في



الأخبار
أخبار السودان
دروس إنتفاضة مارس - ابريل 1985م
دروس إنتفاضة مارس - ابريل 1985م
دروس إنتفاضة مارس - ابريل 1985م


04-06-2016 09:24 AM
تاج السر عثمان بابو

تهل علينا الذكري ال31 لانتفاضة مارس- ابريل 1985م، في ظروف تعيش البلاد الاوضاع نفسها، وبشكل اعمق واوسع، التي فجرت الانتفاضة..
وشأنها شأن التجارب الثورية التي خاضها شعب السودان فان انتفاضة مارس- ابريل 1985 تستحق الدراسة والتأمل واستخلاص دروسها، خاصة وأنه تبرز اصوات حاليا ، تقلل من أهميتها ، وتطمس معالمها بوصفها أنها كانت انفجارا عابرا ،أي ليست انفجارا لتراكم نضالي طويل خاضته كل القوي السياسية والنقابية والاجتماعية التي كانت تصارع ضد حكم الفرد الديكتاتوري الشمولي.
*طبيعة نظام النميري:
منذ قيام انقلاب 25 مايو 1969م، الذي بدأ بشعارات يسارية وانتهي باسلامية، تمت مصادرة الحريات والحقوق الديمقراطية كما وضح من الأوامر الجمهورية الأولي، وبعد ردة 22 يوليو 1971م، فرض نظام الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي السوداني)، بعد حل كل الأحزاب السياسية، وقام نظام شمولي اصبحت فيه كل مجالس الشعب ولجان تطوير القري والنقابات والاتحادات تابعة للسلطة، واقامة انتخابات مزوّرة مثل: استفتاءات رئاسة الجمهورية التي كان يفوز فيها النميري بنسبة 98%!!!، اضافة لتنظيمات الشباب والنساء والسلام والصداقة مع الشعوب التي اصبحت بدورها أقمار تابعة للسلطة، بعد حل المنظمات الديمقراطية. وتم حماية هذا النظام ببناء اضخم جهاز أمن علي احدث الأسس في وسط وشرق افريقيا، اضافة الي ترسانة من القوانين المقيدة للحريات مثل: الأوامر الجمهورية، قانون أمن الدولة، قانون ممارسة الحقوق السياسية 1974م، تعديلات الدستور في 1975م، قوانين سبتمبر 1983م..الخ. ولكن رغم تلك الترسانة من القوانين المقيدة للحريات وضراوة وقهر جهاز الأمن ، والآلة الدعائية الضخمة التي كانت تعني "بغسيل المخ"، وتصور أن تاريخ السودان يبدأ ب 25 مايو 1969م، و كانت تركز علي استحالة تكرار تجربة الاضراب السياسي العام في اكتوبر 1964م ، وانه لايوجد بديل غير نظام مايو، وأن الأحزاب انتهت، وأنه اذا ذهب النظام فسوف تعود الطائفية وتعاني البلاد من الفرقة والتمزق، والهجوم المتواصل علي الاحزاب، وهي النغمة نفسها التي نسمعها الآن تحت ظل نظام الانقاذ.
* تصاعد المقاومة لنظام النميري:
لم تكن انتفاضة مارس- ابريل 1985م حدثا عفويا عابرا ، وانما كانت نتاجا لتراكم المقاومة المتواصلة العسكرية والجماهيرية ، فمنذ قيام انقلاب 25 مايو 1969م الذي صادر الحقوق والحريات الديمقراطية واجه النظام علي سبيل المثال لا الحصر أشكال المقاومة الآتية:
- مقاومة الانصار في الجزيرة ابا والتي قمعها النظام عسكريا بوحشية ودموية، عبرت عن هلع وضعف الديكتاتورية العسكرية.
- مقاومة ضباط 19 يوليو 1971م الذي اطاح بحكم الفرد ، وبعد الفشل ، اعدم النظام قادة 19 يوليو العسكريين: الرائد هاشم العطا و المقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمدالله وغيرهم من العسكريين البواسل ، وقادة الحزب الشيوعي: عبد الخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وجوزيف قرنق، واعتقال وتشريد الالاف من الشيوعيين والديمقراطيين بعد يوليو 1971م.
- وبعد ردة يوليو 1971م، تواصلت المقاومة الجماهيرية، وكانت مظاهرات واعتصامات طلاب المدارس الصناعية عام 1972، والمظاهرات ضد زيادات السكر في مايو 1973م ، والتي اجبرت النظام علي التراجع عنها، كما انفجرت انتفاضة اغسطس 1973م والتي قادها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وبعض النقابات. وفي العام 1974م كانت هناك مظاهرات طلاب كلية الطب في الاحتفال باليوبيل الفضي ضد السفاح نميري، واعتصام طلاب جامعة الخرطوم في ديسمبر 1973م، من اجل عودة الاتحاد الذي تم حله، واطلاق سراح المعتقلين وحرية النشاط السياسي والفكري في الجامعة، والمظاهرات التي اندلعت ضد الزيادات في السكر والاسعار، واضرابات ومظاهرات طلاب المدارس الثانوية في العاصمة والاقاليم عام 1974م من اجل انتزاع اتحاداتهم وضد اللوائح المدرسية التي تصادر حقهم في النشاط السياسي والفكري المستقل عن السلطة والادارات المدرسية حتي نجحوا في انتزاع اتحاداتهم.
وفي دورة اللجنة المركزية في يناير 1974م، طرح الحزب الشيوعي السوداني شعار الاضراب السياسي العام والانتفاضة الشعبية كاداة للاطاحة بالسلطة
- وفي سبتمبر 1975م، وقعت المحاولة الانقلابية التي قام بها المقدم حسن حسين، وتم اغلاق جامعة الخرطوم، وتقديم قادة الانقلاب لمحاكمات واعدامهم في "وادي الحمار" بالقرب من مدينة عطبرة.
- وفي يوليو 1976م، كانت المقاومة المسلحة من الخارج التي نظمتها الجبهة الوطنية( الامة، الاتحادي، الأخوان المسلمين)، وبعد فشل المحاولة تم اعدام قادتها العسكريين( العميد محمد نور سعد)، وتم التنكيل بالمعتقلين بوحشية، وتم وصف سودانيين معارضين( بالمرتزقة)!!!.
- وفي اغسطس 1977م، تمت المصالحة الوطنية والتي شارك بموجبها في السلطة التنفيذية والتشريعية أحزاب الأمة( الصادق المهدي) والاتحادي( محمد عثمان الميرغني) والاخوان المسلمين( مجموعة د. حسن الترابي)، ورفضت احزاب الشيوعي والاتحادي( مجموعة الشريف الهندي) و البعث..الخ، المشاركة في السلطة، وتحت هيمنة نظام الحزب الواحد و"اجندة" نميري، وحكم الفرد الشمولي، والذي كان يهدف من المصالحة لشق صفوف المعارضة واطالة عمره والتقاط انفاسه التي انهكتها ضربات المعارضة المتواصلة.
- وبعد المصالحة الوطنية تجاوزت الحركة الجماهيرية الاحزاب اليمينية التي شاركت في السلطة رغم تململ كوادرها الوسيطة وقواعدها ورفضها لذلك، وكانت اضرابات المعلمين والفنيين وعمال السكة الحديد، وانتفاضات المدن( الفاشر، سنجة، سنار، الابيض..الخ)، وانتفاضات الطلاب، واضرابات الاطباء والمهندسين والقضاء، والمزارعين، ومعارك المحامين من أجل الحقوق والحريات الديمقراطية، وندواتهم المتواصلة التي كانت في دار نقابة المحامين ضد القوانين المقيدة للحريات.
- وفي مايو 1983م وبعد خرق النميري لاتفاقية اديس ابابا بعد قرار تقسيم الجنوب، انفجر التمرد مرة اخري بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وزادت النيران اشتعالا بعد اعلان قوانين سبتمبر 1983م، والتي كان الهدف منها وقف مقاومة المعارضة الجماهيرية المتزايدة، ولكن المقاومة زادت تصاعدا بعد تطبيق تلك القوانين في ظروف ضربت فيها المجاعة البلاد وتفاقم الفقر والبؤس والزيادات المتوالية في الاسعار وشح المواد البترولية، اضافة لفقدان البلاد لسيادتها الوطنية بعد اشتراك السودان في مناورات قوات النجم الصاعد ، وترحيل الفلاشا الي اسرائيل، وديون السودان الخارجية التي بلغت 9 مليار دولار، وتفاقم الفساد الذي كان يزكم الانوف، وتدهور مؤسسات السكة الحديد والنقل النهري ومشروع الجزيرة والتدهور المستمر في قيمة الجنية السوداني. وتواصلت المقاومة ضد قوانين سبتمبر ، وتم الاستنكار الجماهيري الواسع لاعدام الشهيد الاستاذ محمود محمد طه في 18 يناير 1985م. وبعد ذلك بدأت المقاومة تأخذ اشكالا اكثر اتساعا وتنظيما وتوحدا، وتم تكوين التجمع النقابي وتجمع القوي السياسية الذي قاد انتفاضة مارس – ابريل 1985م، بعد الزيادات في الاسعار التي اعلنها النظام في اول مارس 1985م، وتواصلت المظاهرات ضد الزيادات في بعض المدن مثل: عطبرة من اول مارس وحتي 6 ابريل، عندما أعلن التجمع النقابي الاضراب السياسي العام والعصيان المدني الذي اوقف الانتاج وشل جهاز الدولة وأخيرا انحياز المجلس العسكري والذي اعلن الاطاحة بالنظام.
وكان من عوامل ضعف الحركة السياسية والجماهيرية هو تشتتها ، ولم تتوحد الا في ابريل 1985م، أي في اللحظات الأخيرة لنهاية نظام مايو في ميثاق التجمع الوطني لانقاذ الوطن.
* دروس الانتفاضة:
من السرد اعلاه يتضح عمق وشمول المقاومة الجماهيرية والعسكرية للنظام التي كانت تتراكم يوميا حتي لحظة الانفجار الشامل ضد النظام، وان مظاهرات طلاب الجامعة الاسلامية الأخيرة كانت الشرارة التي فجرت الغضب المكنون ضد النظام، فقبل مظاهرة طلاب الجامعة الاسلامية قامت مظاهرات وانتفاضات جماهيرية كالتي أشرنا لها سابقا، فلماذا لم تقم الانتفاضة الشاملة ضد النظام؟
وتوضح تجربة الثورة المهدية وثورة اكتوبر 1964م في السودان أن الانتفاضة تقوم عندما تتوفر ظروفها الموضوعية والذاتية والتي تتلخص في :
- الأزمة العميقة التي تشمل المجتمع باسره، ووصول الجماهير لحالة من السخط بحيث لا تطيق العيش تحت ظل النظام القديم.
- الأزمة العميقة التي تشمل الطبقة أو الفئة الحاكمة والتي تؤدي الي الانقسام والصراع في صفوفها حول طريقة الخروج من الأزمة، وتشل اجهزة القمع عن اداء وظائفها في القهر، وأجهزة التضليل الايديولوجي للجماهير.
- وأخيرا وجود القيادة الثورية التي تلهم الجماهير وتقودها حتي النصر.
وتلك كانت من أهم دروس انتفاضة مارس- ابريل 1985م، كما اكدت التجربة ضرورة مواصلة الانتفاضة حتي تحقيق اهدافها النهائية، بحيث لايصبح التغيير فوقيا، ولكن يجب أن يشمل كل رموز النظام القديم الفاسدة وقوانينه المقيدة للحريات، حتي لاتنتكس الانتفاضة.

[email protected]






تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1585

التعليقات
#1440875 [الخال]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2016 10:12 AM
عائد عائد ياابريل المجد الخلود لشهداء الكرامه والعزه والانسانيه التحيه لكل الشرفاء الابد من توحيد الصفوف لكنس الكابوس


#1440834 [مسافر]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2016 09:08 AM
الأخ الكاتب .. بعد الشكر على الملخص المفيد .. أراك تفاديت ولو مجرد الإشارة إلى دور الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية (البعثيون وغيرهم) في حركة انقلاب مايو منذ البداية .. ومشاركة الشيوعيين واليساريين ف تصفية الأحزاب القديمة وفي (مصادرة الحريات والحقوق الديمقراطية كما وضح من الأوامر الجمهورية الأولى) كما ذكرت ..عبر مجلس الثورة قبل انشقاق بعضهم وبقاء البعض..حيث أن ذلك حدث أثناء وجودهم وتأثيرهم القوي في السلطة.. فهل تكرمتم بأن تفسر لنا هذه النظرة "أم عين واحدة"؟


#1440490 [الثورة الشعبية]
0.00/5 (0 صوت)

04-06-2016 03:53 PM
هنا صوت ينادين تقدم .. الخروج للشوارع هي الوسيلة الوحيدة للخلاص من هذا الكابوس .. يجب على الناشطين من القوة الفاعلة في الساحة السودانية ( ليست السهلة السودانية بتاعة حسين خوجلي ) بل الساحة السودانية العامر بالشباب والمناضل المكافح والذين سيكون خلاص الشعب السوداني على ايديهم ...

كل الذي ان تعمله الاحزات ان تنشط شبابها ويتم التنسيق مع الاحزاب الاخرى وذلك لتحريك الشارع .. على ان تقوم بهذا العمل مجموعة معروفة تقوم بالتنسيق فيما بينها .. وكذلك عمل مجموعة اخرى نسميها مجموعة الظل في حالة تم اعتقال المجموعة الاولى تحل محلها المجموعة الثانية وهكذا مجموعات حتى نرجع الا بعد انهيار حكومة الكيزان والى الابد ...

عاش السودان حرا ابيا ... يوم 19 ابريل قرب .. والله المستعان ...


#1440334 [QUICKLY]
0.00/5 (0 صوت)

04-06-2016 11:04 AM
لك التحية استاذ تاج السر
وتسمح لي اضيف الى البرقراف الأخير
ويجب تسليم البشير الى المحكمة الجنائية الدولية ... حتى يكون عظة وعبرة لأي رئيس يأتي من بعده أن يتقي الله في شعبه وأن تولي شؤون السودان والحكم ليست بنزهة
ولا أحد فوق القانون


ردود على QUICKLY
European Union [QUICKLY] 04-06-2016 12:20 PM
لو حُوكم عبود لما فكر نميري في انقلاب مايو69
ولو حوُكم نميري لما قام البشير في انقلاب يونيو 89
مفروض الناس تتعظ ... ولا عفى الله عما سلف


#1440321 [محمد عوض الكريم]
5.00/5 (1 صوت)

04-06-2016 10:27 AM
هذه حقائق وسرد جميل لايعلمها كثير من الجيل الحالى ولكن للتاريخ فان الشرارة الحقيقية لتكليل هذا النضال بالنجاح ماقام به مؤتمر الطلاب المستقلين اتحادات طلابه (عمر الدقير) وخريجيه انذاك (ابراهيم الشيخ وعبد القيوم عوض السيد والذين ومحمد لطيف وابراهيم عبد الله والمهندس بابكر يوسف ود. عمر سعيد وبيومى وطه واخرين كثر) والذين بات بهم اول مظاهرة فى جامعة امدرمان الاسلامية يوم 25 مارس ثم 26 مارس وقد كانت كل اتحادات الطلبة انذاك مؤتمر طلاب مستقلين حتى ج الجزيرة وجوبا والخرطوم والنيلين ومعهد الكليات التكنولوجية انذاك واستمرت حتى تم اول اجتماع نقابى وحزبى فى مكتب عمر الدقير ب ج الخرطوم واعتقل فيه قادة النقابات والاحزاب مما فجر الاوضاع وجع باقى النقابات تتحرك وتوج هذا الزخم الجميل باروع انتفاضة وهؤلاء النفر يجب ان يذكرهم التاريخ بالاضافة للبعثيين الذين دوخوا جهاذ امن نميرى ببطولاتهم التى لاتنسى بالاضافة للوطنيين من حزب الامة والاتحاديين الذين لم يتقاعثوا حينها ليشاركوا الهم الجميل
شكرا



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة