الأخبار
منوعات فنية
النظرة الاستشراقية في أفلام المخرجين العرب
النظرة الاستشراقية في أفلام المخرجين العرب
النظرة الاستشراقية في أفلام المخرجين العرب
الأميركية "لولا" التي جاءت لتعليم المصريين احترام تراثهم


06-12-2016 05:12 PM

فيلم 'إللهيات' يخضع موضوعه وشخصياته لكثير من الصور النمطية أو 'الكليشهات' المألوفة التي عرفها وأدمنها الجمهور الغربي.
العرب أمير العمري

انفجر الجمهور الفرنسي الذي امتلأت به قاعة “مسرح الكروازيت” في عاصفة من التصفيق استمرت لعدة دقائق بعد انتهاء عرض فيلم “إللهيات” (Divines) وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة المغربية-الفرنسية هدى بنيامينه. وقد عرض الفيلم في تظاهرة “نصف شهر المخرجين” التي تنظمها جمعية المخرجين الفرنسيين في مهرجان كان السينمائي.

لم يملك المرء سوى التحديق في ذهول، في تلك الظاهرة التي تسترعي الانتباه، فنحن أمام عمل لو جاء مثيل له من مصر أو تونس أو لبنان مثلا، لنظر إليه باعتباره عملا ميلودراميا بدائيا فارغا، ولما أدرج أصلا ضمن برنامج عروض النخبة في تلك التظاهرة المرموقة التي كان لها فضل اكتشاف عدد كبير ممن أصبحوا الآن من كبار السينمائيين في العالم.

ويصبح السؤال هنا ببساطة: لماذا؟ وهو ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال بحيادية وإنصاف، دون أن نغبن المخرجة المجتهدة حقها، فما يهمنا أكثر، هي دلالات الرؤية التي تقدمها بنيامينه في فيلمها الأول، ونوعية السينما التي تأثرت بها وانعكست على صياغتها الدرامية لفيلمها، وهل يستحق الفيلم نفسه كل ما لقيه من إعجاب من قبل جمهور ينبهر عادة بما يقدّم له شريطة أن يحتوي على جرعة دسمة من التسلية، خاصة إذا كان الفيلم من نوع الكوميديا كما ثبت في أكثر من فيلم أضحكت كثيرا، ليس فقط جمهور السينما، بل والكثير من الصحافيين السينمائيين ومن يعتبرون ضمن زمرة نقاد السينما.

عنوان مضلل

“إللهيات” (Divines) الذي حصل على جائزة “الكاميرا الذهبية” التي تمنح للعمل الأول تشجيعا لمخرجه، فينبغي القول أولا إن عنوانه يبدو ملتبسا، فقد كان من الأفضل من وجهة نظر كاتب هذا المقال، لو أطلقت المخرجة على فيلمها هذا- وهي التي كتبت السيناريو بالاشتراك مع رومين كومبينت ومالك روميو- “أرضيات”، فلا علاقة له بسينما التأمل الفلسفي الذهني، ولا بالأحاسيس والمشاعر المرهفة أو العلاقة بين الإنسان والله، بل عمل مليء بالحسيات الأرضية المباشرة في أكثر أشكالها تدنِّ وفجاجة: التمرد والرفض المجنون والسرقة والعنف والقتل والاشتهاء والجنس والمخدرات والحرائق.

ولا بأس إذا كانت كل هذه العوامل مصاغة في سياق من الواقعية التي قدمت لنا من قبل أعمالا عظيمة في السينما من أشهرها وأكثرها رسوخا في الذاكرة فيلم “سارق الدراجة” (1948) لفيتوريو دي سيكا، لكننا هنا أمام فيلم مضطرب، يتأرجح بين أساليب عدة، تحاول مخرجته أن تروي كل شيء عن كل شيء، بشتى الطرق والأساليب، فتنتهي إلى خليط من الأنواع السينمائية: الكوميدي والبوليسي والرومانسي العاطفي وصولا إلى الميلودراما الفجّة التي تشبه ما نشاهده في أكثر الأفلام الهندية استخفافا وسطحية، لكننا أمام فيلم فرنسي، في مهرجان فرنسي، موضوعه عن فتاتين مسلمتين مراهقتين في فرنسا، تتمردان على الواقع الذي تعيشانه في إحدى ضواحي باريس الفقيرة الهامشية التي تقطنها أغلبية من الغجر: الفتاة الأولى عربية هي “دنيا”، والثانية أفريقية تدعى “ميمونة”.


الأولى، “دنيا” نحيفة، شقية، تمتلئ بالحيوية والرعونة، ذات طابع عدواني واضح، نراها في أولى مشاهد الفيلم تتمرد على معلمتها في المدرسة وهي تحاول أن تعلمها وغيرها من الفتيات، كيف تصبح سكرتيرة ناجحة في إحدى الشركات، تتلقى المكالمات الهاتفية، تبتسم وترد بأدب على المتصلين، بينما بطلتنا ترفض هذا الدور التقليدي الذي تصفه بالعبودية أو الاستعباد، وتتعهد لنفسها وللجميع أن تحقق الثروة والثراء وتصبح شيئا ما في المجتمع، وتغادر المدرسة بعد أن توبخ المعلمة توبيخا قاسيا بلا مبرر سوى إظهار مدى شراستها التي ستتطور فما بعد بحيث تصبح صورة نمطية يتعرف عليها الجمهور الفرنسي والغربي بشكل عام، باعتبارها إحدى “فتيات الضواحي”، بنات المهاجرين.

ثنائي التمرد

“دنيا” ستجذب معها صديقتها، “ميمونة” (لاحظ أن الاسم يطلق عادة على القردة!) ابنة إمام مسجد الحي، التي لا تقل عنها جنونا ورغبة في المغامرة والإفلات من أسر الواقع القاسي وحياة الفقر، ربما يكون الفرق الوحيد أن شخصيتها أضعف من شخصية دنيا، وبالتالي تسمح لدنيا بقيادتها، كما أنها بدينة وثقيلة الحركة نسبيا. والطريف أن المخرجة قالت في أحد تصريحاتها الصحفية إنها أرادت أن تكون الفتاتان معادلا للثنائي الشهير لوريل وهاردي (النحيف والبدين)!

هذا الثنائي الأنثوي المراهق الذي سيتخفّى تحت ثياب الإسلام الأفغاني، سينطلق في سرقة السلع من مراكز التسوق، وإخفائها تحت الثياب الفضفاضة. وهي صورة “استشراقية” نمطية أخرى، تلعب على الخوف الغربي التقليدي من مرتديات البراقع. لكن دنيا ستلجأ للاختباء داخل مسرح ليقع نظرها خلسة على راقص فرنسي شاب هو نفسه حارس الأمن في “السوبرماركت” الذي تسرق منه مع صديقتها ميمونة، ولكنه يمارس في هذا المكان تدريباته على الرقص التعبيري، أكثر ما يجذبها فيه تضاريس جسده مفتول العضلات، وهي صورة أخرى نمطية شائعة لفتى الأحلام.

وستقع حينها بالطبع في حبه، لكن هذا لن يثنيها عن الانتماء إلى عصابة تديرها امرأة شرسة تدعى ربيكا، هي التي ستعيد تشكيلها، كامرأة جذابة، تجعلها ترتدي أحذية ذات كعب عال، وفساتين سهرة مكشوفة مغرية، وتعيد تصفيف شعرها بحيث تكسبها أنوثة تتجاوز عمرها بحيث تتمكن من أن تغوي الرجال، تمنحها مسدسا وأحدث أجهزة الهاتف المحمول، وتعتمد عليها في توزيع المخدرات، مع تدريبها على ممارسة العنف عند الضرورة.

هناك بالطبع قوانين تحكم عالم الجريمة، ولكن الطمع الشخصي سيؤدي بدنيا للوقوع في المحظور، وتتعرض بالتالي لمتاعب لا ينقذها منها سوى حبيبها الذي يأتي في الوقت المناسب، لكن صديقتها ميمونة هي التي ستدفع الثمن. هناك بالطبع إشارات إلى سلبية الشرطة، وغضب مراهقي الضواحي المحرومين من أبناء المهاجرين، ثم إشعال حرائق، ليصل الفيلم إلى ذروة التعبير الميلودرامي مع كثير من الصراخ والبكاء والعويل، وهنا تتحول النكتة إلى كارثة، وتجمد الضحكات على الشفاه، بعد أن نشبت أعمال فوضى لا نعرف إلى أيّ مدى ستصل، والأهم أن لا أحد يفهم لماذا وقعت في هذا السياق السينمائي العجيب الذي يحتفي بشكل ما، بالرعونة بوصفها شجاعة، وبالتخلّي عن الدراسة باعتباره تمردا على العبودية، وغير ذلك من أفكار تتصف بالسذاجة.

طاقم فيلم "إللهيات" في مهرجان كان


صور نمطية

لا شك في براعة التنفيذ الحرفي للكثير من مشاهد الفيلم، ومن أفضلها وأكثرها انسجاما مع الرؤية الرومانسية في البداية، مشهد دنيا وهي تدعو صديقتها ميمونة لأن تركب معها سيارتها الجديدة من نوع فيراري، وتأخذ في استعراض ما أصبحت عليه من ثراء ورونق من ملابس وماكياج وغير ذلك، وهو مشهد مجسد بالصورة على مستوى الخيال بالطبع.

المشكلة أن فيلم “إللهيات” يخضع موضوعه وشخصياته لكثير من الصور النمطية أو “الكليشهات” المألوفة التي عرفها وأدمنها الجمهور الغربي، مع التأكيد على الأصول العرقية والدينية للفتاتين، وكأنما العنف والجريمة عنصران متأصلان داخل تلك “التركيبة”، في مقابل الرقص والفن والجمال عند الشاب الفرنسي مثلا، كأنما السقوط طبيعي في الحالة الأولى، بينما التسامى هو البديل في الحالة الثانية.

ولعل العنصر الذي يجعل الفيلم يبدو رغم كل ما فيه من ثقوب، متماسكا وجذابا، أداء “عُلية عمارة” في دور “دنيا” التي تضفي بحيويتها وقوة شخصيتها وتمرّدها المجنون، الطرافة والجاذبية على الشخصية التي تمثلها، وإن ذهبت أحيانا إلى أبعد من الحدّ المقبول. وقد صرّحت المخرجة بعد عرض الفيلم في كان بأن الفتاة هي شقيقتها، وأنها تدربت على التمثيل لمدة سنتين في الورشة التي أسستها هدى بنيامينة باسم “ألف وجه” قبل أن تقدم على إخراج فيلمها الأول، الذي جاء -بغض النظر عن نمطية الكثير من مواقفه وشخصياته- متأثرا بأفلام أخرى سابقة عرضت لنفس الموضوع.

"كل ما تريده لولا"

يردنا فيلم “إللهيات” إلى عمل آخر اكتسب سمعة كبيرة وأثار وقت ظهوره الكثير من الضجيج وفيه من السمات الكثير الذي يجعلنا نرى تشابها بينه وبين فيلم “إللهيات” كونه يطلق من منظور مشابه، يعيد إنتاج وتقديم كل ما من شأنه أن يلقى استقبالا من جانب الجمهور الغربي نظرا لما هو مستقر مسبقا في ضميره الثقافي من أفكار عن “الآخر” الشرقي.

كان الفيلم الأميركي الفرنسي “كل ما تريده لولا تناله” للمخرج المغربي نبيل عيوش يدور ظاهريا حول العلاقة بين الشرق والغرب، بين الثقافة العربية التقليدية والثقافة الغربية الأميركية، وما يمكن أن يؤدي إليه الاحتكاك بينهما، محوره هي “لولا” الشابة الأميركية التي تغرم بالرقص الشرقي حدّ الهوس، وتسعى لتحقيق حلمها بتعلمه في القاهرة على يدي راقصة قديمة خبيرة اعتزلت منذ فترة تدعى “اسمهان”، وتحقق نجاحا كبيرا في مجتمع القاهرة لكنها تقرر العودة إلى بلادها تحمل معها ما تعلمته.

عند وصول الأميركية الحسناء “لولا” إلى مطار القاهرة نرى مبنى المطار وقد تحوّل إلى خيمة كبيرة، تزدحم بمئات الأشخاص الذين يرتدون الجلابيب، يحمل بعضهم الحقائب والأمتعة فوق رؤوسهم، وكأننا نشاهد محطة للقطارات في مدن الشرق الفقيرة في عشرينات القرن الماضي، ثم تسير هذه الأميركية “البيضاء الشقراء” في شوارع القاهرة كأنها “نصف إلهة” هبطت من السماء، يطمع فيها كل الرجال: عامل الفندق البشع ذي النظرات الشرهة، وبائع البرتقال الذي يفغر فمه في بلاهة واشتهاء، والرجال في العلب الليلية التي تغشاها للرقص دون أن تعرف مغبة ما تفعله.. ويجعل الفيلم سائق التاكسي الذي يعرض على “لولا” توصيلها رجلا يرتدي جلبابا ويضع عمامة على رأسه، في صورة تقليدية لا وجود لها في واقع مدينة القاهرة.

مدينة الموتى

أما أخطر ما في الفيلم من حيث طابعه الاستشراقي فيتمثل في الأفكار التي يروج لها: هنا نحن أمام أميركية تبحث عن “الأصالة” الشرقية في مصر، وتبدأ رحلتها بالإطلال على ما يطلق عليه صناع الفيلم “مدينة الموتى”، أي مقابر القاهرة التي يقطنها قطاع من السكان، لتتحول هذه الحالة المرتبطة بفشل مشاريع التنمية في مصر، إلى “قصة” ذات مغزى أسطوري خاص، كما تتعرض لولا عدة مرات للاعتداء الجنسي والاغتصاب من طرف الرجال، فمجتمعات الشرق لا تسمح للنساء بالسير في الشوارع والتجوال ليلا.

والمرأة مستهدفة من الرجال باعتبارها هدفا جنسيا، والملاهي الليلية تمتلئ بمن يبعثرون المال يمينا ويسارا، (وهي صور نمطية مألوفة يعيد الفيلم إنتاجها وترويجها) والشاب المصري صديق “لولا”، الشاذ جنسيا، هو أكثر الجميع رقة وعذوبة وإخلاصا لصديقته فهو لا يطمع فيها بل يرقد معها في فراش واحد دون أن يلمسها، ويشكو لها كيف أن حياة المثليين في الشرق لا تطاق ويهرب من بلده إلى أميركا حتى يستمتع بحريته الجنسية، أما الشاب الذي جاءت لكي تبحث عنه في القاهرة والذي ارتبط معها بعلاقة حب، فهو يقول لها إن الرجل الشرقي يتزوج المرأة التي لا يحبها ثم يخونها مع المرأة التي يحبها!

والرسالة التي يرغب الفيلم في توصيلها أن الأميركية الشقراء التي تقوم بدور الواسطة في التواصل الحضاري بين الشرق والغرب، هي الأكثر اهتماما باستخراج تراث الشرق والحفاظ عليه، وهي التي تعطي المصريين درسا في ضرورة ألا يشعروا بالخجل منه، كما تتمكن من تحويله إلى فن تعبيري جميل، وليس لمجرد الإثارة، تلقي قبل عودتها إلى بلادها خطبة مفتعلة تعرب فيها عن حبها لمصر وللمصريين واحترامها لهم، وتدعوهم إلى الاعتزاز بتاريخهم وتراثهم الحضاري، أما هذا التراث فهو لا يتمثل سوى فيما يطلق عليه الغربيون “هز البطن”!



ناقد سينمائي من مصر
أمير العمري


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 801


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة