الأخبار
منوعات سودانية
ود راوة.. خضرجي المشاهير.. رحل أول أمس
ود راوة.. خضرجي المشاهير.. رحل أول أمس
ود راوة.. خضرجي المشاهير.. رحل أول أمس


03-19-2016 05:08 PM
الخرطوم - محمد عبد الباقي
اعتاد أن يجلس ساهماً، لا يتحدث إلا مع قلة من الناس يعرفهم بأسمائهم، يعرض سلعته التي تتكون في أحسن أحوالها من صفيحة طماطم وقليل من البصل الأخضر والشطة وشيء من الفلفل والجزر، ينهمك بين الحين والآخر في أحاديث ذات طابع خصوصي مع بعض زبائنه الذين يرتادون محله المتواضع للغاية. لا أحد يعلم عنه كيف يبدأ يومه أو ينهيه، حتى هو نفسه لا يذهب بعيداً في رسم مساره الذي يسلكه عندما يغادر مكان عمله الذي حط به رحاله أول مرة في العام 1950م، ولم يغادره حتى اليوم، ولكنه دائماً يشير باقتضاب نحو مبنى (المرشدات) الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى الحقبة المايوية مقراً للمرشدات، ولا يزال يؤدي أدواراً مختلفة. فيقسم (آدم أرباب آدم) الشهير بـ (ود راوة) أن خطواته لا تتجاوز السعي بين تربيزته التي يبيع عليها الخضار ومبنى المرشدات الذي يتولى حراسته إلا في اتجاه قريته (ود راوة) التي أصبح يعرف باسمها في منطقة الخرطوم شرق على الأقل، وهو المكان الذي قضى به شبابه، وينتظر أن يكمل كهولته فيه، إلا أن القدر اختار له طريقاً رابعاً فرحل عن الدنيا بهدوء أول أمس.
الشاهد الصامت
يبدو أمره مريباً من النظرة الأولى، رجل أحاطته الشيخوخة بسياجها القوي، فكاد جسده أن يتهاوى من ثقل سنوات عمره المديد، ولكن من خلال تبادل كلمات معدودة معه يتبين أنه لا يعترف بهزيمة الدهر ولا يستسلم للشيخوخة، مهما أحكمت قبضتها، فجسده الهزيل ينضح بالشباب والحماس، ولهذا تتقد ذاكرته بأحداث جسام شهدتها الخرطوم، فتارة يحكي ذكريات وتاريخ موغل في القِدم، عندما كانت الخرطوم شرق عبارة عن عدد محدود من المنازل يقطنها أفراد معروفون لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يخرجون لأماكن عملهم صباحاً ويعودون في المساء عبر طرق نظيفة وخالية من أكوام النفايات وطفح مخلفات الصرف الصحي. وتارة يشير إلى أن الحياة في الخرطوم عقب الاستقلال كانت تتميز بالرخاء، وأن المدينة نفسها كانت نظيفة وراقية وتسير حياتها على الوتيرة الإنجليزية فلا يتقدم شيء عن أوانه ولا يتأخر، عكس ما يحدث فيها اليوم من هرج ومرج في كل ضروب الحياة المختلفة.
حياة الترحال
و(آدم الأرباب) فتح عينيه على السفر بحسب وصفه، فانطلق لأول مرة مسافرا في أنحاء السودان، وكان حينها عمره لم يتجاوز الثامنة عشرة، فجاب المدن والمديريات إلى أن استقر به المقام بمكانه الحالي في العام 1950م، فعمل موظفاً بوزارة الثقافة مصلحة الجنائن والبساتين مشرفاً على عدد من المواقع ضمنها مقر المرشدات الذي كان يضم بدوره روضة يدرس بها كل أطفال، فتوزع ما بين العمل في بساتين ومشاتل الوزارة عندما كان بالوزارات الحكومية مسؤولين يمنحون منشط مثل غرس وتشجيب الأشجار أهمية قصوى، ويبين (ود راوة) أنه من خلال عمله في البساتين لم يكن وحده من نال تلك الوظيفة، بل كان معه العشرات يشرفون على المشاتل والحدائق بمدن العاصمة المختلفة، فكان نصيبه هو الإشراف على حدائق الخرطوم شرق، وضمنها حديقة مبنى المرشدات الذي اتخذه مسكناً له بعد إحالته للمعاش، فأصبح يشرف على الروضة المحلقة بالمبنى، وبجانب إشرافه على تلاميذ الروضة كاد لمهنته التي كان يمارسها في بواكير شبابه، فأنشاء له تربيزة لبيع الخضروات جوار المبني، وثقت عرى صداقته بالناس وجعلت الكثير منهم يزورونه لا لشراء ما يحتاجونه فقط، إنما لتبادل الحديث والمزح معه.
السير على الدروب المتعرجة
بالتأكيد ليس (ود راوة) وحده من الذين عاصروا حقبة الخمسينيات، ولكنه وحده الذي عاش الحياة من أسفلها، إذ عمل في الأسواق ومشى بين الناس، ولهذا وحده الذي يمكنه أن يرسم مشهداً صادقاً لتلك الحقبة التي كانت فيها مزارع العيلفون وتوتي تسد حاجة سكان الخرطوم من الخضروات والفواكهة، ومن خلال عمله قبل أن يلتحق بوزارة الثقافة يقول: (ود راوة) أنه عمل بسوق الخضار وسط الخرطوم الذي كان يطلق عليه حينها بـ (زنك الخضار) الذي يشترى منه كل سكان الخرطوم حتى الأزهري كان يزور ذلك السوق -بحسب وصفه-. ويضيف: في تلك الحقبة كان المواطنون يشترون حاجاتهم في الفترة الصباحية، وفي نهاية اليوم لا يجد المزارعون من يشتري منهم بضاعتهم، فيضطرون إلى (دفقها) في وسط السوق ليأتي الفقراء على قلتهم فيأخذوا كفايتهم دون أن يدفعوا قرشاً واحداً، وكان سعر صفيحة الطماطم خمسة قروش فقط، ورغم ذلك كان المزارع يجني فوائد كبيرة لعدم غلاء مدخلات الإنتاج، وكذلك يستفيد كثيراً التجار الذين يشترون من المزارع، ولم يكن أي منهم يواجه صعوبة في العيش على عكس ما يحدث الآن من مصاعب في الحياة جعلته يعود ثانية لمهنة امتهنها قبل نصف قرن من الزمان، ولكنه لا زال يطمح في أن يتفضل عليه معتمد الخرطوم (عمر نمر) الذي وصفه بنصير الضعفاء بأن يتفضل عليه بكشك يجنبه المصاعب التي يتعرض لها كلما جاءت كشة لتزيل التربيزة التي تُعد آخر ما يمتلكه.. (اليوم التالي) تعيد نشر المادة وفاءً لرحيل رجل مكافح عاش فقيراً ومات فقيراً

اليوم التالي


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 3298

التعليقات
#1431476 [أبو محمد البكري]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2016 03:46 PM
اللهم اغفر له وأرحمه .


#1431270 [زول]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2016 11:00 AM
الهم ارحمة واغفر له واجعل مثواة الجنة


#1431264 [اخ تقرصو ميرم الكضابة]
5.00/5 (1 صوت)

03-20-2016 10:53 AM
" ود راوة.. خضرجي المشاهير.. رحل أول أمس"
اها درمة ابوجلابية خضراء ماجاء دفنو؟


#1431043 [حسن حميدة]
5.00/5 (2 صوت)

03-19-2016 10:01 PM
... اللهم ارحمه واغفر له وتقبله قبولا حسنا. إنا لله وإنا اليه راجعون ...


#1431006 [Ema]
5.00/5 (2 صوت)

03-19-2016 07:56 PM
دار المرشدات بالخرطوم شرق انشئت من زمن الإنجليز وليس فى عهد مايو
له الرحمة والمغفرة



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة