الأخبار
منوعات
مي الريحاني: النخب العربية أضاعت على شعوبها فرصة ذهبية
مي الريحاني: النخب العربية أضاعت على شعوبها فرصة ذهبية
مي الريحاني: النخب العربية أضاعت على شعوبها فرصة ذهبية


07-10-2016 02:08 PM

الريحاني لعبت دوراً هاماً في زيادة الوعي لفهم التحديات التي تواجه الشباب في العالم النامي، وهي كاتبة وشاعرة القصيدة المنثورة، آخر مؤلفاتها 'ثقافات بلا حدود'.
العرب كندة قنبر

واشنطن - على أطراف مدينة واشنطن، تُطل نوافذ شقة رقم 508 على غابات كثيفة في مد النظر ليقسمها نهر البوتاميك الشهير إلى قمسين. جو هادئ، بعيد عن صخب سياسة هذه المدينة وصفقاتها التي أصبحت صعبة الفهم على كل من يتابع المشهد السياسي في الشرق الأوسط. في زاوية البيت، وضع بيانو كبير محاط بلوحات تنتمي إلى مدارس فن مختلفة، منها التشكيلي والتجريدي. مكتبة حائط كبيرة تنوعت فيها الكتب الأدبية والسياسية والاقتصادية والتنموية وبعدة لغات منها العربية والإنكليزية والفرنسية.

خصل شعرها البيضاء تحكي قصة تاريخ طويل وحضارة مجيدة كما تحب أن تطلق عليها. ما يميز هذه السيدة، صوتها الرقيق الهادئ وحديثها باللغة العربية الفصحى المنمقة. ولدت في زمن ذهبي وبيت عُرف بإرثه الثقافي العربي الكبير. ابنة ناشر لبناني أعطى للكتاب العربي حقه رغم أنه عاش وترعرع في مدينة نيويورك.

كان منزل أبيها في لبنان صالوناً أدبياً شهيراً ووجهة لكل أديب و شاعر عربي. تَربت على أدب جبران خليل جبران ومي زيادة وإيليا أبو ماضي، عشقت الشعر والثقافة العربية، ولمَ لا وأحمد صافي النجفي والرصافي كانا من زوار أبيها الدائمين. تُعرّف عن نفسها بأنها سيدة عربية أولاً قبل أن تكون لبنانية أو مسيحية مارونية، ابنة شقيق المفكر والأديب العربي الشهير أمين الريحاني، الكاتبة والشاعرة مي الريحاني.

عملت مي الريحاني في الأمم المتحدة واليونيسيف، والبنك الدولي. وفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية اشتغلت على تطوير التعليم والتربية وتمكين المرأة والبنات في عدد من الدول النامية المختلفة. تنقلت بين أفريقيا وآسيا ودول الشرق الأوسط وخاضت في قضايا حساسة جدا كملفات اختطاف واغتيال الفتيات في نيجيريا وأفغانستان وباكستان وبلدان أخرى من أجل التعليم.

وفي الولايات المتحدة، لعبت دوراً هاماً في زيادة الوعي لفهم التحديات التي تواجه الشباب في العالم النامي وقدمت شهادات عدة أمام الكونغرس الأميركي. هي كاتبة وشاعرة القصيدة المنثورة، آخر مؤلفاتها “ثقافات بلا حدود”.

لقاء “العرب” مع مي الريحاني جله كان حول التحديات التي تعصف بالمنطقة العربية وتداعيات الثورات العربية وما نتج عنها من ظهور قويّ وكبير للجماعات الجهادية والتفكيرية والتغيير الجيوسياسي والأولويات الدولية. تقول الريحاني إنها “مازالت متفائلة رغم كل شيء”.

الهوية والثقافة العربية إلى أين

إن الحديث عن مفهوم الهوية العربية أو تعريفها، يثير على الدوام جدالاً كبيراً وشائكاً خاصة عند التطرق إلى التيارات الفكرية الإسلامية والتي تربط مفهوم الهوية بالدين واللغة، وبين التيارات القومية التي تحاول أن تنظر إلى الهوية من خلال دراسة مكونات المجتمع العربي والتي تعتمد على ركائز اللغة، والدين، البنية الاجتماعية والتركيبات السياسية. ولكن وفقا لمنهج الحدث التاريخي إما على أساس ديني أو سياسي.

وفي ظل التفكك الذي تعيشه المنطقة العربية أصلاً وعلى جميع الأصعدة سواء كانت قطرية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو طبقية أم مجتمعة معاً، فإن هذا التفكك زاد عليه عنصر جديد هو غياب السلطة المركزية وفشل كل المشاريع السياسية لكل من التيارات القومية منها والإسلامية المنظمة. لتعطي الفرصة لانطلاق تيارات جديدة منها تيارات الهويات الجديدة والتي تأخذ من التدين المتشدد أو القوميات الأخرى ذريعة في محاولة لصياغة مفهوم أو تعريف جديد للهوية في المنطقة.

تقول الريحاني إن فهمها للهوية العربية يأتي عبر دراسة مكونات هذه الهوية والتي تنطلق بالشكل الأساسي من عامل اللغة. فاللغة هي العمود الفقري للهوية العربية، والحضارة الغنية والتاريخ المجيد المشترك ما بين المناطق العربية المختلفة من مغربها إلى مشرقها مروراً بشبه جزيتها العربية.

وتؤكد الريحاني على أن الهوية العربية مازالت موجودة. ولكن تحتاج إلى إعادة النظر فيها، وإعطائها دفعاً جديداً، لوضعها على المسار الصحيح كي تكون أكثر قوة. ولن يتحقق هذا إلا عند النظر بشكل تكاملي إلى اللغة والحضارة والتاريخ معاً، والانفتاح على الآخر والقبول بالمكونات الأخرى في المجتمع العربي. وبرأيها لا يمكن أن تصاغ الهوية العربية دون مبدأ فصل الدين عن الدولة مع احترام الأديان، حيث لا يمكن إنكار وجود الدين في البنية العربية واعتباره عاملاً هاماً. ولكن في نفس الوقت لا يمكن صياغة الدين كهوية على حساب معتقدات أخرى. ويأتي فصل الدين عن الدولة في إطار مشروع مدني يعمل من وجهة نظر الريحاني على تقوية العناصر المكونة للهوية العربية، وبالتالي نكون قد وصلنا إلى هوية متكاملة ترقى إلى مستوى الإرث الحضاري والتاريخي القوي الذي حققه العرب سابقاً.

الإسلاميون والأنظمة

في بعض الدراسات التي تتأسس على مفهوم الهوية العربية، نرى أن بعض التيارات الإسلامية المتشددة تخلط مفهوم الحداثة والتحديث والذي أثر بشكل كبير على مفهومها للهوية. حيث رفضت الجماعات الإسلامية مفهوم الحداثة عند الغرب، تحت ذريعة أنها مفاهيم استعمارية وطالبت بالهجوم عليها.

هذه المغالطة الكبيرة في النظر إلى الهوية الغربية والتي تصب من زاوية استعمارية فقط، قد أثرت على المفهوم العام للهوية في المنطقة العربية، وفقاً للريحاني، حيث لا يمكن التعميم على الثقافة الغربية أنها بطبيعتها مضادة للقيم الإنسانية وعلى أنها معادية لدين معين دون سواه.

وفي التمعن بالأسباب التي أدت إلى الثورات العربية، ترى الريحاني أن الثورات العربية كانت نتيجة لضعف الهوية العربية، وبسبب أزمة الهوية ذاتها. “أزمة الهوية” التي تتكلم عنها الريحاني هنا، تكمن في عدم إعطاء الأنظمة السياسية العربية أهمية لما يسمى بالعدالة الاجتماعية والمواطنة.

بعد اندلاع الثورات العربية في المنطقة، لم يفاجئ الكثيرين من متابعي المشهد، صعود التيارات الإسلامية، ووصولها إلى سدة الحكم كما حصل في تونس و مصر. ولكن الأمر الذي كان قد غيّر المسار لدى الكثير من القوى الثورية، هو خروج قيادات جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسها المرشد العام للجماعة محمد بديع وخطابه الشهير الذي قال فيه إن حلم الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في إحياء الخلافة الإسلامية قد اقترب.

وتلى هذا التصريح “بحلم الخلافة”، تصريح آخر وأكثر وضوحا هو تصريح الداعية الإسلامي صفوت حجازي والذي قال فيه إنه “سيتم إحياء الخلافة الإسلامية وستكون عاصمتها القدس الشريف وأن مصر ستصبح مجرد ولاية إسلامية في هذه الخلافة”.

تلك الخلافة لم ُتعرف حدودها ولا هويتها ولا نظامها السياسي، وهو ما يثبت أن الهوية العربية في أزمة أكبر مما كانت عليه، وخاصة أن التحديات في ظل الثورات قد بدأت تأخذ صبغة دموية و تبعد عن سلمية حراكها في البداية.


هذا التطور على ساحة بلدين هامين مثل تونس ومصر، وهي أكبر الدول العربية، يظهر من جديد الصراع الكلاسيكي بين التيارات الإسلامية والتيارات القومية حول مفهوم الهوية العربية و مستقبلها.

وترى الريحاني أن هذا الصراع هو من أهم العوامل لأزمة الهوية العربية والتي فشلت جميع التيارات سواء كانت إسلامية أم قومية بالوصول إلى مفهوم واضح حولها. وهي تشدد على أنه لا يمكن تسويق الإسلام على أساس أنه في حالة صراع مع الأديان والثقافات الأخرى، وبالتالي ربطه بالهوية الذاتية للفرد. لأن هذا يعني إقحام الدين الإسلامي في صراع مع المكونات الأخرى في المنطقة العربية، ويفتح باباً كبيراً من التساؤل من قبل هذه الأقليات والمكونات في ما إذا ما كانت هي جزءًا من هذه الهوية التي يراد التسويق لها.

لا يمكن إغفال وجود التنوع الديني والعرقي في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على الأدب والثقافة العربية. اليوم الريحاني العربية اللبنانية كما تحب أن تعرّف عن نفسها، هي من الأقليات المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، تعمل رئيسة لكرسي جبران خليل جبران وهو مركز أبحاث و تبادل ثقافي في جامعة ميريلاند الأميركية. تحاول من خلال عملها أن تعزز فكر وفلسفة هذا الأديب والمفكر السوري اللبناني والذي عاش في أميركا، والذي جلب عنصر الروحانيات معه من المشرق، مؤكداً على الحاجة إليها.

تنوع المجتمع العربي

ولكن في نفس الوقت استطاع أن يفوق رجل الغرب، مستفيداً من بيئة الحرية والديمقراطية والمساواة في الفرص، الأمر الذي فتح الأبواب أمامه وجعل من إنجازاته رمزاً لمفهوم أميركا نفسها، على أنها أمة مؤلفة من المهاجرين، خُلقت من خلال إبداعهم لبناء مجتمع دولي مزدهر موحد جاء من تنوعه.

التنوع في العالم العربي، في نظر مي الريحاني، هو إغناء للهوية العربية، ولا يجوز التشكيك به. والحوار هو الحوار الفكري بين الأكثرية والأقلية لخلق المفاهيم. في أميركا والصين لا نرى أن الأميركي يشكك بأميركيته والصيني يشكك في صينيته، رغم تعدد الإثنيات والأديان في البلدين.

تركز الريحاني على فكر جبران في التنوع للوصول إلى الوحدة، والتي تُعرفها على أساس الوصول إلى وحدة المشاعر الداخلية وذلك عن طريق وحدة العناصر المادية، والتمايز والديمومة. فلا يجب أن تكون لدينا مشاكل مع الأمازيغية في المغرب العربي ولا الكردية والآشورية والكلدانية في المشرق، كلها بالنسبة إلى الريحاني أنهار تصب في البحر العربي الكبير والثقافة العربية.

تذهب الريحاني أبعد من ذلك، لتتكلم عن الهوية الإنسانية البشرية، وتؤكد أنه من المستحيل خلق هويات تعتمد على العرق والدين الواحد، وهذا بسبب وحدة العوامل التي تجمع الإنسان.

تقول إن علينا الانطلاق من الهوية الإنسانية أولاً، لكي نستطيع أن نبني هويات أخرى.

التنمية والتعليم

في ظل الحراك الانقلابي الذي تعيشه البلاد العربية، أصبح مصطلح “أزمة الهوية” مصطلحاً يعبّر عن الواقع العربي الذي يعيش انقلاباً كبيراً على أنظمة الدولة وطبيعة النظم السياسية وماهيتها، مع منظومات المجتمع في المستويات المتعددة سواء الحزبية أو الأفراد، في أجواء تغيب النخبة عنها، وعلى ضوء عدم قدرة الهوية العربية على التعبير عن خصوصية هذا الفرد أو تلك الجماعة أو هذا المجتمع.لذلك لا بد من ربط وإعادة

ترميم الهوية العربية بالقضايا التنموية، التي تصب في صناعة الأمم. وعن طريق ربط التنمية سواء الاقتصادية أم الإنسانية أم السياسية، لخلق دائرة متكاملة للوصول إلى برّ مفهوم الهوية.

وهذا بالنسبة إلى مي الريحاني لن يأتي إلا عن طريق النظر في أنظمة التربية والتعليم والتي يجب ألاّ تقف عند الكتابة والقراءة و الحساب لدى الأطفال. بل تتعدى هذه الحدود لتصل إلى إدراج مفاهيم جديدة عليها، مثل تدريس المواطنة والعدالة الاجتماعية وإدخالها في المناهج التربوية، لتمكين الطفل والشاب، وهي الفئة الأكبر في المجتمع العربي، من فهم الدور المستقبلي الذي سيلعبه في مجتمعه. المواطنة والعدالة الاجتماعية والتسامح الديني والقبول بالآخر وفصل الدين عن الدولة قد تؤدي كلها إلى تشكيل نظام سياسي يستطيع أن يساعد على إعادة صياغة الهوية العربية لتصل إلى المستوى الحضاري والثقافي اللذين تحققا عبر التاريخ العربي الكبير.

مطرقة الإرهاب

يمثل الإرهاب تهديداً مباشراً على الديمقراطية كنظام سياسي وسلوك اجتماعي. ولكن محاربة الإرهاب عن طريق الإجراءات الأمنية، لن يساعد وحده، في القضاء عليه. بل العكس، يساعد بتحقيق أهدافه و ترسيخ أيديولوجيته و يقوّض بناء الدولة على الأسس الديمقراطية.

الثورة التكنولوجية الكبيرة والتي نتج عنها تغير جذري في العالم من خلال خلق منظومة اتصالات معقدة وسوق عالمية تختفي فيها الحدود لتشكل نوعاً من الوحدة العالمية، كانت ردة الفعل لبعض المجتمعات عنيفة في رفضها لهذا الثورة.

حالة الرفض العنفي والتشرذم في المجتمع العربي وظهور ثورة الأعراق وتمرد الخصوصيات الثقافية على التوحيد القسري، حاول بعض المفكرين العرب نسبتها إلى العولمة متناسين سياسة الأنظمة القمعية الشمولية.

إلا أنه على ما يبدو أن مفهوم “سياسات الهوية” يأخذ صوراً جديدة في هذا الظرف الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط.

هذا ليس بالأمر الجديد على أوروبا والعالم، فتجربة سياسة الهوية كانت دامية في البوسنة والهرسك، وكذلك في الهند بين المسلمين والهندوس، ويمكن اعتبراها صرخة عنيفة في التاريخ المعاصر لسياسات الهوية. واليوم نشهد صوراً جديدة أكثر عنفاً في التعبير عن سياسات الهوية والتي تؤثر بشكل خطير على الأمن العربي والإقليمي والاستقرار العالمي ككل.

أمام هذا المشهد الخطير تقول الريحاني إن النخبة فشلت في قيادة هذا التغيير، مع الإدراك أن النخبة العربية عانت الكثير من الظلم والقمع والاضطهاد، ولكن برأي الريحاني فإن النخبة قد أضاعت فرصة أسمتها ذهبية، وذلك عندما فتحت الثورات العربية نافذة الأوكسجين لتكون النخب رائدة في القيادة فآثر البعض منها الصمت.
كندة قنبر


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 694


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة