الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الدِّيكْتاتُور يُنَاهِضُ التَّخْيِيلُ كيف تصبح الرداءة منبتاً للبشاعة؟
الدِّيكْتاتُور يُنَاهِضُ التَّخْيِيلُ كيف تصبح الرداءة منبتاً للبشاعة؟


04-27-2016 03:49 AM

واسيني الأعرج

قل لي كيف تتعامل مع الإبداع، أقل لك من أنتَ. يشكل عنصر الحرية ركيزة أساسية في أي فعل إنساني، وفنّي على وجه الخصوص. ليست الحرية كمالاً من كماليات الحياة ولكنها الضرورة عينها، العنصر الحيوي المصاحب لكل فعل إبداعي.
وعلى الرغم من التجريد، تظل الحرية فعلاً يتجسد عندما يمنع الديكتاتور الإنسان من حقه في ان يكون حراً.
ما الذي يجعل حرية الإبداع خطراً على الديكتاتور حتى يحولها إلى أهم عدو له؟
ما الأمر الخطير الذي دفع بغوبلز إلى القول: كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي، في رغبة مبطنة لتذليل الثقافة والمثقف، وللسيطرة على كل مقدراته الذهنية والفنية؟
لماذا كل هذه الدرجة من العداوة تجاه الفنون والآداب؟
لماذا يرى الديكتاتور في التخييل خطراً على وجوده؟
لا يحتاج الأمر إلى كبير تفكير لإدراك أن التخييل حرية، والحرية عدو أساس له، لأنها تخرج عن هيمنته وسلطانه. سلطة الديكتاتور يريدها مطلقة، أي الدفع بها نحو أقاصيها محاطة برضاه وضوابطه. فهو لا يرتاح إلا إذا هيمن على كل شيء، بما في ذلك الاختلاجات البشرية الداخلية والدينية، الأحلام، الأفراح حتى السري منها، الحب، التخييل والهرب من واقع ميئس، الثقافة، المؤسسات، دواليب الحكم وغيرها. حتى الدين لا ينجو من سلطانه، من حيث تأويلاته المتعددة التي يضيقها الديكتاتور وزبانيته مخافة أن تفلت منهم، قبل أن يسحب الدين نحوه بالشكل الذي يخدمه. لا يريد من التخييل أن يخرج من يده مخافة أن لا يستطيع مراقبته والانفلات بعيداً عن التفسير الرسمي السياسي والإيديولوجي. لقد قُتِل الكثيرون أو عذبوا بسبب هذا التخييل المجنح، الهارب والمستعصي على الحصر والتضييق.
مزية الروائي أنه واحد من أكبر منتجي التخييل ومحرّريه من دائرة الرقابة مباشرة، بالمواجهة أو بالتحايل الذي يوسع من دائرة التخييل والتأويل، ويمنح الكاتب مساحة جديدة للمناورة. الروائي بتخييله الحّي، يمنح الناس عالماً موازياً حياً وديناميكاً مقابل عالم اليأس والبؤس والمحدودية الذي يفرضه الديكتاتور من خلال سلسلة من الممارسات الإذلالية والرقابية.
جورج أورويل في روايته المعروفة 1984، وضع يده على ذلك فهو يتلمس عالماً تخييلياً يقع خارج المرئي وقتياً. حتى أبطاله الذين حلموا أو ظنوا أنهم يحلمون ويحبون ويفضون بأسرارهم لمن يحبون، وخرجوا من سلطان بيغ بروذر أو الأخ الأكبر، وجدوا أنفسهم داخل كماشته القاتلة. الرواية حلم وتعطش داخل فعل التخييل، لهذا يعيش الناس هذه اللحظة الروائية التخييلية كما لو كانت حقيقة ملموسة. تدخل إلى البيوت بلا خوف ولا حواجز ولا أسئلة قلقة. ومن يستطيع سجن الحكاية؟ الحكاية وحدها تملك القدرة على الارتحال نحو الساحات العامة، والدخول في عمق الناس بمختلف ألوانهم. تتسرب نحو البيوت الباردة والمقفرة، وحتى بيوت الأغنياء. بل ينط التخييل فوق الأسلاك الشائكة والحواجز العالية، بدون فيزا ولا مسبقات، ولا أسئلة الشرطة أو الجمارك والحدود أو اللغات. من هنا إنسانيته الواسعة والكبيرة لأن التخييل، مهما كان تعريفنا له، فهو مطلق الحرية. فلا موانع، ولا سلطان بين الكاتب والقارئ إلا سلطان ثقافة التلقي ونوعيتها. يخافونه لأن يمنح البشر وجهاً آخر للحياة، لهذا فالتخييل في النهاية، هو مساحة الحرية بامتياز.
ماذا فعل أبوليوس وهو يبتدع قصة الحمار الذهبي سوى تحرير التخييل والانتقال به نحو مساحات حكائية مغامراتية يستطيع فيها القول من خلال عملية التحول من إنسان إلى حمار فقط في ثانية واحدة، أو جرعة خاطئة، شرطه الإنساني، لكنه ظل محتفظاً بعقله الحيّ، وتبصره الكبير ونقده للمؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية والرقابية. استند أبوليوس على متكئ التخييل لمواجهة الكنيسة الرومانية المغلقة ومؤسسة الرقابة، فانتقدها من خلال حماره، فلم تجد بداً من اتهامه بالسحر الذي كان يعني الموت؟ ماذا فعل أيضاً أبو العلاء المعري وهو ينجز رسالة الغفران، سوى تحرير التخييل المكبل دينياً، نحو أقاصيه وابتداع مساحات جديدة له. لقد فتح المغلق على الحياة ومنحها امتداداً قوياً، أي أنه وفر لها قدرات غير محسوبة للحرية. جعل التخييل يرحل نحو الغرائبي الأبعد من الواقعي، ونحو مساحات كانت شديدة الضيق، محكومة بالغيب الذي لا يعني الحلم ولكن الاستجابة لمنظور عقدي عام ومشترك لا تفرد فيه، وضمن مقاسات مسبقة من الصعب تخطيها.
فقد خلق أبو العلاء المعري جنة وجهنماً وبرزخاً، وحولها إلى مساحة واسعة للشعر، كان هو الأوحد المحدد لحركتها وانتقالها بين الأمكنة الثلاثة. في الوقت الذي كانت في الكوميديا الإلهية لدانتي، بعد أكثر من قرنين، تستجيب لإملاءات محاكم التفتيش المقدس، وتعيد إنتاج المنظور الديني المهيمن. هذا التخييل الإنساني الذي تبناه المعري انقص من سلطان الديني في بعده الأكثر ضيقاً إذ جعل من التخييل الأدبي منتهاه ورغبته من خلال توصيف جاد يحكمه الأدب والسخرية. راهن إبو العلاء المعري، على التخييل للخروج من دائرة الضيق الذي فُرض عليه وعلى عصره. لم يكن ابن المقفع بعيداً عنه في كليلة ودمنة، بفتحه مساحة الحيوان لينشئ على لسانها خطاب السلطة المضادة. قتل ابن المقفع بتمزيق لحمه وحرقه، لكن تخييله بقي حياً وعبر المحيطات ليجد امتداده في أوروبا مع لافونتين.
المصير نفسه صنع مأساة الحلاج. لم يجد من سبيل لمحاربة سلطان الدين الفئوي والضيق إلا في حرية التخييل الصوفي الذي ارتقى به نحو مراتب التسامي قبل أن يُصلب ويُحرق ويُرمى رماداً في نهري دجلة والفرات. ليس غريباً أن يحمل الهيدالغو في دون كيخوتي على عاتقه مسؤولية نقل المعارك الوجودية والقيم، إلى مساحة التخييل. لم ينج سيرفانتس في العالم الكنسي المتطرف من النظرة الديكتاتورية الأحادية نفسها. فقد جعل من دون كيخوتي دي لامنشا والكتب التي منحته فسحة الهرب والقدرة على التمادي نحو أقاصي التخييل، سجاده الطائر عبر عوالم لا يحدها حد والتي أنشأ داخلها متخيلاً وسم القرن السابع عشر كله. عندما عاد إلى اسبانيا بعد محنة حبسه في الجزائر، ضُيِّقَ على متخيله الحر وأجبرته محاكم التفتيش المقدس على إثبات أصالته وأحقيته الكاثوليكية، بإحضار وثيقة نقاء الدم التي تثبت أنه لا يوجد في دمه ميراث جيني يهودي أو مسلم. غابرييل غارسيا ماركيز واجه الديكتاتورية بأدوات أسلافه نفسها في روايته العظيمة خريف البطريرك وغيرها، حيث توغل في عمق الديكتاتور وأنتج نموذجه التخييلي الحر الذي يمكن تطبيقه على كل الملتصقين حتى الموت بالسلطة. وأثبت أدبياً أن التخييل الأدبي هو أقصى درجات الحرية التي يمارسها كاتب ما في عصره، تفشل أمامها المؤسسة القامعة مهما كانت حدة أدواتها وتنوعها وسطوة سلطانها.
خسرت الديكتاتوريات العالمية والعربية أيضاً رهاناتها القمعية لأنها في النهاية أخفقت أمام تخييل تعدى الأزمنة والأمكنة والخوف. فقد صورها في تخييله، فضح ميكانيزماتها، وصّف جبنها وبؤسها، تتبّع هزائمها السرية أمام سلطان الفن الحر. أدرك المبدعون في وقت مبكر أن نَفَسَ الحرية الانسانية لا يموت مهما كانت قسوة الظرفية، لكنه يتخفّى داخل التخييل لأنه المساحة الوحيدة التي لا يلمسها الظلام أبداً. عندما تبدأ أمة من الأمم في التحلّل، تموت عبقريتها الفنية، ويتسطح متخيلها، فيصبح مجرد صدى لسلطان القوة. العالم الجاف، عالم الموت والنهايات هو عالم الديكتاتور بامتياز. الرداءة التي يلبسها أو يتماهى فيها، هي منبت البشاعة التي تستمر فيه حتى تلاشيه.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 7529

التعليقات
#1453969 [ود الساير]
1.00/5 (1 صوت)

05-01-2016 10:26 PM
مشكور على هذا السرد الرائع



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة