الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
فى مواجهة تهويد التاريخ
فى مواجهة تهويد التاريخ


04-17-2016 03:40 AM
فى مواجهة تهويد التاريخ


36 عاما من النضال ضد تزييف التاريخ المصرى القديم. ولماذا تتقاعس وزارة الثقافة المصرية عن أن تتبنى مشروعا حتى الآن؟


ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالسلام فاروق

من أجل إحياء حركة تنوير فكرية تاريخية

"هزمناهم ليس حين غزوناهم، بل حين أنسيناهم تاريخهم".

قفزت إلى ذهنى تلك المقولة الخالدة، للشاعر اليونانى القديم، سيمونيدس، التى قالها بعد سقوط اسبرطة، وأنا أعد لهذا الموضوع حول المشروع الضخم "فى مواجهة تهويد التاريخ", الذي تصدى للقيام به مجموعة من المثقفين المصريين, رغم ما كلفهم من تضحيات, وعلى رأسهم المفكر رضا الطويل، الذي لولاه، ولولا ما عرف عنه من اندفاع متبصر بالعواقب, لا يتنازل عن الأحلام غير الممكنة، لما قدر لهذا المشروع أن يكتمل، أو حتى يرى النور.

التقيت رضا الطويل في كتاباته المتعددة، غصت فيها، حادثته من خلالها، وخرجت بهذا الحوار الشيق، الجاد، وأحيانا المأساوي، حول قصته مع مشروع إيمانويل فليكوفسكي لتزييف التاريخ المصري القديم، وقمت بحذف الأسئلة حتى لا أقطع عليكم الاسترسال في القراءة.

في عام 1979، تمكنا من قراءة كتاب "أوديب وأخناتون" لإيمانويل فليكوفسكي ترجمة فاروق فريد، ولقد هالني بعد قراءة "أوديب واخناتون" كيف يلقى كتاب على مثل هذه الخسة العلمية كل هذا الترحيب بين أوساط المثقفين، باعتباره تأكيدا على أن اخناتون هو الأصل التاريخي لأوديب اليوناني.

ولم أجد في بحثي عن صدى لهذا الكتاب في الكتابات المصرية والعربية، غير موجز قصير جدا، وإن كان جامعا شاملا دقيقا أورده د. ثروت عكاشة في هوامش موسوعته الفريدة "تاريخ الفن". وقد نقل الصديق كمال رمزى إلى سمعي حوارا دار بينه وبين الناقد والمترجم الراحل سامي خشبة, أعرب فيه خشبة عن اعتراضه على نتائج فليكوفسكي ونظرياته.

وفي اتجاه آخر كتب على سالم مسرحيته "أنت اللي قتلت الوحش" متأثرا بفليكوفسكي، وقد تأرجح علي سالم في مقدمته لمسرحيته، بين التسليم عن اقتناع بنتائج فليكوفسكي حول أخناتون باعتباره الأصل التاريخي لأوديب، وبين رفض هذا الرأي على اعتبار تأثر سوفوكل بأدب دعائي لكهنة آمون يرمي إلى تشويه صورة آتون.

في هذه الظروف التزمت بإعداد دراسة تفند مزاعم فليكوفسكى في "أوديب واخناتون"، وخلال انشغالي بالدراسة، تكشفت أبعاد المرامي الخبيثة لفليكوفسكى، وتبين أن "أوديب وأخناتون" ليس إلا كتابا واحدا من سلسلة كتب عن التاريخ المصري يضمها عنوان واحد "عصور في فوضى" تستهدف إعادة ترتيب قوائم تاريخ الشرق القديم وبصفة خاصة التاريخ الفرعوني, لإفساح مجال زمني لإحلال التاريخ اليهودي، وتمكنه من التهام التراث الحضاري لمصر وبلدان الشرق.

(أليس هذا ما يحدث الآن بالضبط ، فقد تناقلت الصحف والمواقع الإخبارية المختلفة مؤخرا خبرا كاذبا حول اكتشاف نجمة داوود علي كتلة حجرية بمعبد أوزبر في أسوان؟)

شاركني الاهتمام الباحث أحمد عمر شاهين، وأثمرت الحوارات عن ضرورة تقديم هذه الأعمال للقارئ العربي، وتعمق التصميم بانضمام كمال رمزي إلينا، وبدأت محاولات الحصول على المتن الأصلي لمؤلفات فليكوفسكي.

في ذلك الوقت، كانت الأمور في غاية الصعوبة، وتكفل فكري منير بعد اتصالنا به بالولايات المتحدة، بالتنقيب عن مؤلفات فليكوفسكي، وكان أول ما أرسله لنا كتاب "الأرض في اضطراب"، واتفقنا على تكليف المترجم الراحل خليل كلفت بترجمته، وأبدى خليل كلفت استعداده للتعاون، إلا أنه عاد، بما عرف عنه من نزاهة، معتذرا، وموضحا بأن الكتاب "الأرض في اضطراب" هو بحث في الجيولوجيا وليس في السياسة، ولا علاقة له بإسرائيل أو بالصهيونية، كما هي وجهة نظرنا.

والحق أن "الأرض في اضطراب" هو كما قال لا يحمل أدنى إشارة إلى التاريخ القديم أو المعاصر، وهو كما تبين يعتمد على المادة العلمية وحدها، حاول فيه فليكوفسكي إيجاد برهنة علمية محضة على صحة نظريته في التاريخ الطبيعي "عوالم في تصادم" التي استند إليها في هدم التاريخ السياسي التقليدي كما يقول، ذلك التاريخ الذي ينكر على اليهود أي وجود في الأحقاب الزمنية السحيقة، ولم نكن قد حصلنا على "عوالم في تصادم" حتى ذلك الحين، ونبهني موقف خليل كلفت إلى ضرورة نشر سلسلة أعمال فليكوفسكي مجمعة ومرة واحدة حتى تتضح معالم نظرياته، وما يهدف إليه منها.

ثم جمعت الصدفة بيني وبين محمد جلال عباس، وجرنا الحديث إلى فليكوفسكي، وملأ أستاذنا الحماس فبادر بالعمل في ترجمة "الأرض في اضطراب"، كما بادر بتصوير نسخة من "عوالم في تصادم" بعد عثوره عليه بالمكتبة الأميركية, وفي الوقت نفسه أرسل فكري منير نسخة من كتاب آخر "من الخروج إلى الملك اخناتون" كان من نصيب الدكتور رفعت السيد علي، الذي انضم إلينا، وانضم إلى الفريق المتحمس للترجمة في نهاية المطاف الناقد والمترجم أحمد عمر شاهين وشرع بدوره في ترجمة آخر الكتب وهو كتاب "رمسيس الثانى وعصره"، في الوقت الذي أوشك محمد جلال عباس على الانتهاء من ترجمة كتاب: شعوب البحر" .

وهكذا، مع عام 1995، أنجز الفريق العمل، بعد مضي ما يناهز السنوات العشر توفرت لدينا مخطوطات الترجمة لمحمد جلال عباس ثلاثا منها، هي "الأرض في اضطراب"، "عوالم في تصادم"، "شعوب البحر"، ولرفعت السيد علي "من الخروج إلى الملك أخناتون"، ولأحمد عمر شاهين "رمسيس الثاني وعصره"، أما "أوديب وأخناتون" فلقد رأيت من الإنصاف الاحتفاظ لفاروق فريد بالترجمة التي قدمها لهذا الكتاب عام 1968، اعترافا منا بدوره في تعريف القارئ العربي بإيمانويل فليكوفسكي.

قلنا في عام 1995، انتهى فريق الترجمة من العمل، وآن الأوان لتقديم الكتاب بأكمله كما أردنا، ومع هذا فإن النشر لم يتم، كنا (ولعدة تجارب ليس هذا مجال سردها) قد أصبحنا نعرف الكثير عن الدورة المضنية التي تستغرقها الأموال المدفوعة في تكاليف الكتب الباهظة، حتى تعود إلى المنبع قطرات قليلة بعد قطرات، كنا أمام جهد ضخم، يتطلب تكلفة مرتفعة، لا نملكها، ولا نملك حتى الأمل في أن ما سننفقه سوف يعود، ومع كل هذا لم نفرط فيما عقدنا العزم عليه، مقدمين على تدبير الأموال التي يتطلبها النشر، وبدأنا بالمرحلة الاولى من مراحل الطباعة، الجمع، واستغرق ذلك وقتا ليس بالقصير، وأرسلنا النسخ لمحمد جلال عباس للمراجعة الأولى، وقطع شوطا قصيرا قبل أن يداهمه المرض، ثم اشتد عليه المرض، ولم يكن أمامنا إلا الاعتماد على مراجع، لم أجد من اطمئن إلى نزاهته ودقته وأمانته اطمئنانا مطلقا إلا "على قلامى".


وخلال المدة الطويلة التي استغرقتها عمليات الجمع والمراجعة، توفي محمد جلال عباس في الرابع من ابريل/نيسان 1998، وبوفاته تعاظم إحساسي بالمسئولية، وشعرت بالتزام أقوى للانتهاء من المشروع، تقديرا للجهد الذي أضنى الرجل، وانتهت المراحل الأولى من جمع ومراجعة حوالى عام 2000، وأصبحنا على أتم الاستعداد للطباعة، لا ينقصنا غير أمر واحد، إلا وهو توفر الأموال لسداد التكاليف، خلال هذه المحنة، فجعنا بوفاة أحمد عمر شاهين أول أكتوبر/تشرين الأول 2001، مخلفا في القلب لوعة وفي العنق أمانة، واندفعنا في نشاط محموم دافعين كتابا بعد كتاب إلى المطبعة، بادئين بالجزء الأخير ثم ما قبله، وهكذا.

وإزاء المغالطات التي ارتكبها إيمانويل فليكوفسكي في كل فروع المعرفة، كنت أشعر بأهمية تقديم الكتاب، ليس تقديما تقليديا، وإنما لا بد من تقديم نقدي يفند افتراضاته ونتائجه المزيفة، خاصة وقد أبدع في نسج خيوط شباكه وهو الطبيب النفسي العالم بطبائع النفس الإنسانية وسبل التعامل معها، وآليات الإقناع، وحاولت، وحاولت، مقتنعا دائما بأنه لا يمكن لفرد مهما كانت قدراته أن يقدم رؤية نقدية متكاملة لأعمال فليكوفسكي، وهو الذي يتقافز بين كثير من فروع المعرفة والعلوم، بحيث يصبح من العسير تعقبه وملاحقته، محومًا بمزاعمه حول علوم الفلك والجيولوجيا والطب والجغرافيا والتاريخ والأدب والفلسفة وعلم الأساطير والتوراة وغير ذلك مما لا يسعني فهمه أوعرضه أو تفنيده.

إن عملية تزييف التاريخ التي قام بها فليكوفسكي أكبر وأخطر وأهم بالنسبة لنا من أن يتعرض لها فرد واحد، لكل هذا رأينا أنه من المفيد أن ندعو كل من يريد المشاركة بالرد وتفنيد مزاعم فليكوفسكي لمشاركتنا هذا الجهد، وهي دعوة - كنا قد أطلقناها – مفتوحة للمثقفين والمتخصصين في كل فروع المعرفة، وخصصنا لها سلسلة تحت عنوان "في مواجهة تهويد التاريخ".

ولا بد لي أن أعترف أن الوقت الطويل الذي استغرقه عملي في هذه الرؤية النقدية كان سببا من الأسباب العديدة التي نتج عنها تأخير النشر، وفي النهاية بدأنا 2002 بإصدار "عصور في فوضى" وانتهينا هذا العام 2016 بإصدار "روائع الأدب المصري القديم".

انتهى حواري مع المفكر رضا الطويل، حول قصته مع مشروع إيمانويل فليكوفسكي لتهويد التاريخ المصري القديم، والتي اكتملت بإصدار 22 كتابا في 25 مطبوعة، يمكنني تقسيمها إلى 3 أقسام. الأول ويشمل إجمالي مؤلفات فليكوفسكي التي حاول فيها هدم التاريخ الطبيعي الثابت، ليبني على أنقاضه تاريخا طبيعيا مختلقا، ينفذ من خلاله إلى التاريخ السياسي للشرق القديم ليعيد بناءه بما يخدم أهدافه في تزييف التاريخ المصري القديم، محاولة منه لوضع تاريخ مختلق لإسرائيل في الزمن السحيق . والثاني ويشمل المؤلفات التي ردت على وفندت النظريات المتوهمة لفليكوفسكي.

والثالث ويشمل الكتب التي تهدف للتعريف بالثقافة التاريخية من أجل إحياء حركة تنوير فكرية تاريخية تعتمد العلم والجدية، وهو في يقيني مشروع ثقافي وطني مهم، تنأي بحمله وعن القيام به دور نشر كبري، إلا أن دار نشر صغيرة هي "سنابل"، حملت عبء وتكاليف طباعته ونشره وتوزيعه بدون أية مساعدة تذكر من جانب هيئة من الهيئات الثقافية الرسمية الكثيرة والتي ينبغي (وهو واجبها بلاشك) أن تعيد نشر هذه الموسوعة في مطبوعات مكتبة الأسرة التي أعلن المثقف المستنير حلمي النمنم وزير الثقافة المصري، عن عودتها هذا الصيف.

سبعة كتب لإثبات صحة نظرياته المتوهمة وكتاب لتشويه معارضيه؛ محاولات تهويد رموز الحضارة المصرية, محاولات عديدة ومستمرة أبرزها محاولات تهويد أهرامات الجيزة بادعاء أن بناة الأهرام من أبناء شعب الله المختار. والحقيقة أن كل هذه الآراء هي مجرد أقوال يمكن آن تعدها من قبيل الثرثرة, لم يحاول أصحابها وضعها في نسق فكري أو إطار تنظيري. هي أقل من الجهد الذي بذله فليكوفسكى في سلسلة كتبه التي أطلق عليها "عصور في فوضى". فنحن مع فليكوفسكي مع نظرية متكاملة لتهويد التاريخ المصري القديم, إن لم يكن تاريخ الشرق الأدنى القديم بكامله.

لقد انتهى فليكوفسكى من كتابه "أوديب واخناتون" أوائل عام 1940, وعلى غير المتوقع تأجل نشره عشرين عاما ليصدره عام 1960, بعد نشر ثلاثة من كتبه تمثل بداية مشروعه "عصور في فوضى" هي: "من الخروج إلى الملك اخناتون", "عوالم في تصادم", "الأرض في اضطراب", هكذا جاء "أوديب واخناتون" الرابع في ترتيب النشر, ثم يأتي من بعده "شعوب البحر", "رمسيس الثاني وعصره", وتمثل هذه السلسلة نظريته في إعادة ترتيب القوائم الزمنية لتاريخ مصر وتاريخ الشرق القديم.

هذا المشروع "عصور في فوضى", هو محاولة نظرية لضبط مسلسل أحداث التاريخ المصري مع إيقاع التاريخ الإسرائيلي الذي يقف بلا شواهد تاريخية تؤكد مصداقيته, بغرض واحد هو اختلاق تاريخ وضعي لليهود.

الفكرة الأساسية لفليكوفسكى في كتابه "من الخروج إلى الملك اخناتون", تؤكد على تزامن ملوك الأسرة الثامنة عشرة المصرية مع ملوك المملكة الإسرائيلية المتحدة, فعصر أحمس الأول يتزامن مع عصر شاؤول وداود, عصر حتشبسوت هو عصر سليمان, ...., وهكذا .....

التاريخ الذي يقول به فليكوفسكي يمثل مشكلة كبرى, فطن إليها بالطبع, فلقد عاش ملوك بني إسرائيل في القرن العاشر قبل الميلاد كما هو ثابت في التاريخ الإسرائيلي, أما طرد الهكسوس على أيدي أحمس الأول وبداية الدولة الحديثة فقد وضعه التاريخ الثابت عام 1580 ق. م, أي في القرن السادس عشر ق. م, مما يترك فجوة مقدارها ستة قرون غير مفسرة ومجهولة, بين التاريخين المصري والإسرائيلي, فأي تاريخ يجب أن نحركه لنغطي تلك الفجوة!؟

أي التاريخين نصدق؟ فإما أن ستمائة عام قد اختفت من تاريخ الشعب اليهودي, وأما أن الستمائة عام قد ضوعفت أو أضيفت إلى تاريخ مصر, فمن المستحيل أن يكون التاريخ في أورشليم هو القرن العاشر قبل الميلاد ويكون في الوقت نفسه هو القرن السادس عشر ق. م في مصر.

ويؤكد فليكوفسكي أن بعض حلقات التاريخ المصري قد وصفت مرتين, وأن الستمائة عام الزائدة قد نتجت عن هذا التكرار, وأن الخطأ غير موجود في التاريخ ذاته بل في التأريخ, وينتهي فليكوفسكي إلى أنه لا بد من اختصار ستمائة عام على نحو التقريب من زمن المملكة الحديثة, وأخذ على عاتقه إعادة ترتيب أحداث التاريخ القديم, كيفما مال به الهوى, حتى يصح التاريخ الذي يقول به ولا يقول به أحد غيره.

يرتكز مشروع فليكوفسكي على افتراض أساسي وجوهري وضروري, حتى يصح تاريخه, هو وجود روابط قوية وواضحة بين التاريخ المصري والتاريخ الإسرائيلى, والمشكلة كما يحددها فليكوفسكى أن السجلات المصرية لا تورد أي ذكر لليهود, كما لم تذكر مصر في قصص التوراة طوال فترة حكم القضاة, ومن خلال الوثائق القديمة في مجملها لا يوجد أي ارتباط حقيقي ومباشر بين تاريخي مصر وفلسطين (؟؟), على الرغم من انتماء مسألة خروج اليهود من مصر إلى التاريخين المصري واليهودي, مما يعد ارتباطا مباشرا بينهما.

وانصرف اهتمام فليكوفسكي من البداية للبحث عن هذه العلاقات أو اختلاقها, بتهويد التاريخ الطبيعي للعالم, هذا البحث الذي أفرد له كتابين من كتبه "عوالم في تصادم" و"الأرض في اضطراب".

في رأي فليكوفسكي أن التوراة أبرزت الخروج كحدث عنيف صاحبته كوارث طبيعية مدمرة, معتبرا هذه الكوارث بديلا واقعيا للمعجزات الدينية, ثم آل على نفسه أن يبحث في السجلات المصرية عن أثر لهذه الكارثة الطبيعية التي افترض حدوثها, وعثر على بغيته بعد مسح شامل للآثار المصرية في بردية "ايبو – ور" مؤكدا أن النص الوارد بالبردية والنص الوارد في سفر الخروج, يتحدث كل منهما بتطابق كامل عن الحدث نفسه والكارثة نفسها, وكانت الخطوة الثانية أمام فليكوفسكى أن يحدد زمن كتابة بردية "ايبو – ور" ليصل إلى تحديد الزمن الذي خرج فيه اليهود من مصر, وبالتالي السنة التي بدأ عندها التاريخ الإسرائيلي, وبالتالي يتمكن من بناء تاريخه الوهمي لبني إسرائيل بتهويد التاريخ المصري.

ما هي طبيعة هذه الكارثة الكونية التي أسهب في وصف مراحلها في كتابه "عوالم في تصادم"؟ ذهب فليكوفسكي إلى تحرك مذنّب تكون بشكل ما في منظومة كوكب المشترى, يصطدم هذا المذنب بالأرض والمريخ, ويترتب على هذه الكارثة اضطراب المسار الأزلي لكوكبنا, تغيّر الأرض طبيعة دورانها, ويختل محور الأرض الذي تدور حوله, وتتبدل الجهات الأصلية فيصبح الشمال جنوبا والشرق غربا, ويعم ليل طويل, تلف الأرض الأعاصير وتغرق في الفيضانات , و .... و ....

واستمرت هذه الاضطرابات الطبيعية الكونية حتى استقر المذنّب في مدار شبه دائري متحولا إلى كوكب الزهرة, أدت هذه الكارثة الكونية ضمن ما أدت إليه إلى انشقاق البحر الأحمر, فينتهز موسى والإسرائيليون الفرصة, ويعبرون البحر فرارا من الفرعون. وكذلك توقفت الأرض عن الدوران بأمر من يشوع بن نون, حين قال أمام عيون إسرائيل يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي ايللون, فدامت الشمس, ووقف القمر.

حين رفض العلماء نظرية فليكوفسكي في "عوالم في تصادم" أردفه بكتابه "الأرض في اضطراب" محاولا البحث عن الأدلة الجيولوجية التي تؤكد صحة نظريته.




وكما كان لفليكوفسكي توراته الخاصة, كانت له أيضا برديته الخاصة, التي تختلف عن بردية "ايبو – ور" التي تصف أحداث ثورة سياسية وكارثة اجتماعية وليس كارثة طبيعية, ولكن كيف يمكن للبشرية أن تتجاهل في وثائقها كارثة كونية هائلة بهذه الآثار والنتائج المصيرية, حدثت في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد فحسب, هذا ما عالجه في كتابه "البشرية تفقد الذاكرة", فمثلما يلجأ الفرد إلى ميكانيزمات مختلفة كي يبقى المادة الصادمة التي يود نسيانها في ظلام الكبت, تفعل الإنسانية جمعاء.

هكذا في كل كتبه, سواء التي تعرض فيها للتاريخ السياسي, "من الخروج إلى الملك اخناتون", "شعوب البحر", "رمسيس الثاني وعصره", بالإضافة إلى "أوديب واخناتون", أو التي تعرض فيها للتاريخ الطبيعي "عوالم في تصادم", و"الأرض في اضطراب", والتي اختتمها جميعا بكتابة "البشرية تفقد الذاكرة" لم يغفل فليكوفسكي لحظة واحدة عن الهدف الذي تتوتر نحوه جهوده الفكرية كلها, من البداية للنهاية, تهويد التاريخ.

ثم أتحفنا فليكوفسكي بكتابه "المتطلعون إلى النجوم وحفارو القبور", الذي هاجم وشوه فيه كل الآراء التي عارضت أو اختلفت مع نظريته, واصفا أصحاب تلك الآراء بحفاري القبور, بينما هو ومن شايعه في تهويماته هم المتطلعون وإلى آفاق النجوم.

لماذا الاهتمام بأعمال ايمانويل فليكوفسكي, ترجمة وتحقيقا ونقدا؟ يكفي أن فليكوفسكي يعد مؤسسا ورائدا لتيار نظري يستهدف توظيف التاريخ المصري القديم, لاختلاق تاريخ موثق موغل في القدم لإسرائيل, وليس أدل على أهمية هذا التيار الذي يمثله, من أنه لم يتوقف بعد وفاته, واستمر على أيدي تلامذته ومعاونيه وأشياعه, خاصة وقد أصبح لهذا التيار مجلته التي تواصل استكمال مشروعه الفكري, سميت باسمه "الفليكوفسكية" بدأ صدورها بصفة منتظمة ربع سنوية اعتبارا من العام 1993.

وثمة سؤال يطرح نفسه هنا بشدة: ألم تكن الأمة المصرية والعربية قادرة علي مواجهة طوفان التكفير والإرهاب الحالي، لو أنها منحت القليل مما أنفقته ولاتزال تنفقه من الأموال هنا وهناك، لطباعة ونشر وإتاحة هذه الموسوعة الجادة لعموم القراء، ألم تكن قادرة علي اجتثاث جذور التكفيريين والإرهابيين والنشالين وتجار التاريخ منذ زمن بعيد؟

وأخيرا .. ألا يجعلنا ذلك ننتبه ونهتم .. متابعة .. وتحقيقا .. ونقدا؟

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 8726


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة