الأخبار
أخبار إقليمية
الترابي بين التفكير والتدمير
الترابي بين التفكير والتدمير
الترابي بين التفكير والتدمير


03-11-2016 11:00 AM
مجاهد عبدالله

الآن وبعد أن هدأت النفوس وقل النحيب وجفت الدموع وجرت شرعة الله في واحد من عباده بأجلها المحدود والمحتوم نقول مات الدكتور حسن عبدالله الترابي ومن قبل أمات هو نفسه أرض السودان البكر التي كانت تحفها العزة والكرامة والكبرياء في كل مليونها الميلي المربع وكما كانت تظهر في وجوه أبناء الشعب الأبي. أمات السودان وذلك بأن صك له من العملات البشرية ما لم تسمع به أذن أو رأته عين من تلاميذه، وما لا يمكن أن تجود حواء السودان بمثلهم في حين آخر غير الذي فات في فسادهم وإفسادهم، وفي ظُلمهم وإظلامهم وفي جرمهم وإجرامهم. أرضعهم الغل والحسد والذل والمذلة من فكر أعتقد فيه تلاميذه وكأنه لا ينطق عن الهوى، أنبتهم في غير واقع شعبهم عبر تربية صارمة أعادت تخلّقهم من غير فطرتهم البشرية وسكب لهم من سموم الكراهية لكل ما هو خارج مصالحهم ولذلك لا يمكن أن يكونوا كبقية أبناء شعبهم الأبي في شموخهم وعزتهم، وفي إقرارهم الضيف أو مساندة المظلوم والضعيف ولا يمكن أن يكونوا كما قالت الشاعرة أم كلثوم في خال فاطنة:

يا خريف الرتوع – أبو شقة قمر السبوع
فوق بيتو بسند الجوع – ياقشاش الدموع
ولهذا وكل ما جرى في أرض السودان منذ الإنقلاب المشؤوم وحتى أن يحين موعد فناءه فهو مسئول عنه سواء أن كان مقبوراً و غير مقبور، حيث أن الله حرم الظلم على نفسه وما وقع من ظلم وإظلام على أبناء هذا الشعب نتاج العصبة الحاكمة هو مسئولية من ربى وخطط وكذب وأمر بالسلطان لمن يذهب للقصر رئيساً. ولن يستطيع كائن من كان أن يرفع عاتق هذه المسئولية عن رقبته ، حيث لم يعتذر عنها في دنياه، ولن يستطيع التخلص منها في برزخه، وفي الأخرة ربنا موجود وأول ما يقضي فيه الصلاة والدماء، وكم من الدماء التي جرت تحت عاتق تلك المسئولية.

وهذه المسئولية تقودنا لأصل هذه التربية والإنبات الشيطاني الذي خلّفه، حيث لا يمكن الحديث عن الترابي او فكره دون اصطحاب فعله ولا يمكن الحديث عن مستوي التنظير الذي في كتبه ومحاضراته وندواته دون دراسة الواقع الذي اسقط عليه جملة هذه التفاكير وكل ما كتبه الترابي ونظّر فيه على المستويين الاخلاقي والديني كان يقصد به مجموعة محددة من البشر، لها صفات وإتجاه واحد في العقيدة والعقد والتعاقد وهو ان يكونوا علي المستوى الديني مسلمين في العقيدة، وداخل ذلك ان يكونوا في المستوى السياسي جماعات اسلام سياسي في العقد، حيث ان فكره او فكر كل جماعات الاسلام السياسي لا تقبل التنوع في الربوبية والعقدية ، وهو إستناد ديني بمفهوم مغلوط للاحكام الشرعية. ولا تقبل كذلك الرأي الآخر السياسي او الديني سواء ان صدر من كاهن الدين صاحب الصورة النمطية او عالم الدين الغير ملتحي، كما يجب أن تكون هذه المجموعة من أصحاب البيعة والولاء والبراء لهذه الأفكار وليس للإسلام وهذا من ناحية التعاقد.

ولذلك فأن الأفكار التي كان يبثها الترابي كان القصد منها هذه الجماعات عقيدةً وبهذه الصفات عقداً وبذلك التحديد وتلك البيعة تعاقداً، وليس شعب متعدد أعراقه وأديانه وأعرافه وثقافاته كشعب السودان العريق، ولذلك ان أفكار الترابي لقت حظها من الإسقاط والتجريب على المستوى الداخلي للسودان ولكن دون شرعية تمليها الضرورة الإجتماعية، حيث أن وجود الدولة ليس ضرورة دينية أو سياسية وإنما ضرورة إجتماعية تستوعب كل التنوعات المخلوقة أصلاً والمتخلقة تطوراً من تفاعلاتها داخلها، ولهذا إستبدل الترابي شرعية الحق بشرعة الغاب وقاد إنقلاب يونيو المشؤوم، وأسقط هو وتلاميذه ما تعاقدوا وتربوا وتنبتوا عليه من أفكار كان منها ما تم من سحل وتعذيب وتشريد لكثير من قطاعات وأبناء الشعب الكريم، تارةً ما أملته ضرورة الولاء والبراء للأفكار، وآخري ما أملته ضرورة التمكين للدولة، ولذلك ومنذ يونيو إنهالت أفكار الترابي تتنزل كالسيول الهدامة على شعب السودان وليت كانت هذه السيول طافت داخل جغرافيتها فقط بل تعدت للمستوى الإقليمي والدولي.

داخليا عانى السودان من مشاريع الأسلمة المتلاحقة وتأجيج الحروب مع الأخر الغير ديني وهو ما أملته ضرورة عدم إستيعاب أفكاره للتنوع الديني، وهو ما أفضى بالسودان منقسماً لدولتين وهل من مزيد.وكذلك مشاريع الإهلاك الإقتصادي والتفقير المنظم للمواطن عبر سياسة التشريد التي أوسموها بالصالح العام نتاج عدم مشاركة هذا الأخر الملي الغير محسوب على أهل العقد، وأما الخارجين عن ثوب التعاقد فطالهم القتل والسحل والتعذيب دون رأفة. وكما سبق الذكر أن مشروع الترابي لم يكن بمقياس شعب السودان فقط ولأن مقياس هذا الشعب أكبر بكثير من مثل هذه الأفكار المعطوبة فقد تعدى بها لما جاور السودان عسى ولعل أن يتحقق حلم إسقاطه للمشروع وتدويله تحقيقاً لتنشئة المجتمع الذي أراده والذي يجب أن يكون ملتزماً بنهجه هو لا بنهج الإسلام ،ومبايعاً له بشرعة الغاب لا بشرعية الحق. وجاءت إسقاطاته الإقليمية كتدخلاته في تصدير ثورته والتي أتت وبالاً على نسيج بعض شعوب دول الجوار - ارتيريا مثالاً –، وشروخ كبيرة لا يمكن تضميدها مع دول آخرى ما زال السودان يعاني منها. وعلى المستوى الدولى حضن الترابي كل من شكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، وفتح أذرع الخرطوم المغتصبة عبره وتلاميذه لكثير ممن تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء على المستوى الدولى، وجرّ على السودان وبالاً وهو دعم ورعاية الإرهاب، وأدخل السودان والشعب السوداني في نظر كثير من الدول في جحرُ ضب ٍ خربٍ، فتصدرنا قوائم الدول الصناعية الكبرى في قوائم الإرهاب وحُرم الشعب السوداني من أبسط أبجديات التطور والتقدم حتى في مستواه الصحي.

ولذلك عمد الترابي للمفاصلة بعد أن تبين له فشل مشروعه على كافة المستويات التي إنطلق نحوها، عساه أن يجد مخرجاً آخر لتنظيره بعد أن إستحكم بعض أبناءه بالسلطة وصاروا عاضين على كراسي هذه السلطة التي مكنهم هو منها بالنواجذ والأنياب. وظنّ أن المعبد سوف يتهدم على رؤوسهم، وفي غفلة منه نسي أن تمكينه الأول في التنظير ترك من المساحة لأهل العقيدة من التخلق والإنتشار، وهي نفس الجماعات التي حافظت على سلطة كراسي الأبناء العّاقين لشيخهم، ولم ينجرّوا خلف الشيخ عندما إبتعد من أبنائه، بل وجدوا من المساحات ما سمح لهم بتكفيره في الشوارع والميادين العامة. وهو ما يُظهر أن ما بناه الشيخ من بنات أفكاره لم يتعد إتساقها مع الدين والأخلاق أي مؤامة، وظهر ذلك في أول شرخ حدث بينه وأبنائه الذين سكب جل عمره عليهم يربيهم حتى صاروا كالأفاعي، ولدغوه من ذات السموم التي أنشأهم عليها وغذاهم بها في أول منعطف لخلعهم من كراسيهم.

أن واقع اليوم وبعد المفاصلة الشهيرة التي إتخذها تلاميذه معه لن تعفي المسؤولية التاريخية من عاتق الشيخ وأفكاره وبنيانه الذي رصاه، ولن تحيل عن رقبته ما جار بكثير من أبناء هذا الشعب من الأموات والأحياء، فهو لم يعتذر ولم يظهر له أحد منهم بصفحٍ. وحتى لا يأتي من يتنطع بعدم مسئولية الشيخ عن ما حل بشعب السودان نحيله لحكمة عمر بن الخطاب في هذا الأثر الذي جاء فيه أنه في أحد الأيام أحضروا لعمر غلماناً قد سرقوا ناقة رجل، ورآهم عمر وأجسامهم ضئيلة وهزيلة، والبؤس بادٍ عليهم، ووجوههم صفراء، فأحضر سيدهم وقال له ( لقد كدت أعاقبهم لولا علمي أنك تجيعهم، فلما جاعوا سرقوا، ولن أعاقبهم بل أعاقبك أنت، وعليك أن تقوم بدفع ثمنها إلى الرجل )، وقال للغلمان (اذهبوا ولا تعودوا لمثل هذا مرة ثانية).

مجاهد عبدالله
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 5914

التعليقات
#1427109 [عبدوش]
5.00/5 (1 صوت)

03-12-2016 11:38 AM
بادي ذي بدأ فكرة المفاصلة مسرحية ضعيفة السناريو والاخراج . ولو كانت حقيقية فهي نتيجة تربية المتشيخ لابناءه . فاذا ربينا اولادنا على المكر والخداع ماذا ننتظر منهم ؟؟؟؟؟ ز
النميري الله لا يرحمو عندما فاصل الشيوعين أتى بالمتأسلمين ( وهذه مفاصلة حقيقة ) عندما فاصل المتأسلمين بمن أتو ؟ لم يأتو بأحد بل أستمر نظام حكمهم حتى بعد وفأة المتشيخ أكتفو فقط بأبعاد شكلي للمتشيخ عن الصورة وفي الواقع أستمر النظام على حاله حتى بعد وفأته . والى أن يرحم الله السودانين بنهاية هذا النظام .واكاد اجزم انا المتشيخ الله لا يرحمو مات وهو الرئيس الفعلي للسودان . بمعنى ان السودان في يوم السبت السعيد فقد رئيسه الفعلي . ولا ندري من هو الرئيس الذي سيخلفه . واهم من يظن ان العسكري البليد هو رئيس السودان . الاجابة على سوالي من يحكم السودان بعد الترابي وأن يراها البعض بسيطة الا أنها معقدة وأرجو الا يخيب ظني في أنها ستودي الى نهاية حكم الطغاة .


#1427097 [مندهش]
4.75/5 (3 صوت)

03-12-2016 11:03 AM
لقد مات الترابي فاليفرح من يفرح وليحزن من يحزن فالواجب علي الشعب السوداني الحر كنس اثار الترابي النتنة


#1427079 [ايدام]
1.00/5 (1 صوت)

03-12-2016 10:23 AM
و الله ي علمانيين اكتويتم بنيران الشيخ لان بفكره فقط قضى عليكم تمام فى ارض السودان مما جعلكم فاقدى البوصلة ( سب و شتم و طعن و لعن و و و ) حتى بعد مماته , صدقونى لا مكانة لكم فى ارض السودان لان الشيخ مات بجسدة و لكنه بااااااقى بفكرة الى يوم البعث لان الفكر القرانى المتمثل فى التفسير التوحيدى هو صالح لكل زمان ومكان و بالتالى لا مفر لكم الا المواصلة فى الشتم و اللعن , و قديما قالوا الكلاب بتنبح و الجمال ماااااااشة


ردود على ايدام
[SESE] 03-12-2016 07:21 PM
في التاريخ ظهر مفكرون حقيقيون ولكنهم اتهموا بالزنقة والافك والكذب ولقوا حتفهم نتيجة فكرهم الذي يفهمه الناس في زمانهم وقد اتضح صدقهم بعد مرور القرون مثل مايكل انجلو وليوناردو دافنشي وغيرهم وبالمثل قد ظهر زناقه وافاكون مضللون في زمان الرعاع والرجرجة فعاثوا في الارض فسادا حتى اهلكوا الزرع والضرع وافنوانا عابد الله بالملايين وقد عاشوا حتى بلغوا ارزل العمر لأنهم لم يجدوا سلطنا يقف امامهم بسيفه فملأوا الارض فسادا وزندقة وافك وكذب وافتراء ......

[AA] 03-12-2016 06:34 PM
لم يقضى شيخك على احد بفكره المزعوم انما بالانقلاب حاول ذلك ولم يفلح. اما قولك ( التفسير التوحيدى هو صالح لكل زمان ومكان) فهو تألّي وتأله يبين مدى جهلك .. وشِركك .

United States [حاجي تشقند] 03-12-2016 05:33 PM
ياحاجي منو القال ليك المتداخلين ديل علمانيين ! بس داير اقول ليك لن تقوم للاخوان المسلمين قائمة واضرب راسك في الحيط

United States [حاجي تشقند] 03-12-2016 02:21 PM
ومنو القال ليك علمانيين ده دليل علي سطحية فهم الكيزان احفاد مسيلمة الكذاب

[وليد دارفور] 03-12-2016 02:04 PM
أخي ايدام صدقت عندما قلت لا مكان لكم في ارض السودان لأن شيخك علمك الإقصاء من خلال دروس التمكين و علمك كيف تظلم البشر و تسلبهم حقوقهم من خلال فكره الشيطاني. هدانا الله و اياكم و نسال الله أن يجنب العباد و البلاد شركم

[عبدوش] 03-12-2016 12:53 PM
يا أخي ايدام كيف قضى المتشيخ على العلمانين كما زعمت ؟؟ انا هنا لست علماني ولا أداغع عنهم . لكن ما فعله المتشبخ اكبر دعاية قدمها للعلمانين وحنى للا ديين . وحتى لليهود . ما فعله المتشيخ اساء للأسلام وحارب الدين لصالح حتى اليهود . والله فكر المتشيخ مات قبل أن يموت هو . ولو كنت اسلامي حقيقي وحريص على الدين كنت عرفت هذه الحقيقة .


#1427038 [agadir]
2.00/5 (1 صوت)

03-12-2016 07:14 AM
كل تلاميذه يقلدونه فى كل شئ
وسنظل لفتره طويله نستمع الى نفس الكلمات
..نحسب ونحسب
لكن الضحكه فى اوقات الحزن ولانها تنافى
طبيعة البشر فهى عصية على المقلدين الدراويش
ان شاء الله ونحسبها صعبه


#1426882 [بن عباس]
4.75/5 (4 صوت)

03-11-2016 02:16 PM
بوركت يا اخى الكريم .
الترابى وشيعته لا يشبهون السودانيين أبدا وهو الان بين يدى من خلقه فسواه فعدله ولسوف يجد لك ما ذكرتم محضرا ولن يستطيع ان يخادع الله كما خدعنا .
فله الحمد والمنه .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (3 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة