الأخبار
أخبار إقليمية
أحداث ما بالداخل
أحداث ما بالداخل
أحداث ما بالداخل


02-11-2016 03:22 PM
خالد المساعد

تم إستيعاب مهمتنا العسكرية قسراً ونحن مجندي بالخدمة الوطنية التي أرغمتنا الأنظمة عليها .
قبل غروب الشمس ببضع دقائق عم الضجيج المعسكر وضربت صفارة الإستعداد ... أكملنا جاهزيتنا التي تتمثل في لبس ( الكاكي) وبأيادينا خراطيم مياه سود كقلوب الذين دربونا عليها .. وذلك بغرض فرض النفوذ و الجبروت والهيمنة وإرهاب القادمين .. كان ذلك ايذاناً لإستقبال وفود ( المستجدين ) الذين رماهم حظهم العاثر في أيادي من لايرحمهم .. والمقبوص عليهم في ساعة غفلة بنظام يسمى ( الكشة ) .
وجدوا أنفسهم داخل صناديق شاحنات ( دفارات ) شديدة الحراسة إفرغتهم في إحدى أسوار مناطق ام درمان العسكرية حتى يكتمل نصابهم ومن ثم حولتهم الى معسكرات التدريب الإلزامي .
ونحن في إستقبالهم بالورود ذات السيقان الطويلة السوداء . وإبتسامة عنوانها تطبيق الجباه وعبوس الوجوه ( مد البوز ) ... هكذا علمونا ان نستقبل ضيوفنا بكرم حاتمي عسكري .
جحافل من الشباب يعج بها المكان وتبدأ عملية التسليم والتسلم أشبه بعملية تجارة المواشي ذات الثلاث أضلاع ( التاجر - البهائم - المشتري ) ... تم حصر عدد الدفارات وعدد الموجودين بداخله الناتج هو العدد الكلي للمستجدين ورُفِع التمام .
أخلت (الدفارات) شحناتها ونحن نراجع وندقق في البضاعة ونحصر الأعداد بجردنا الفعلي ومطابقته مع المكتوب .. وحين تأكدنا من الصحة سمحنا لهم بالمغادرة ليجتهدوا في ملء معسكر آخر .
أجلسناهم بميدان فسيح ( جلسة عسكرية ) وأتوا اولئك المتحذلقين لإفراغ محاضراتهم بغرض غسل عقول الأبرياء بدرنهم ... وبعدها تتالى محاضرات التخويف والترهيب .. ومن ثم تم حصرهم كالخراف ( بالراس ) وإدخالهم في سور من الحديد والحصير إلى صبيحة اليوم التالي ولايسمح لهم بالخروج من هذه الحظيرة ولو دعت الضرورة لقضاء الحاجة يتم فعلها بالداخل في ( جردل ) وفي الصباح يحمله أحدهم لدورات المياه .
على هذا الإيقاع كل يوم إلى حين إنطلاق التدريبات العسكرية .
تم تجريدهم من زيهم المدني عدا ( الملابس الداخلية ) في مكتب يسمى بالأمانات لأخذها بعد نهاية المعسكر لكن الثمين منها غالباً ما يغتنمها ( مكتب الخيانات ) ...
وصُرِف لهم زيهم التدريبي من قماش الدمورية باللون ألأبيض الكامل وحذاء ( باتا ) صناعة سودانية .. ويمنع إرتداء غيره وذلك بغرض تميييزهم درءاً للهروب .
بعد بدء التدريبات تكون المهمة أكبر على عاتق ( التعلمجية ) فهم يجيدون فن إدخالهم جو الرعب والإرهاق فيأتوا إلى ثكناتهم لا يفكرون بشئ سوا النوم .
المعسكر منطقة خلوية ولايوجد به سور ورغم ذلك لايفكرون في الهروب .. كانت خيامنا منصوبة على أطرافه تشكل أبراج مراقبة بالنهار وفي الليل نتحول بالقرب من ثكناتهم ونشكل مجموعات كل مجموعة 5 أفراد وتستمر الخدمة بالتناوب حتى الصباح وهكذا دواليك .
في إحدى ساعات خدمتي مساء وأنا امسك بيدي كشاف ضوئي ( بطارية ) واداعب بها مايقال عنه ( الشيطان ابولمبة ) الذي لا أدري مدى صحته ولكنه فعلاً يبادلني إشارة الإضاءة ( نور طويل ونور قصير ) حكوا لنا الأقدمين أن هنالك عدة مواقف حصلت بطلها ( ابولمبة) يذكر في ذات مرة ذهبت خلفه إحدى سيارات الجيش ظناً منهم أنه مهرباً للمستجدين ظلوا يطاردونه حتى الصباح إلى أن وجدوا أنفسهم في بقعة نائية لم يشاهدوها من قبل ...
وأنا في خدمتي تلك وقوفاً أرى أحد المستجدين خارج الثكنات على بعد أمتار مني في طريقه للهروب ولكني تغافلت عنه لينعم بالحرية فكان هنالك آخر يراقب الموقف وأطلق العنان خلفه ولم يوفق ولكن أولي الخبرة سألوه عن الإتجاه فدلهم فهم يعلمون أن هذه المساحات الفارغة لايوجد مايتوارى به ذهبوا في إتجاهه وأتوا به ولما سألوه عن كيفية الخروج من الثكنات وجدوا أنه كان يحفر الرمال في شكل نفق كل يوم إلى أن أوصله للخارج ... أحببت فيه عزيمته وإصراره وجهده لأن هذا الجهد اذا بذل في الخارج سيكون فيه صلاح للمجتمع .. ولو كان الأمر بيدي لأفرجت عنه وكدت أن اتوسل لهم بإطلاقه ولكني خشيت أن يتهموني بالتواطؤ وعقوبته المهينة .. فهم قساة جبابرة عذبوه ليرهبوا إخوته .
كان القادة والخبراء يوجهوا ( التعلمجية ) بإرهاقهم خوفاً من التفكير في الهروب ... ولكن يبدوا أن هناك مخططاً محكماً نوقشت أوراقه داخل ثكنات المستجدين وأصبحوا يتحينون الزمان المناسب للتنفيذ مثل أولئك الذين يرسمون مخططات الإنقلابات على الحكومة ولكن الإختلاف في المحصلة فهؤلاء هدفهم الحرية ومعاودة ذويهم أما اولئك فهدفهم التربع في السلطة وكبت حريات الآخرين .
حانت ساعة التنفيذ .. في يوم عاصف تكاد الرؤيا أن تنعدم وإستحالت مواصلة تدريبات الميدان وتم صرفهم إلى ثكناتهم قبل الغروب ونحن عادةً نستلم أماكننا بعد الغروب .. وساعدهم أن في ذاك اليوم عددنا قليل لظروف نهاية الأسبوع ومعظمنا خرج ليعاود أهله ... كل الظروف مواتية لتنفيذ مخطط الهروب الجماعي والذي تخشاه قيادات المعسكر وتحذر منه .
كان إصرارهم وكرههم لحالهم بالمعسكر وظروفهم التي لا يعلمها إلا هم ودعواتهم في خلواتهم هي سلاحهم .. جاءت لحظة الصفر وعمت الفوضى المكان وضربت أطنابها الكل يركض بإتجاه طريق الحرية وفُقِدت السيطرة عليهم ونجح المخطط ..
وبفكرة إسعافية إنقاذية عسكرية من ذوي الخبرة تم تثبيت الذين بداخل العنابر والسيطرة عليهم إلى حين رسم خطة أخرى لإسترجاع الهاربين .
كنت اتأمل المشهد من زاوية خفية خوفاً على نفسي منهم فهم تولدت في أنفسهم ضغينة بكل ماهو متعلق بالمعسكر جراء سوء المعاملة ونحن أولهم .. ولكني في قرارة نفسي تعتريني السعادة وتمنيت لهم التوفيق .
بعد هدوء الموقف أتت التعليمات بالإستعداد لجلب أكبر عدد من الهاربين وتم توزيعنا كل 5 في سيارة ( تاتشر ) التي تدك الرمال دكا وتجعله هباءً منبثا ... وانطلقنا كلٍ في إتجاه لإعادة البهائم إلى الحظيرة .. كانت السيارات تروح وتأتي بشحناتها من المقبوض عليهم ... ونحن في رحلة بحثنا إذا بلون أبيض في الظلام الدامس إنه ( مستجد ) حاولوا الإنقضاض عليه ولكنه فاجأهم بعصا طويلة وممتلئة البطن ( عكاز ) والذي يمتلك مهارات القتال به بصورة مذهلة فيحركه يمنى ويسرى ومن فوق ومن تحت ودخل مع العساكر في تحدي صريح مع الإساءة بعبارات نابئة تشبههم فلذا أصروا على قبضه وإرجاعه المعسكر حقداً عليه وعلى كلماته التي تلفظها في حقهم (وكان لهم ذلك ) تطبيقاً لنظرية المثل ( الكثرة تغلب الشجاعة ) أوثقوا أرجله وأياديه بالحبال وأنهالوا عليه ضرباً ضرب من لا يرحم وأودعوه داخل السيارة ولكن المفاجأة المدهشة التي لم يتوقعوها لما أراد السائق تشغيل السيارة لم يدور المحرك ... أنزلوه وحالولوا تشغيلها فنجحوا وهكذا لعدة مرات فتأكد أن هذا العطب الذي يصيب السيارة له علاقة بهذا المستجد ... لحظتها إحتوني الدهشة وأنا أشاهد هذا المنظر .. إلا أن قام أحدهم بنزع تميمة كانت في أعلى يده ( ضراعه ) حتى تمكنا من الإنطلاق .. وإزداد حقدهم عليه وإزداد ضربه الى أن وصلنا المعسكر حيث الطابور العسكري والوقوف صمتاً ( إدارة داخلية ) لكل المستجدين وذلك تطبيقاً لمقولتهم ( الشر يعم والخير يخص ) ... وأرادوا أن ينتقموا منه أمام الملأ حيث قاموا بنزع ملابسه وتبقى ( سرواله ) فقط ليعرضوه البرد وصب الماء البارد ولكن ظهر تحت ملابسه أنه مدجج بالتمائمم وهنالك حصلت المواجهة الحقيقية فقال لهم : أنا لا أخاف منكم ولا أخشى بطشكم وضربكم وسياطكم هاتوا ما عندكم من أسلحة بيضاء ونارية فلن يمسني أذى ... بإشارة لتحدي واضح وصريح وعبارات واثقة وصوت جهور ... ونحن مشدوهين ونترقب ونصتنت وكأن على رؤوسنا الطير .
جاء خبير يعلم أسرار هذه الأشياء ويفك طلاسمها فطلب أن يحضروا له ( صحن ) وماء وشطة حمراء وعود لفه بقطعة من القماش وصار يحركها حتى إحمّر العود ثم قال إخلعوا سرواله ... ليدخل العود في دبره .. ولكن الفتى علم أن سر قوته قد كُشِف فتنازل بخلع التمائم وتم حرقها في فناء المعسكر وطُبقت في حقه كل الجزاءات العسكرية والتعذيب علناً ليكون عظة للآخرين وكنت حينها أتحاشى النظر إليه ولكنني شهدته حتى لحظة ركوبه الطائرة وتسفيره مناطق العمليات .
وهذا القليل من الكثير من أحداث ما بالداخل التي تتشمئز منها النفوس وتقشر لها الأبدان وتزكم الأنوف .. عفواً سادتي أصبتكم بآلام البطن التي أعانيها ولكني أشارككم الغثيان .


[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3383

التعليقات
#1414230 [بن عباس]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2016 11:02 PM
هذه جريمه مكتملة الشروط ولابد من العقاب من الترابى بالذات الى اصغر تعلمجى هامل وتافه .


#1413850 [AAA]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2016 07:39 PM
WOW, Its wonderful... the way you handled the issue


#1413643 [عبدالرحيم]
5.00/5 (3 صوت)

02-12-2016 05:44 AM
مقال جميل لانه وصف صادق لمسرحية على الطبيعة؟ اهذه هي الشريعة ؟اهذا هو الاسلام؟اما كان الافضل بدلا من الاستعداد للحرب ان نعد الناس للسلام وندربهم على الوئام؟ قلنا ان الكيزان تجار الحرب وتجار المياه العكرة لا يعيشون الا في المياه العكرة؟ اين السنوسي من مثل هذه الصورة الفظيعة؟
اين قطبي المهدي من مثل هذه الصورة الفظيعة؟
اين على عثمان من مثل هذه الصورة الفظيعة؟
اين علماء السلطان من مثل هذه الصورة الفظيعة؟
اين ناس شيخ عبد الحي والكاروي لماذا لا يطالبوا بمعاقبة الحكومة وكل من تسبب في قلع قلامة ظفر من الناس ؟ فالحقوق لا تضيع؟؟


#1413642 [منصور]
5.00/5 (3 صوت)

02-12-2016 05:34 AM
هؤلاء هم الاخوان المسلمين لمن لا زال يكابر و لا يرى ضؤ الشمس في الضحى.


#1413589 [الدولب سيف اليزل]
5.00/5 (2 صوت)

02-11-2016 10:19 PM
good khalid
Very nice article
I hope the author of the article all the facts listed in the collection of short stories
In order to uncover the facts of the disappeared
And who were killed in cold blood


#1413575 [زول]
5.00/5 (3 صوت)

02-11-2016 09:25 PM
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ...


#1413564 [ALIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIII]
5.00/5 (2 صوت)

02-11-2016 08:53 PM
ايام عجيبة عاني منها الطلاب قبض..جري.. سكسك ..قد سلك.. والي غيره من الامور العجيبة والتي عاناها ابنائنا الطلاب وغيرهم ايام الفورات الجهادية الجنونية والتي اتحفنا فيها الترابي بدجله وشعوذته المعهودة فزج بالالاف وفي النهاية قال عليهم ماتوا فطايس


#1413499 [زول..]
5.00/5 (2 صوت)

02-11-2016 05:58 PM
يا خالد متعتني بحلاوة الوصف أطال الله عمرك ، وأكثر ما أضحكني في مقالك هو تفريغك لمحتوى التدريب العسكري من معناه ليصير شيء بلا تعريف.

أتفق معك في أن التدريب العسكري للخدمة الوطنية كان تجربة مريرة للأسر والطلاب ولم يستفد منها الوطن شيء ، لكن التريب العسكري لا يخلو من المشقة وإلا لن يكون تدريباً عسكرياً....كل الأوطان تدرب بنيها على تحمل المشقة لأن العدو لن يكون رحيما معهم ولن يلاطفهم ثم يحاربهم وأنت الأدرى بحكم العمل.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (3 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة