نحو النجومية والتوهج، كان الحوت مدهشا منذ ذلك الوقت ليس هذا فحسب بل كان عبقريا عرف كيف يستحوذ على قلوب الشباب لأنه لم يعتمد على صوته الفريد فقط بل استطاع بذكائه الفطري أن يأتي بكل ما هو جديد ومتجدد في الغناء فخلق لنفسه لونية مختلفة في طريقة الغناء وفي ملابسه الشبابية وتسريحة شعره وفي حضوره الطاغي على المسرح حتى أنني كنت كلما ذهبت ونظرت إليه وهو يعتلي المسرح بكل هذه التفاصيل الجميلة أتذكر إبراهيم عوض ذلك الفنان الذري الذي التف حوله كل الناس في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وتأثر به غالبية الشباب في كل شيء كان يفعله لأنه كان مبدعا حقيقيا ومتفردا.
جاء الجان إلى الساحة الفنية في توقيت وكأنه حادي الغناء المنتظر بعد أن جفت حقول الفن من المبدعين الجدد وتاه الفن والفنانون في تلك الأيام التي كان الغناء فيها أقرب إلى الموبقات منه إلى الفن، يومها انفض سامر الغناء الرفيع ليأتي الحوت بكل جبروته الغنائي متجاوزا كل المتاريس ومتخطيا لكل العقبات ومؤمنا بموهبته الأكيدة ليلتف حوله الجمهور ويرتوي الشباب من فيض إبداعه المتميز فصار هو الإمبراطور الذي يتربع على عرش الغناء ويمسك بتلابيب القلوب.
السؤال لازال يسيطر على تفكيري ويمنحني تلك الحيرة الغامضة، كنت أحاول منذ أن فارقنا الحبيب الغالي محمود عبد العزيز أن أتفحص وأتمعن في تلك الأغنيات التي اختارها من الحقيبة مرورا بتلك الأغاني التي غناها لمختلف كبار الفنانين فمنحها ألقاً غير طبيعي وجعلها تسترد مكانتها في قلوب الجماهير ونفض عنها غبار السنوات بحنجرته المذهلة فكان يختار هذه الأغنيات بدقة العارف والعالم بخبايا الفن والإبداع وعندما تشبع الجمهور من ذلك الفن الأصيل استطاع محمود أن يأتي بعدها بأغنياته الخاصة فوجدت قبولا غير طبيعي كأول أغنيات جديدة تجد هذا الحب والانتشار منذ سبعينيات القرن الماضي حين توقف إنتاج الغناء الجميل لسنوات طويلة وظللنا بعدها نجتر هذا الغناء العذب وكأن حواء الأغنية السودانية قد عقمت عن ولادة أغنيات جميلة، لكن استطاع الجان العجيب المذهل وحوت الغناء الكبير أن يعيد للأغنية السودانية الكثير من عافيتها وأصبح هنالك حراك فني بعد أن نفخ الحوت في روح الأغنية فبعث تلك الورش الغنائية من جديد واكتظت الصوالين التي كانت قد أغلقت منذ زمنا بعيد بشعراء وملحنين ومغنين شباب كانوا يضعون الحوت نصب أعينهم ويريدون أن يصلوا إلى ما وصل إليه ذلك الشاب اليافع المذهل ومن رحم فن محمود عبد العزيز وإبداعه الجميل ولد الكثير من المغنين الشباب وشقوا طريقهم وخلقوا قاعدة جماهرية والفضل في كل هذا يعود للحوت لأنه هو الذي تصدى واقتحم وفتح نوافذ الفن وجدد هواء الأغنية وفتح الباب على مصراعيه لكل الذين جاءوا من خلفه.
كنت متأكدا أن هذا السؤال المستعصي الذي حيرني لمدة ثلاثة أعوام تكمن إجابته فقط في قصة حياة محمود الإنسان والمغني وتوصلت إلى أن ما فعله محمود خلال سنواته القصيرة بمقياس الزمن والطويلة بموازين الإبداع لا يمكن لشخص عادي أن يفعله وأن يصل إلى هذه النجومية غير المسبوقة التي وصل إليها حوت الغناء لذلك أكاد أجزم بأن محمود قدم كل ما في وسعه ولو أمهلته الأقدار مائة عام فلن يستطيع أن يقدم أكثر مما قدمه على الصعيد الفني وهو الذي ظل لمدة سبعة عشر عاما أو يزيد يتربع على عرش الأغنية الشبابية دون منافس وحتى بعد رحيله لا زال هو النجم الأول دون منافس, مما لا شك فيه أننا كنا ولا نزال نحبه بعمق شديد لذلك حسرتنا عليه كانت كبيرة وتمنيناه أن يظل بجانبنا لسنوات قادمات فقد كان ملهمنا الوحيد وحبيب كل الشباب، كنا نحس بأن وجوده بيننا يمنحنا الطمأنينة والأمان على مستقبل الأغنية والإبداع، لكن عزاءنا الوحيد أن الحوت تغنى فأبدع وسطع فأذهل وكان قريبا من كل جمهوره فلمس قلوبهم فهو فنان عظيم وأب حنون وصديق شدّة وهو محب لفنه وعاشق لكل ما هو جميل، ترك محمود خلفه ملايين المحبين يدعون له وقلوبهم تئن من وجع هذا الفراق المبكر وحزنهم لا يتوقف، لأن القلب يحزن والعين تبكي على الأحباب ومحمود حبيب فوق العادة ومبدع لن يجود الزمان بمثله، لكن علي الرغم من ذلك علينا أن نسلم بقضاء الله ونشكر فضله لأن محمود عبد العزيز حالة إبداعية استثنائية جاءت إلينا بمقادير مكتوبة كي تعطينا فرحا حقيقيا وسعادة غامرة في سنوات معلومة وقد أدى الرسالة على أحسن ما يكون وأسعدنا وأمتعنا حتى في أحزانه وانهزاماته كان يعطينا الدفء والفرح وينسى نفسه وهمومه الخاصة من أجل جمهوره العريض، وليس بوسعنا شيء في ذكرى رحيله الثالثة سوى أن ندعو له ونترحم عليه وسيظل في وجدان هذا الشعب إلى الأبد.
اللهم ارحم محمود عبد العزيز وأسكنه الجنة وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وصحبة خير من صحبته وأجره وخفف عنه إنك على كل شيء قدير

اليوم التالي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1655

التعليقات
#1401643 [abu Mzin]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 09:32 AM
ادعو له بالرحمه بدل الاحتفالات التى لا تفيده استغفار له خير له وهو احوج ما يكون للدعاء له لو هذه الجموع المختشده استغفرت له كان افضل من هذا اللهم ارحمه واغفر له وارحم امواتنا واموات المسلمين


ردود على abu Mzin
[عتمني] 01-18-2016 01:04 PM
ممكن تقرأ آخر المقال يا استاذ ابو مازن



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة