الأخبار
منوعات
"عزة".. حين تكون "الصيانة" امرأة.. مكانيكي ناعم



08-13-2016 12:30 PM


الخرطوم - حسيية سليمان
قد لا تبدو الدهشة كمفردة كافية للتبرير عن العجز في التعبير عن ما يخطر ببالك هذه المرة، لأن (خطرات) العربة يكاد ضوءها يأخذ لوناً آخر حين تعلم بأن من قامت بترميمها وإعادتها للحياة (امرأة) ومعلمة بلغة الشارع من الدرجة الأولى في وظيفتها.
سنار أنا والتاريخ بدأ من هنا
ربما تبدو الحكاية مختلفة عن ما تعود عليه الناس هنا، حيث في حي الإنقاذ مربع 4 يعلو ضجيج أصوات (الركشات والمواتر) ويحتل المكان، لكن وحده صوتها - لمّا سرى - يغير تفاصيل الأشياء وربما النظرة لما يحدث هناك.
عزة امرأة من عالم آخر تغوص بأناملها عميقاً في معادلة (الفك والتربيط) تتوشح (أبرولها) لتقول إنه من الممكن أن تخرج من تحت رقتها قدرات مختلفة مثل امتهانها لـ (المكانيكا) في عالم لا يزال يسيطر عليه الرجال فقط.
أمام الورشة ثمة صاحب (ركشة) يكتب على خلفيتها {ربنا يستر عليك من الميكانيكي} الشاب الذي يبدو أنه غير واثق في قدرات الذكور في إنجاز ما يريده يجعل شقا عمره (الركشة) ترتاح في ورشة عزة ويرتاح هو بأن النتيجة المنتظرة ستكون عودتها للحياة لأن الحياة في الأصل امرأة.
(عزة) التي جالستها في جزء من ظل لـ (موتر) بانت خصومتها للذكور أشد قوةً، وهي لم تخف يقينها بأن الزواج بالنسبة لها، وفي ظل هذا الظروف لا يتعدى كونه (تلتلة وشقاوة)، لكنها في المقابل تبدو في قمة السعادة، وهي تمارس مهنتها كـ (ميكانيكي) لصيانة الركشات والمواتر ولا تخفي سعادتها أيضاً بدخول المواتر الصينية لسوق السودان، فهو أمر من شأنه زيادة دخلها اليومي مع الحفاظ على استمراريتها فيها.
مضايقات وانتصار
المرأة التي تفوح منها رائحة زيت (المكنة) قالت إن ولوجها لهذا العالم المحجوز للرجال بدأ في تسعينيات القرن الماضي وتحديداً من مدينة سنار، وإنها بدأت العمل في صيانة المواتر حيث تتلمذت على يد المعلم {حسن رحمة الله}.
وروت لي كيف أنها في بداية عملها تعرضت لكثير من الضغوط من أسرتها لكن في نهاية المطاف تغلب عشقها لما تقوم به على ما سواه، ولا تخفي عزة وهي تتحدث بصورة سريعة كمن اعتاد الوجود في مجتمعات العمل اليدوي الشاق وبصوت عال أن العمل هنا لا يخلو من المشاكل ومن المتاعب اليومية.
وضحكت ساخرة من أنها رغم انتصرها بقدرتها على ترميم أي خلل كانت عاجزة عن تعلم لغة (الراندوك) ولا تنسى كذلك أن تشكو من (نقة) المتعاملين معها، وهي نقة معتادة في مثل هكذا ظروف كما وتضيف ابنة العشرين أنها تعرضت للكثير من الضغوط من قبل الآخرين بغية أن تترك عملها وتذهب للالتحاق بالعمل في (اتحاد المرأة)، وقالت إنها ردت عليهم: "يعني هناك امشي أسوي شنو؟ أنا زولة حديد ما نضمي ياخ.. بعداك أنا مستمتعة بي البعمل فيهو دة وما عاوزة ابدلوا".
والآن إن هي لا تفكر في تكوين أسرة بعد أن رحل زوجها، وتبرر ذلك بعدم قدرتها على جمع (شقاوتين) في قلب واحد.. الشقاوة الأولى (زوج) بجانب الثانية، وهي الميكانيكا.
مثلها وكل المعلمين في هذا المجال، فهي تمتلك مجموعة صبيان تدربوا على يدها وأصبحوا معلمين يشار إليهم بالبنان في مجال العمل في صيانة المواتر والركشات ولا يزالون يقدرونها جداً. وبحسب روايتها، فإن النجاح لا يرتبط بكونك رجلاً أو امرأة بل بمعيار قدرتك علي الصبر والتحمل في أداء عملك الموكل اليك.
احتيال يتعب الحال
في مهنتها التي امتهنتها تقول إنها تعرضت لكثير من المواقف وإن أكثر ما يزعجها هو (الاحتيال) وعدم الالتزام لكنها في المقابل تذكر أنها مارست ذات الاحتيال، وهي تستعيد مشهد مشاركتها في عمل صيانة خاص بشركة مشروبات غازية شهيرة، حيث قامت بصيانة عدة وابورات خاصة بالشركة بعد أن تم الاتفاق معها عبر الهاتف وأرسلوا لها عربة لتنقلها إلى هناك بعدها انشغلت بما تقوم به وبعد انتهائها من العمل خرجت وهي ترتدي لبسها وتربط الحجاب في رأسها، فسألوها عن المعلم الذي أنجز العمل، فردت عليهم قائلة "أنا المعلم!" وتكمل دهشتهم وتعجبهم مما حدث كانت نتيجته حادث حركة للعربة التي يقودها ذلك الشاب، وهو يحمل تساؤله كيف لامرأة أن تنجز ما أنجزت؟ فالشاب ساعتها لم يجد مكاناً يفرغ فيه دهشته غير (ابنص العربة)، وبالنسبة لها فإن الدهشة التي اعترت ذلك الشاب هي ابنة الخوف الذي يعتري الجميع، حين يتعاملون مع تلك الفتاة التي تحمل في يدها (مفك)، والذي يبدو كأنه موجه نحو رؤوسهم، وتلك المهابة التي لا يوجد ما يبررها غير رغبتهم، فإن تكون المرأة في مكان رسموه لها هم منذ سالف العصر الأوان وبضحكة تتوشح ثوب المنتصر والمفتخر بما يقوم به أردفت، لكنني سأكمل مسيرتي ودون توقف.
المكان يشهد
بين (بقالتين) تقف الورشة التي تعمل فيها عزة، شامخة بفعلها عند الصباح الباكر تطلب كوب قهوتها من امرأة أخرى تنفس فيه قدراتها وأفكارها قبل أن تمضي متجهة نحو صيانة أحد المواتر التي تنتظرها، وهو شبيه بذات الموتر الذي تستغله في رحلة عودتها إلى المنزل بعد يوم من العمل الشاق.
الفتاة السودانية التي عبرت وتجاوزت كل الأمواج المتلاطمة التي كانت تحول بينها وبين الاستمرارية هزمتها (موجة) أخرى حين شال السيل، قبل يوم واحد من كتابتنا هذه (ورشتها) الخاصة، وهي تعمل الآن في ورشة أحد المعلمين، وحتماً في جلوسها تحت ظل الموتر لا توقف حقها في الحلم بورشة حدادي مدادي تتحكم فيها النساء بقدراتهن التي تتجاوز عملية صناعة (حلة ملاح) مليانة زيت لإيقاف نزيف الزيت في الماكينات والدوران باتجاه تحقيق الأمنيات والمرامي في قصص تخبر عن عزيمة وقدرة البني آدم، وحقيقة تساوى القوى في قلب كل مخلوق.

اليوم التالي






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6588


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة