الأخبار
أخبار إقليمية
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (1/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (1/10)
جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (1/10)


(نحو إصلاح القطاع المالي و المصرفي)
07-14-2016 11:25 AM
الهادي هباني

ملخص و تقديم

تناولت مسودة البرنامج المقدمة للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني القطاع المالي و المصرفي بشكل عام مختصر منطلقة من حقيقة المتغيرات الهامة التي طرأت علي القطاع المالي و المصرفي خلال العقود الماضية متمثلة في إلغاء العمل بسعر الفائدة واتساع نفوذ المصارف و المؤسسات المالية الإسلامية وتمدد رأس المال الأجنبي العربي والإسلامي، و تراجع دور الدولة في هذا القطاع جراء عمليات الدمج والخصخصة وتركيز النشاط المصرفي في تمويل الأنشطة غير المنتجة وتغذية ثقافة المجتمع الاستهلاكي و الصعوبات التي فرضتها اتفاقية السلام الشامل (2005م) باعتماد نظام مصرفي مزدوج، إسلامي في الشمال وتقليدي في الجنوب، في إخضاع النظام المصرفي لأولويات التنمية. و بدلا من توجيه ما تستولي عليه البنوك من جزء كبير من الفائض الاقتصادي والموارد المالية نحو تمويل القطاعات الإنتاجية و التنموية كرستها لتمويل أنشطة طفيلية حققت معدلات ربح عالية أدت لمراكمة ثروات الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة و تعزيز هيمنتها الإقتصادية. و بناءا علي ذلك فقد وضعت المسودة عدة معالجات (في شكل خطوط عريضة) أهمها ضرورة وجود الدولة في القطاع المصرفي و تشجيع القطاع الوطني الخاص للاستثمار فيه، و أهمية دور البنوك المتخصصة لتمويل صغار المنتجين و المرأة في القطاع التقليدي مع تقديم الدعم الفني، و انتهاج سياسة مصرفية موحدة تقوم على أساس تطور الصناعة المصرفية المتعارف عليها عالميا، بجانب انتهاج سياسة نقدية تضمن التحكم في الفائض الاقتصادي وتوجيه موارد البنوك نحو القطاعات الإنتاجية، و تعزيز دور البنك المركزي داخل قطاع الدولة. و كذلك توجيه بنوك الاستثمار وشركات التأمين وغيرها من المؤسسات المالية غير المصرفية في تعبئة الفائض الاقتصادي و توجيهه لتحقيق أهداف إستراتيجية التنمية الوطنية الديمقراطية.
و علي الرغم من أن ما ورد أعلاه من تشخيص لأزمة القطاع المالي في بلادنا و من معالجات قد لخصت القضية في مجملها إلا أنها قد أغفلت بعض المتغيرات الهامة في القطاع المالي و المصرفي أهمها:

1- إلغاء العمل بالنظام المصرفي المزدوج في إطار التدابير والإجراءات الخاصة بانفصال جنوب السودان اعتباراً من 09/07/2011م و حتي تعديل قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م و ذلك بتجميد كل ما يختص بالبند (14) من بروتوكول قسمة الثروة المتعلقة بالسياسة النقدية والمصرفية والعملة والإقراض، و تعليق العمل بالفصل الثاني الخاص بسياسات النظام المصرفي التقليدي بالجنوب الواردة بمنشور سياسات بنك السودان المركزي الصادر بتاريخ 28/12/2010م، و ذلك بموجب منشور البنك المركزي (النمرة /ب س م/م م /6) بتاريخ 9 يوليو 2011م القاضي بالتعامل مع المصارف العاملة بجنوب السودان كمراسلين أجانب وأن تتم التحويلات بعد هذا التاريخ مع مصارف جنوب السودان بتوفير الغطاء اللازم بواسطة البنك المراسل بالعملات الأجنبية القابلة للتحويل، علي أن يتم إتباع كافة الضوابط والإجراءات في عمليات الصادر والوارد والتعاملات بالنقد الأجنبي كدولتين مستقلتين، و فصل وإيقاف العمل بالنظم الالكترونية المتمثلة في الشبكة المصرفية ومحول القيود القومي من المصارف وفروعها العاملة بجنوب السودان. و بالتالي أصبح النظام الإسلامي المصرفي هو النظام الحاكم في بلادنا و لم يعد هنالك نظاما مزدوجا بعد إنفصال الجنوب. فمن الواضح أن مسودة البرنامج المقدم للسادس قد تم صياغتها قبل إنفصال الجنوب.
2- المتغيرات الهامة التي حدثت في هيكل الرقابة علي الجهاز المالي و المصرفي و الذي أصبح فيه البنك المركزي ليس فقط مراقبا للنظام المصرفي و مسئولا عن وضع و تنفيذ و رقابة السياسة النقدية كما هو منوطا به كغيره من البنوك المركزية في البلدان الأخري، بل تغولت سلطاته و صلاحياته علي كثير من صلاحيات وزارتي المالية و التجارة و أصبح صانعا للسوق المالي قصير الأجل بدلا من أن يكون مراقبا لها كما سيتم بيانه لاحقا في هذه الورقة.
3- المتغيرات الكبيرة التي حدثت علي مستوي الرقابة المصرفية و إدارة المخاطر علي الصعيد العالمي و ارتباط الجهاز المالي عموما و المصرفي علي وجه الخصوص باتفاقية بازل 3 و الصعوبات التي تواجهها المصارف الإسلامية عموما و السودانية بصفة خاصة باعتبارها جزء من منظمومة مجلس الخدمات المالية الإسلامية المتمثلة في عدم قدرة المؤسسات المالية الإسلامية بما فيها المؤسسات الإسلامية العاملة في السودان حتي الآن للتوافق مع متطلبات كفاية رأس المال و نسبة السيولة و غيرها من المعايير الإشرافية المنصوص عليها في إتفاقية بازل 3 بحكم اختلاف الهيكل المالي للمؤسسات المالية الإسلامية و طبيعة منتجاتها عن نظيرتها في البنوك و المؤسسات المالية التقليدية مما يضطر الأولي للتحايل علي معايير الصيرفة الإسلامية نفسها و مبادئها المعلنة عن طريق تصميم منتجات و آليات وهمية معقدة لا تدعم الإقتصاد الحقيقي و لا تمت له بصلة و تساهم في زيادة معدلات التضخم.
4- تراجع شبكة المراسلين لكافة المصارف السودانية و تدهور إحتياطياتها من النقد الأجنبي في الخارج مما أدي إلي عجزها عن تمويل التجارة الخارجية و توفير مدخلات الإنتاج للقطاعات الإنتاجية. و نمو و تمدد السوق الموازي لتجارة العملة و تحكم كبار الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة و جهاز الأمن و المخابرات فيه.
5- المتغيرات السلبية الخطيرة التي أحدثتها تجربة الصيرفة الإسلامية علي صعيد الإطار الرقابي القانوني و القضائي معا الحاكمة للقطاع المالي من تعدد هيئات الرقابة علي القطاع المالي و المصرفي و سن العديد من القوانين و اللوائح التي أسهمت في إضعاف القطاع المالي عموما و فرضت علاقات إنتاج تصب في مصلحة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة علي حساب المودعين و صغار المستثمرين و حملة وثائق التأمين.
6- المتغيرات السلبية في تركيبة الموارد البشرية العاملة في القطاع المالي و التي خلقت كادر بشري مالي و مصرفي ضعيف غير مواكب للتطورات المتسارعة في الصناعة المالية و المصرفية علي الصعيد العالمي.
تعتبر هذه الورقة مساهمة لتوسيع و تطوير برنامج الحزب الشيوعي السوداني الخاص بالقطاع المالي و المصرفي الذي جاء في مسودة البرنامج المقدمة للمؤتمر السادس كخطوط عريضة تحتاج بالضرورة لمزيد من الشرح. و في سياق هذا الإطار تتطرق الورقة أولا: للخلفية التاريخية لنشأة الصيرفة الإسلامية في العالم العربي الإسلامي عموما كجزء من حركة البعث الإسلامي، و ثانيا: لنشأتها في بلادنا و كيف أنها تمثل تحولا نوعيا كبيرا في تركيبة الطبقة الرأسمالية. ثم تتناول ثالثا: الآثار السلبية لأسلمة القطاع المالي بأقسامه الثلاث (القطاع المصرفي، قطاع سوق المال، قطاع التأمين) و كيف أنها تمثل أبرز تجليات الاقتصاد السياسي للطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة الحاكمة لبلادنا و أهم أدواتها. ثم تتناول بعد ذلك في رابعا: المعالجات المقترحة لكل هذه السلبيات. و تدعو الورقة في خلاصتها لأهمية الاسهام الفكري و النظري و العملي العميق من قبل الشوعيين و الديمقراطيين و الأصدقاء المتخصصين في هذا المجال بهدف تطوير معارف الحزب في النهوض بالقطاع المالي و تطويره باعتباره أحد أهم القطاعات الاقتصادية التي تلعب دورا محوريا في استراتيجية التنمية الوطنية الديمقراطية.

أولا: إرتباط الصيرفة الإسلامية بحركة البعث الإسلامي
ارتبطت نشأة الصيرفة الاسلامية في العالم العربي و الإسلامي بظهور حركة الأخوان المسلمين كواحدة من أهم حركات البعث الإسلامي التي كانت تمثل فيها حركة الأخوان المسلمين الذراع الأيديولجي للفكر الديني السلفي الثيوقراطي المتطرف و الذي كان و لا يزال يحاول تقديم الإسلام كدين و دولة. فالنشأة كانت مجرد تعبير عن دافع ديني و شعور قومي لبعض شرائح البرجوازية الصغيرة المتأسلمة (بقيادة مؤسس الحركة حسن البنا) من المعلمين و الأطباء و طلبة و أساتذة الأزهر و بعض خريجيه و خريجي بعض المعاهد و الجامعات و الكليات المصرية بضرورة وجود كيان إسلامي للدفاع عن عقيدة الإيمان بالله و إحياء التراث الإسلامي في مواجهة الغرب عقب إنهيار الإمبراطورية العثمانية و كذلك في مواجهة المد الشيوعي بعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م و انتشاره في مصر (أميتاي، 2008). و أيضا في مواجهة المد اليهودي في المنطقة العربية و على وجه الخصوص مصر التي كان لليهود فيها تأثير كبير على الاقتصاد و التجارة و الصيرفة حيث سيطروا على أكبر المؤسسات الاقتصادية منذ بداية هجرتهم لمصر بتشجيع محمد علي باشا و ازديادها في عهد الخديوي إسماعيل و تمتعهم بكل الامتيازات الأجنبية، حتى وصلت أعدادهم في عام 1917 حوالي 59,581 نسمة (بباوي، 2001). و قد كان التطور الاقتصادي في مصر هو عامل الجذب الأساسي لاستيطانهم فيها مما ساعدهم على مراكمة ثرواتهم مستفيدين من فترة الكساد الاقتصادي عام 1928م. و هي نفس الفترة التي نشأت فيها حركة الأخوان المسلمين.

لقد استطاع اليهود في مصر تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة بلغت أقصاها في الفترة 1940م - 1946م في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي يعاني ركودا كبيرا نتيجة لأزمة 1928م و ظروف الحرب العالمية الثانية وأصبح يهود مصر أغنى طائفة يهودية في الشرق الأوسط. و يظهر ذلك الثراء و الهيمنة على الاقتصاد المصري (برغم عدم تجاوز نسبتهم 0.4% من إجمالي عدد السكان ذلك الوقت) في ارتباط تاريخ إنشاء البنوك في مصر باليهود. فقد تأسس البنك العقاري المصري (أول بنوك مصر) من قبل ثلاثة عائلات يهودية هي سوارس، رولو، و قطاوي. كما أسسوا بنك موصيري عام 1935م وبنك سوارس عام 1936م بالإسكندرية. و امتلكوا عددا من الشركات المالية المرتبطة بنشاط الصيرفة، كالشركة المصرية الفرنسية للتسليف التي أنشئت عام 1934م و شركة التأمين الأهلية المصرية التي أسسها أصلان قطاوي. كما أسس اليهودي أميلي عدس الشركة المصرية للبترول، و احتكر اليهودي (ايزاك ناكامولي) تجارة الورق في مصر. و أسس كليمان شملا شركة شملا كفرع لمحلات شملا باريس و التي تحولت الى شركة مساهمة عامة عام 1946م. كما أسست عائلة شيكوريل محلات شيكوريل المعروفة. و كذلك أسس الأخوان هارون و فيكتور كوهين شركة بونتبور يمولي أشهر شركات الديكور و الأثاث. و أسس موريس جاتينيو سلسلة محلات جاتينيو التي احتكرت تجارة الفحم ومستلزمات السكك الحديدية. هذا بجانب شركات بنزيون، ريفولي، هانو، عمر أفندي التي اشتهرت بها عائلة (عدس) اليهودية. كما احتكروا أيضا صناعات السكر، و مضارب الأرز التي أسسها سلفاتور سلامة عام 1947م، وشركة الملح والصودا التي أسستها عائلة قطاوي. و ساهمت أسرة موصيري في تأسيس شركة فنادق مصر الكبرى التي ضمت فنادق كونتيننتال، ميناهاوس، سافوي، و سان ستيفانو. و قد استثمروا أيضا في قطاع الإعلام حيث أسس اليهودي سعد يعقوب صحيفة الشمس عام 1934م، و كذلك صحيفة الكليم التي أسسها يوسف كمال في عام 1945م (هباني، 2009).

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2869

التعليقات
#1488245 [صالح عام]
2.50/5 (2 صوت)

07-14-2016 09:27 PM
شكرا د هبانى على هذه المعلومات القيمه ارجو ان تواصل الحلقات تباعا لان الذاكره خربت بعامل السن



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة