الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الوعي الانتحاري ومنطق العدمية؟
الوعي الانتحاري ومنطق العدمية؟
الوعي الانتحاري ومنطق العدمية؟


04-14-2016 01:25 AM

واسيني الأعرج

يجمع علماء النفس على أن الانتحار كثيراً ما ينجم عن هشاشة داخلية عميقة، وحالة يأس كلّي. أو عن أزمات داخلية يبدو مستحيلاً تجاوزها، مع انسداد في الآفاق حيث يبدو المستقبل حالة من العبث والاستحالات، حتى في أبسط الممارسات الاجتماعية.
وهناك من علماء النفس الإكلينكي من يرون أن من أسباب الانتحار اختلالاً جينياً في الإنسان بالخصوص عندما يكون الانتحار فعلاً عائلياً متكرراً. وهذا لا إصلاح له إلا بالأدوية العصبية وانتظار انتصار علم التفعيل الجيني وإصلاح الأعطاب الوراثية. وهو ما أصبح اليوم ممكناً إلى حد بعيد على الرغم من أنه يطرح طبياً مشكلات أخلاقية كبيرة.
فالذي يتعامل مع الجينات يستطيع أن يتحكم في الإنسان وفي مساراته الحياتية، بل ودفعه إلى ارتكاب جرائم موجهة. من الناحية الإيمانية، كل الأديان تجمع على تحريم قتل النفس لأن الروح ليست ملكاً للإنسان ولكنها ملك لخالقها. ويبدو الأمر متناقضاً. كيف إذن يتم تبديد روح الإنسان بالقتل الذاتي والنسف بحزام التفجير، باسم الدين؟ شيء ما لا يستقيم أبداً. من جهة التحريم، ومن جهة ثانية وبالوازع الديني نفسه، يتم العمل الانتحاري؟ وكما في القرون الوسطى، في حضرة محاكم التفتيش المقدس، أصبح مصير الإنسان وروحه وملكية جسده، ليست بيده ولا بيد الرب أو يهوه أو الله، ولكن بيد مجموعة من القتلة يملكون مفاتيح الجنة وجهنم فيفتحونها لمن يشاؤون ويغلقونها أيضاً في وجه من يشاؤون؟ هم وحدهم من يحدد الذين ينتقلون إلى الجنة أو الذين يذهبون نحو جهنم.
لقد انتقلت الروح من القوة الإلهية إلى سلطان الفرد الذي أزاح القوة المتسامية ووضع مكانها قوته وكأننا في حالة انقلابية شديدة الخطورة سينجر عليها كل ما نعيشه اليوم من حرائق عربية وإنسانية. ربما عدم رؤية جدية الخطر الداهم عربياً وعالمياً واللعب في دائرة دينية شديدة التلون والخطورة هو ما أعطى شرعية لهذا النوع من الانتحار بمختلف الحجج الجهادية لأن العمل الانتحاري لا يخص فرداً ولكن الأجساد الممزقة التي يجرها وراءه ولا ذنب لها سوى أنها وجدت في الوقت غير المناسب، في المكان غير المناسب. ولا يوجد في الثقافة الإسلامية تحديداً ما يبرر فقهياً ذلك. لا تروي لنا الحيثيات الثقافية والدينية أن هناك سابقة انتحارية بهذا الشكل الذي نراه اليوم، باستثناء الفعل الجهادي الذي تحكمه حتى بالمنطق الديني، شروط وخصوصيات صارمة، لا يحددها أي فرد مهما كانت قوته ولكنها تخضع لشورى معقدة.
حتى وإن سلمنا بالأمر وبالرغبة في رفع الظلم المستشري أمام غطرسة قوة لا نملك حيالها إلا أجسادنا، فكيف يقبل الديني فعل القتل كهذا، يذهب ضحيته أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث وقد يكونون متعاطفين مع قضية المنتحر الذي لا يتوجه إلى العسكري حيث تكافؤ القوة التدميرية نسبياً، ولكن إلى الأسواق الشعبية والمولات والطائرات والقطارات والحافلات والتجمعات والمساجد والأماكن المدنية العامة التي يرتادها ناس عاديون يقعون خارج المعطى الحربي بشكل عام. الضحايا هم هم، في أغلب الحالات، مدنيون بسطاء خارج الصراع المستميت على السلطة في أغلب الأحيان، الذي لا علاقة له بالدين ولكن بالحسابات السياسوية.
يبدو واضحاً أن منطق الانتحاري تغير كثيراً عبر الحقب التاريخية وفي جوهره. بعد أن كان فعلاً فردياً أصبح جماعياً أي مخططاً بشكل مسبق بوصفه سلاحاً عسكرياً على العكس من الانتحارات التي ترى في فعلها خلاصاً دينياً نحو عالم أبقى مثل انتحار أعضاء هيكل الشمس temple du soleil مثلاً قبل سنوات، حيث انتحر العشرات من التابعين للهيكل، لكن ههنا، لا يمس الفعل في النهاية إلا المنتحر ولا يعني غيره.
لم يعد الفعل انتحاراً بالنسبة للمتطرف الديني، من أية ديانة كان، ولكنه معبر نحو عالم أفضل وأكثر راحةً وخلوداً باعتقاد المنتحر، يتساوى فيه طبعاً العالم بالأمي. العاقل بالمجنــــون. المجرم بالبريء. الجبان بالشجاع. الموت المرغوب أو الموت المقدس، ليس عملية إفناء، وليــس نهاية، لكنه حالة استمرارية ضمن قانون إلهي أكثر عدلاً. لحظة الانتقال إلى الفعل Le passage à l’acte هي المحدد لكل ما سيأتي. مع أن الموت الديني، والإسلاموي تحديداً، محكوم ليس بلحظة خلودية إلهية كما يعتقد المنتحرون، ولكن بمنظومة إيديولوجية مسلحة بأكثر العناصر تخلفاً وتردياً وإجراماً.
حتى الجنة المتخيلة لا تخرج عن هذه العناصر الإيديولوجية التي رسمها المرشد العام أو الفقيه المؤدلج الذي شكلها من تخيلات لم يقلها القرآن ولكنها جاءته من ثقافة ذاتية بمختلف أزماتها وتثبتاتها. جنة وسعها الأرض والسماوات مليئة بكل المفقودات الحياتية المشتهيات الجسدية والحوريات، والطعامية، والشربية ولكنها بضيق رؤية الفقيه، إذ تطرد منها كل من ليس في التنظيم، لا يروق لها إيديولوجيا وليس دينيا. لا تفكير ولا منغصات، ولا جسد أيضاً إلا روح تتشكل بحسب الحاجات الجسدية والطعامية.
كل ذلك نتيجة جزاء المنتحر الذي فجر نفسه وأخذ في أثره العشرات من الأبرياء؟ كيف يجازى من قتل الروح بغير حق؟ كيف يجد من كأنه قتل الناس جميعاً في جنة الخلد؟ وما مصير الناس الذين حصدتهم جريمة موصوفة مثلما يحدث يومياً في العراق وسوريا وليبيا وفي الساحل الإفريقي وغيرها. في العراق حيث التفجيرات الانتحارية اليومية ضد الشيعة أو ضد السنة أو ضد الجيش، في سوريا أو في نيجيريا، في فرنسا ضد شارلي هيبدو والبتاكلون، وفي عمليات بروكسيل مات أناس كثيرون من كل الديانات لا يعرفون قاتلهم أبداً ولا حتى سبب اغتيالهم؟
أي منطق يتخفى وراء الرضى الذاتي للمنتحر بعد جريمة مروعة؟ يفترض بالمنطق الديني أن يعاقب شديد العقاب على هذه السلسلة من الجرائم المتلاحقة والقاسية، لا أن يجازى، إنهم يحملون على ظهورهم مسؤولية آلاف من الأرواح التي زهقت. لهذا لا شيء وراء ذلك إلا فلسفة العدمية التي تتحكم في كل الممارسات الإجرامية.
نطرح السؤال الذي لا يمكن تفاديه حتى ولو بمنطق الانتحاري: ما قيمة الوعي الانتحاري أو ما جدوى العدمية في عالم تتسيده القوة والتكنولوجيا؟
يمكن للإرهابي الذي يتخفى وراء الإسلام ان يقتل الناس، أن ييتّم ويرمّل، ويحدث هلعاً كبيراً في المجتمع المدني الذي يراه عدواً، يمكنه أن يغتصب أو يحز الرؤوس، لكنه في النهاية ليس إلا آلة عمياء لتجذير العداوة ضد الإرهابي ولكن أيضاً ضد انتماءاته الدينية والعرقية والثقافية والحضارية وعنصر التبرير الأقوى لصدام الحضارات والأديان.
ليس عبثاً أن تلتقي ثلاث قوى فعالة في خلق داعش: أمريكا بمصالحها وآلتها العسكرية، البعثيون المتخفون بعد سقوط صدام، الذين وضعوا خبرتهم العسكرية والطائفية أيضاً، في خدمة الحركات الإسلاموية المتطرفة ذات الإيديولوجية العدمية. فالقوى المقابلة للانتحاري، بالمعنى العسكري، هي قوى مدنية منظمة بالخصوص في أوروبا، لا يتغير فيها شيء سوى تنامي الحقد ضد العربي والمسلم وتمدد الكزينوفوبيا والعنصرية. وهم بهذا يقدمون خدمة كبيرة لليمين المتطرف في أوروبا، وللذين يحاربونهم شكلياً ولكن في العمق، هم آلتهم لحماية مصالحهم، وصناعتهم لتمرير مشاريعهم عالمياً اقتصادية كانت أو سياسية أو إيديولوجية .

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 9113


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة