الأخبار
منوعات سودانية
قرءاة اولية عن رواية الرحلة 797 الي فينا
قرءاة اولية عن رواية الرحلة 797 الي فينا


03-05-2016 04:55 PM
مختار حسن شحاتة
صدرت عن دار عين للنشر بالقاهرة، منذ أيام الرواية الأخيرة لكاتبها الشاعر والروائي والأستاذ الجامعي (د/ طارق الطيب)، ولمن لا يعرفه، ستتعرف إليه في تذييل الرواية بسيرته الذاتية، كواحد من المهاجرين العرب إلى فييينا، كما ستعرف أنه صاحب النخيل والنيل بروايتيه " مدن بلا نخيل" و"بيت النخيل"، إلى جانب منشورات أخرى بين الشعر والمجموعة القصصية والكتب النقدية، ومترجمات. (1). مصري من مواليد القاهرة، وتخرج في جامعة عين شمس كلية التجارة في 1981.
قراءة سريعة للرواية:
تبدا أحداث الرواية حين تمسك بها وتفض بلاستيك التغليف، لتقابلك لوحة الغلاف الرائعة، باختيار موفق، يصلح أن يكون مشهدًا ترتب له الرواية بكل أحداثها، وتتأكد من ذلك حين تستريح لسيجارة أو فنجان قهوة شاردًا مع الحكاية. الحقيقة أن صورة الغلاف/ اللوحة تذكرك بأخرى يجيء الإشارة إليها في الرواية ضمن إشارات فنية أخرى تنوعت ما بين المتاحف وأبنيتها، واللوحات والقطع الموسيقية، وحتى عروض الأوبرا "بحيرة البجع". فالقبلة على غلاف الرواية مدخلا رائعًا لأحداث رحلة "ليلى" –البطلة- والمنقسمة ما بين سردها وسرد البطل "آدم" فيروزي الطعم كما يبين وكما تكتشف. سيحدثك الطيب عن فلسفة القلة واختلافاتها في مشهد خاص يبرر لهذا الغلاف الرائع وما تلاه من سرد أدبي ممتع وشيّق، ويجعل منها حينا مدخلا للحديث عن تفاصيل المشاهد الجنسية والتى احتلت مساحة بقدر بغير ابتذال، ومارًا بالجسد وفلسفة المتعة وتقسيماتها، لتنتهي إلى مزج هذه المتعة بمتعة المحبة وجعلها أساسًا لا غنى عنه للحب، وهو ما صرح به "آدم" في رحلة "ليلى" الأخرى إلى فيينا، حيث كان ما بين جسديهما من لغة الصمت والكلام الكثير مما أبان ومما لم يبن.
بطلا الرواية:
يفتش البطلان –آدم وليلى- في جيوب الذاكرة طوال الرواية، ما بين الذكرى الشخصية تارة، وما بين الموروث والحكايات الشعبية، وقد يتناص في بعض المشاهد، أو يستلهم حادثة بعينها من تاريخنا وموروث سوداني أصيل، وهو ما بدا حين يحكي آدم كيف تحول اسمه من فيروز إلى آدم، وفيها كان الطيب شديد العذوبة حين يجتر من أساطير السودان الشعبية وحكايات النخيل. كما تصدمنا به ليلى حين تحكي لنا من سواقط طفولتها حول هذا المتأسلم " الراجل البركة"- صدمة متوقعة لمن قرأ تاريخ أمثال التاجر بعين فاحصة.
أثناء القراءة:
تبدأ في القراءة لتبدأ بعد صفحات في " فلاش باك"، تتماس فيه الخطوط وتتشابك وتتقاطع ليكتمل بناء الرواية في النهاية من بساطة هذا النسج الحرفي الرائع، والذي تميز به الطيب وتفوق فيه فتجد خطا طويلا للمرأة يتقاطع معه خط الطموح وخط الأحلام، ويتوازى مع خط الرجل، والذي تتقاطع معه خطوط عديدة أفلحت في مراوغتك فتقع في حبل بساطتها وسردها السلس المتقن. فليلي منذ الطلة الاولى لها تدهشك بجمالها ويدهش جمال الوصف –وهو كثير في الرواية- ويتحقق فيها المثل الشعبي "تشد العين"، وكلما تابعتَ معها رحلتها تذهلك نعومة التفاصيل البسيطة والمكرورة في واقعنا باستفاضة، حتى تورطك في نماذج من واقعك قد تخلع عليها من شبح "ليلى"، منذ لحظة بلوغها واكتشافها لدورتها الشهرية كطفلة تتخطي إلى مراهقتها، ومرورًا بواحدة من أخطر ما يُسكت عنه حين ترمى بحجر في فجيعة المجتمع الحقيقية المسماه "التحرش"، وكيف يصعب الأمر ويزداد قهرا للمرأة، وهو واقع يجلب العار على المجتمع بأسره، يفضحه الطيب ويقرر ألا يسكت عنه حين يكشف بحصافة وهدوء عن إزدواجية شخصية "ياسين" الأخ الأكبر للبطلة، وما يرمز لشريحة واسعة مما يجوز تسميتنا لهم بهؤلاء "الأنصاف"، ممن لم يفلح في أن يكون مثقفًا حقيقيًا وصادقًا مع نفسه ومجتمعه، ويكشف الطيب عن تلك الإزدواجية والضحالة إلى حد العفونة، فتصدر إلى المجتمعات شخوصًا لا مبدأ لهم غير أنويتهم، وطفحهم الإنساني، فتعاني منهم المجتمعات وخاصة المرأة أينما وجدوا.
كشف المستور:
يظل الطيب في إصرار يكشف عن كثير من المستور وراء الأبواب والأجساد، ويعطي نموذجًا آخر لهذا في شخصية الأخت الصغرى للبطلة، وكيف أثار ذلك "ليلى"، فقررت أن تتسق مع نفسها وأحلامها وطموحها وأن تقاوم وتحارب، لكنها سرعان ما تسقط في أول مواجهاتها فتفقد خطابات غرامها الأول للأبد، وتعكس نموذجًا جديدا من إزدواجية الرجل الشرقي، وما يمكن أن يسببه من حماقات نتاج تسرعه وشيفونيته ومرض ذكوريته الطاغي حتى النخاع، وهمه الأنوي والهش الذي يتدني به لأحقر الدرجات كما اتضح في علاقة "فاروق" زوج البطلة جسديا بالبطلة كزوج شرقي تزوج زواجًا تتكرر قصته كثيرا ونُصر أن نسكت عنها وعن خباياها الواضحة للعيان. وتستمر ليلى تعطي مثالا لتفاصيل من حيوات الملايين من قريناتها في الواقع العربي، ومعها يفرق الطيب بوضوح بين نماذج مباينة من خلال الام والعمة المتسلطة والاخت المنافقة، وكلهن ضحايا بدرجة ما لتلك الأنوية الذكورية، التى تمردت عليها ليلى او قررت.
يخلع "طارق الطيب" من اسمه بعض التفاصيل على بطلته "ليلى"، لاختيار الاسم أظن دلالة واضحة، وربما بنى –لى بشكل شخصي- استلهامًا لشخص "ليلى" محبوبة المجنون في تاريخنا العربي للمحبة والعشق، فيخلق تعاطفًا غير ممسوك مع البطلة بشكل ما، فطارق يطرق طرقًا خفيفًا على شخص "ليلى" المحبة التواقة لحب يهز كيانها، يدفعها أن تنتقم من كل ما حال دون مقابلته في واقع الحياة والزوج، في مغامرة جسدية سريعة تزيدك ارتباكًا بين التعاطف معها أو الحنق عليها مدفوعًا بثقافتنا العربية القاتمة نحو الزواج وعلاقات الأزواج الجسدية، وهو ما انتهى بها إلى هذا التمرد في محاولة يائسة لإدراك حلم الحبيب المرهف المشاعر حينا، والشبق بشهوته حين ترقص له حينًا آخر، وتستمر في سعيها نحوه حين تتعرف روحها أنه هو "آدم"، فتقرر أن تسامح كل الأخطاء والخطايا مثلما تعلمت منه في لقاء الإقرار علانية بهذا الحب والحبيب.
الطيب ومتعة الجنس:
أفرد الطيب مشاهد واسعة منذ الصفحة الاولى للحديث عن الجنس وما فيه من متعة لا تقف عند حدود الجسد وتفاصيله، بل يحاول بفلسفة ما أن يصل إلى تلك المتعة التى يمارسها كل عضو حين الفعل وقبله وما تلاه، وكيف يمكن أن يصير للجنس فلسفة خاصة. وكما قلت؛ فإن طارق الطيب خلع من اسمه على الرواية باستمرار حين يكشف عن مستور المرأة في المجتمع المنغلق، فمشاهد الجنس يطرقها طرقا رائعا ببلاغة ورصانة، وهو طرق طيب حقا، لا يُخجل قدر ما يُصالح ويُمتع الروح وتفاصيل الجسد، فتسمع حكي الجسدين في صمتهما، وتهفو روحك إلى ما انتشت به روح البطلين لحظة دخلا بحب إلى الفراش، وهو كما بدا لي- استمتاع لا يُخجل أصحاب نظريات "العيب"، و"الأدب والأخلاق"، فالرواية بدات بدلالات المشهد الجنسي بشكل رائع، وكادت في آخر أحداثها –سردًا- أن تنتهي به، وهو ما يُضيف لطقس الجنس متعة أخرى غير التي شرح وأسهب لها وفلسفها الطيب في حوارات الرواية بين آدم وليلى أو بين ليلى ونفسها.
شخوص وأرواح:
تبدو روح الشخصيات في الرواية قاعدة تحتية للبناء السردي، فأرواح الشخصيات بنى عليها الطيب كثيرًا في فلسفة الحديث عن المسكوت عنه في روايته كما رآه في مجتمعنا العربي، فروح الزوج "فاروق"، والتي ربما تكرهها مثلما تنافرت معها فكرهتها، ستبدو جلية بتفاصيلها ولو كانت المظلمة منها في تفاصيل الشخصية، وهو ما يبدو كذلك في روح العمة التي توحي بالصدامية والعنف والتشوش في مشهدين عابرين دالين دلالة عظيمة عن مسكوت محزن في هكذا روح، حين تزين الأختين، وتعبس متى بدا من "الدادا" تراخيا في مراقبة سلوكهما في الطريق من البيت إلى المدرسة والعكس. ويستمر في بناء هذه البُنى التحية لروح كل شخصية في الرواية، فيركن إلى فلسفة كاشفة لهذه الأرواح وما تخبر به من مستور داخلها، بخيره وجماله وطيبته، او بقبحه وشره وتشوهه، ويبدو ذلك في مشاهد حين تتحدث ليلى عن علاقتها بأختها، أو بأخيها ياسين، وكذلك حين يحكي آدم من سيرة جده وعائلته الأولى البعيدة، وكيف كانت الروح أساسًا لحركة البطلين، فتجد منها من تعارف ائتلف مثلما حدث بين ليلى وآدم وحكايات الجد في العطار وزواجه بقمر، ومنها من تنافر فاختلف وهو ما كان من علاقات ياسين بالكثير ممن ارتبط بهم ومنهم البطلة نفسها التي انتهت إلى رفضه جملة وتفصيلا بعدما بلغت روحه من التشوه حد الشفقة المصحوبة بالاشمئزاز في إزدواجية يوقعك فيها الكاتب ببراعة.
رسالة تم تمريرها ببراعة:
يمرر هكذا بسلاسة حكية ولغته البسيطة غير المعقدة، وما تستدعيه من صورة بلاغية متقنة، رسالة نحو القارىء، ربما اتخذت في بعض الحوارات شبهة الخطابة والمباشرة، وربما بعض التنظير الفلسفي غير المستهجن، حيث لعبة اللغة في تمرير ذلك بيسر وخفة على الروح، وهذا التنظير اللطيف لتلك الرسالة حول "المستور" أو "المسكوت عنه" جاء كثيرها على لسان آدم، وجعل ليلى تعيده عليه أو على نفسها، ليقع الكاتب في نفس الإشكالية التي حاول الانتصار مع ليلى عليها طوال الرواية، فجعل منها تابعًا لآدم ومنبهرًا بكل ما جاء، بينما كفاني ما شعرت به من محبة، أكثر مما استلهمته ليلى من عقل آدم، فهنا كانت المحبة عندى هي كل الحكاية، لا عقل آدم المنظر والمفلسف في كثير من الأحيان، والكاتب مع آدم ربما بنى شخصية تبدو كاملة متى ظهرت أمام ليلى في هكذا ضغوط نفسية وإحباط مجتمعي عظيم.
اختتم الطيب الرواية بمشهد يحمل تأويلات عديدة، ويفتح بابا من اللهفة التى تحث قلب وخيال القاريء على نهاية تلك الرحلة الحقيقية التي قامت بها ليلى ليس إلى فيينا بل إلى تاريخها الشخصى ومع نفسها في نفسها وحالها، وهي مراوغة رائعة.
بشكل عام وأخرًا:
جاءت الرواية مضبوطة وممتعة بشكل حرفي دقيق، لا تخلو من الإشارات المكانية والزمانية من خلال أغنية ما كما هو الحال في ص 222 بأغنية فيروز، وغيرها، كما خلت –تقريبا- من أخطاء الطباعة الإملائية، وللحقيقة لم يشغلني الإملاء قدر ما شغلني صرح المحبة الذي بناه طارق الطيب في روايته، والذي جاء راقيا لقراءتي لقواعد العشق وقبلها ساق البامبو، فجعلت أجزم ان المحبة رزق، لا يناله ولا يسعد بنوره إلا الساعون له، فقراءتي الأخيرة كانت المحبة قاسمها المشترك بأشكال وصور متباينة لكن مادتها واحدة، أكدت لي ان كتابات المحبة تلك والتي تمس شغاف قلوبنا الملتاعة إلى المحبة تسعد على قدر ما نقرا من محبة هؤلاء الأبطل، وما يخلفه كتابها من محبة لانفسهم في قلوبنا نحن القراء، وأنصح بقراءتها فمثل هكذا كتابات تجلو القلب بما فيها من ماء المحبة المقدس.
الحوار المتمدن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 645


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة